مجلة المعلوماتية مجلة المعلوماتية
حيث تلتقي المعرفة بالتقنيةمجلة فصلية في علوم المعلومات والمكتبات والتقنية

هوس الابتكار والعمل المكتبي المتأني: ماذا نتعلم من قصة «جوسيرو»؟

العددالعدد 61
تاريخ النشر
الصفحات25 - 31
عدد القراءات2

الملخص:

تتأمل المقالة أثر الرأسمالية والطابع المؤسسي التجاري في عادات عمل العاملين في المكتبات، وتنتقد احتفاء المهنة بالابتكار لذاته. فتنطلق من قصة شركة «جوسيرو» الناشئة في وادي السيليكون، التي أنتجت آلة عصير باهظة الثمن تعصر أكياسًا جاهزة يمكن عصرها باليد، لتقارنها بمشروعات ينجزها المكتبيون طلبًا للترقي والمكانة فتعقّد الخدمات دون حاجة. وتصف الكاتبة ضغوط نظام تقييم الأقران في مؤسستها، ومثال تقييم طلاب لمجموعة القراءة الترفيهية، وتجربتها الشخصية مع تحويل واجب تعليمي إلى منصة (Moodle) دون جدوى. ثم تعرض حركة البطء، من «الطعام البطيء» إلى أصدائها في المكتبات، داعية إلى أن تُبنى الخدمات على احتياجات المستفيدين الحقيقية، وإلى التزام علني بالتأمل والممارسات ذات المعنى بدل سلاسل الإنجازات اللافتة، مستعيرة من شجرة الجاكرندا التي لا تزهر إلا في أوانها.

الكلمات المفتاحية: هوس الابتكار، العمل المكتبي المتأني، حركة البطء، الطابع التجاري للتعليم العالي، احتياجات المستفيدين

محتويات المقالة
  1. جوسيرو: حكاية ذات مغزى:
  2. سباق الابتكار:
  3. العمل المكتبي المتأني:
  4. دروس من شجرة الجاكرندا:
  5. المراجع:

جوسيرو: حكاية ذات مغزى:

في أبريل 2017، ضجّ الإنترنت بالضحك على سقطة لإحدى الشركات الناشئة تصلح حبكةً فرعية في مسلسل «وادي السيليكون» (Silicon Valley). وكان محورها جهاز ادّعى أصحابه أنه سيحدث في إعداد العصير ما أحدثته آلات «كيوريغ» (Keurig) في تحضير القهوة:

كانت جوسيرو (Juicero Inc.) من أسخى الشركات الناشئة في مجال الأجهزة تمويلًا في وادي السيليكون العام الماضي. وهي تصنع آلة للعصير. ولم يكن المنتج خيارًا متوقعًا لكبار المستثمرين في التقنية، لكنهم انجذبوا إلى فكرة جهاز متصل بالإنترنت يحوّل أكياسًا أحادية الحصة من الفواكه والخضراوات المقطّعة إلى مشروب منعش وصحي… لكن بعد طرح المنتج في السوق، فوجئ بعض المستثمرين باكتشاف بديل أرخص بكثير: إذ يمكنك أن تعصر أكياس جوسيرو بيديك العاريتين. (Huet & Zaleski, 2017)

كان سعر آلة جوسيرو في الأصل 700 دولار، ثم انخفض لاحقًا إلى 400 دولار قبل أن تتوقف الشركة عمليًا عن العمل، ولم تكن قدرتها على الاتصال بشبكة واي فاي تفعل أكثر من التحقق من تواريخ انتهاء الصلاحية المكتوبة على أكياس العصير. ولمنع الزبائن من شراء أكياس العصير وحدها وتوفير بضع مئات من الدولارات، لم تكن الشركة تبيع الأكياس إلا لمن اشترى الآلة. وقد يحتج محتج بأن آلة جوسيرو كان يمكن أن تفيد ذوي القدرة المحدودة على استخدام أيديهم، لكن هذه الحجة تثير سؤالًا: لماذا يدفع أحدهم مئات الدولارات ثمنًا لآلة جوسيرو في حين يستطيع شراء عبوات من العصير الجاهز، وهو في جوهره ما كانت تحتويه أكياس جوسيرو؟ ومع أن هويت وزاليسكي (Huet and Zaleski) كانا متحفظين في نقدهما، فإن ألبرت بيرنيكو (Albert Burneko) في موقع (Deadspin) لم يتورع:

حين وقّع [المستثمرون] على ضخ الأموال في شركة العصير هذه، فعلوا ذلك لأنهم ظنوا أن شرب العصير سيكون أصعب بكثير وأغلى بكثير. وتلك كانت نقطة البيع، لأن وادي السيليكون مدينة فاسدة غبية تتبنى التحررية المتطرفة، عملاؤها الحقيقيون هم مصاصو الدماء من طبقة المستثمرين، وأموال الناس العاديين هي ما يتسوقون من أجله. فأكياس العصير السهلة الفتح لا تمنح هذه الطفيليات القمامية الكابوسية البشعة صفقة رابحة على الدخل المتاح لدى المغفّلين السذّج اللاهثين وراء صرعات العافية؛ ومن ثم فإن أكياس العصير السهلة الفتح استثمار أسوأ من أكياس العصير الأصعب فتحًا. (2017)

إن ما يقوله بيرنيكو في محله. فهذه الآلة لم تكن مضحكة فحسب، بل هي عَرَض مقلق من أعراض الرأسمالية المتأخرة. فمن سمات الرأسمالية منذ أمد بعيد أن الاحتياجات الحقيقية لا وزن لها، إلى حد كبير، في السوق؛ وما يهم هو ما تستطيع إقناع الناس بشرائه. وجوسيرو هي ما يحدث حين تتشبع الأسواق بكل جهاز يمكن تصوره، بينما يظل رواد الأعمال والمستثمرون يبحثون بيأس عن أي سبيل، أيًّا كان، لاقتناص فرصة أخرى في السوق. إنها جانب كثيرًا ما يُغفل من جوانب مغالطة النمو غير المحدود: فللبشر مجموعة محدودة من الاحتياجات، وليس من بينها آلة لا تفعل شيئًا سوى عصر أكياسها الخاصة.

قرأت مقال (Deadspin)، وشاهدت مقطع فيديو لآلة جوسيرو وهي تعمل، وأطلقت لنفسي العنان في الضحك غير مصدّقة ما أرى. لكنني فوجئت بنفسي، حتى قبل أن يخبو ذلك الأثر، أفكر بعدم ارتياح في وظيفتي أنا بصفتي مكتبية أكاديمية.

سباق الابتكار:

في مؤسستي، يُنظَّم الترقي الوظيفي للمكتبيين عبر عملية لتقييم الأقران. فكل سنتين إلى ثلاث سنوات، يكتب كل مكتبي تقريرًا عما أنجزه مما يستحق به زيادة في الراتب وربما ترقية، ويقدّمه إلى لجنة لتقييم الأقران وإلى مدير مكتبة الجامعة (University Librarian, UL). وحجر الزاوية في ملف تقييم الأقران وثيقة من ثلاث إلى خمس صفحات تسمى «بيان الإنجازات المهنية» (Statement of Professional Achievements, SOPA). والفكرة من ورائها بريئة إلى حد ما: فاللجنة ومدير المكتبة يريدون ببساطة أن يتأكدوا من أنك لم تقضِ السنتين مكتوف اليدين. ما مدى جودة أدائك لعملك؟ وماذا فعلت لتتطور بصفتك اختصاصيًا في المعلومات ومربيًا؟ وهل أسهمت في تقدم المهنة ككل؟ وبعبارة بسيطة: لماذا تستحق مزيدًا من المال؟

غير أن المشكلة تكمن في كلمة «الإنجازات». فلما كان أعضاء كل دفعة سنوية من المتقدمين لتقييم الأقران يُقارَن بعضهم ببعض، وقد أُوضح أن قلة مختارة فقط يمكنها أن تنال علامة «الأداء الاستثنائي» المرغوبة، فقد تحولت العملية إلى سباق تسلح على أضخم الإنجازات وأشدها إبهارًا مما يستطيع المكتبيون عرضه. فكيف تُبرز أنك معلّم موهوب ومحبوب في حين أن لك زميلًا أعاد للتو بناء منهج الثقافة المعلوماتية كاملًا في مجاله الموضوعي، وأطلق سلسلة جديدة تمامًا من الوحدات التعليمية الإلكترونية؟ صحيح أن ذلك النهج ربما لم يكن ملائمًا للأقسام التي تتواصل معها، لكن فكّر في الصورة التي تبدو عليها هاتان القصتان جنبًا إلى جنب. فهناك ضغط شديد للابتكار الدائم، وللتخلص من القديم واختراع شيء جديد.

وتقع هذه الظاهرة، بطبيعة الحال، داخل مهنة (بل داخل ثقافة) تتقاذف كلمة «الابتكار» كأنها كرة قدم صغيرة يتلاعب بها اللاعبون. فالابتكار ليس مجرد عامل واحد من عوامل النجاح في العمل المكتبي؛ بل كثيرًا ما يبدو المعيار الوحيد الذي نقيس به قيمة عملنا. إذ تضغط علينا مواعيد التثبيت الوظيفي (tenure) ولجان التوظيف لننشر البحوث ونقدّم العروض في المؤتمرات، ولا يهتم أي مؤتمر بعرض حول استمرار نجاح أسلوب التدريس الذي طورتَه قبل خمس سنوات. وقد شهدت أكثر من مرة حماسة لأفكار جيدة تتبخر حين تبيّن أننا لم نكن أول من خطرت لهم، ومن ثم لن ننال على جهودنا رصيدًا من المنشورات.

والتعلق بالابتكار، بدوره، يقع، على الأقل فيما يخص العمل المكتبي الأكاديمي، داخل وسط أكاديمي يغلب عليه الطابع المؤسسي التجاري بعمق. فالجامعات توظف من الإداريين أكثر مما توظف من أعضاء هيئة التدريس. (Zamudio-Suaréz 2017) وتمارس شركات الأدوية نفوذًا مخيفًا على البحث الطبي. (Whorinsky 2012) ورطانة عالم الأعمال، مثل «الكفايات الأساسية» (core competencies)، تتسلل إلى تصوراتنا لعلم التدريس ثم تشكّلها. (UCLA Library Information Literacy Program Steering Committee 2005) فإذا جمعنا هذه العوامل كلها، أي جامعات ترى التعليم خط إنتاج والبحث ريادة أعمال، واختصاصيي معلومات يعملون على الترقي في مسيرتهم داخل مثل هذه البيئة، فربما لا يكون مستغربًا في نهاية المطاف لماذا قفز ذهني من أسخف آلة عصير في العالم إلى المكتبات الأكاديمية. فحين نبدأ في مطاردة الابتكار لذاته، ساعين إلى نيل استحسان أصحاب السلطة بدلًا من مراعاة احتياجات طلابنا ومستفيدينا، نقع في الفخ نفسه الذي تقع فيه الشركات الناشئة في وادي السيليكون اللاهثة لاستمالة المستثمرين. فنطرح مشروعات براقة تستهلك مزيدًا من الوقت والموارد والمال لتحقيق ما كان يمكننا تحقيقه بشيء أبسط بكثير، بل ربما بأيدينا العارية.

فعلى سبيل المثال، قيّمت مجموعة من طلاب الماجستير في علم المكتبات والمعلومات (MLIS) مؤخرًا مجموعة القراءة الترفيهية (popular reading collection) في مكتبتي ضمن مشروع لأحد المقررات. وأبدى الطلاب استغرابهم واستياءهم من تمسّك المكتبيين بما سمّاه الطلاب «تصورًا للمجموعة متمركزًا حول الأشياء». ولم تتضمن تحليلات طلاب الماجستير أن معدلات الإعارة كانت جيدة وأن طلاب المرحلة الجامعية الأولى أبدوا حماستهم للمجموعة؛ ففي رأيهم كانت المجموعة قاصرة لأنها لم توسّع تعريف «المجموعة» توسيعًا ملموسًا. وكانوا يرون أنه لكي تنجح المجموعة علينا أن نقاوم رغبتنا في البقاء مركّزين على المواد. كما أوصى الطلاب بأن نستبدل بسياسة المجموعات لدينا، التي تضمنت بيانًا عامًا للرؤية، نواتجَ تعلّم محددة وقابلة للقياس تُقاس بصفة متكررة.

مجموعة قراءة ترفيهية غير متمركزة حول الأشياء، ذات نواتج تعلّم بدلًا من سياسة للمجموعات؟ يا له من ابتكار! لكن المشكلة أن الطلاب بدوا عاجزين عن تفسير الشكل الذي ستتخذه مثل هذه المجموعة فعليًا، سوى أنهم طلبوا منا تنظيم مزيد من الفعاليات. فكيف يبني المرء مجموعة للقراءة الترفيهية دون أن يجعل مواد القراءة الترفيهية محورها؟ وكيف يحدد المرء نواتج تعلّم قابلة للقياس لمواد معارة دون أن يرتكب انتهاكات جسيمة لخصوصية المستفيدين؟ لو أن الحادثة اقتصرت على بضعة طلاب مفرطي الحماسة، لربما تجاوزتها بهزّة كتف؛ لكن ما أقلقني أن عددًا من أساتذة علم المعلومات والمكتبيين أبدوا إعجابًا شديدًا بأفكار الطلاب ودعوا إلى المضي فيها، مع أن أحدًا لم يستطع أن يحدد مسارًا واقعيًا للعمل أو غاية ينتهي إليها.

وقد وقعتُ أنا نفسي فريسة للتدافع نحو الابتكار. فقبل سنتين، أعددت أنا وزميلة واجبًا تمهيديًا للجلسات التعليمية المفردة (one-shot instruction sessions) باستخدام مستند من مستندات (Google). (Glassman & Worsham, 2017) فاختبرته، وجربته تجريبًا أوليًا، وأجريت بعض التعديلات والتحسينات، وبدأت أستخدمه بانتظام في تدريسي. غير أنني في خريف السنة الثانية من استخدامي ذلك الواجب، ومع اقتراب الموعد النهائي لتقييم الأقران، نظرت إلى مستند (Google) وشعرت بوخزة من القلق. فإذا واصلت استخدام الأداة نفسها، فهل يكون ذلك ابتكارًا كافيًا؟ وهل سأبدو راكدة؟ فقررت أن أعدّ نسخة من الواجب على منصة (Moodle) لمقرر قائم على المحاضرات كنت أعمل معه، بحيث يكون لدى أعضاء هيئة التدريس مستقبلًا عدة نسخ يختارون منها. وقضيت أسابيع أصارع (Moodle)، لكنني وجدت واجهتها ثقيلة وعصية على الفهم إلى حد أنني، قبل بدء المحاضرات بأسبوع، استسلمت واكتفيت بتكييف المستند الأصلي مع احتياجات المقرر. وقد نجح ذلك نجاحًا تامًا. فأتم الطلاب الواجب دون أي مشكلة، وحقق أهداف التعلّم التي وضعها أعضاء هيئة التدريس، وساعدني على التدريس بفاعلية أكبر. ومع ذلك شعرت بالذنب لأنني فعلت الشيء نفسه مرتين.

ولم يكن هذا الضغط نتيجة تراكم تدريجي؛ بل رافقني منذ بداية مسيرتي المهنية. فعلى سبيل المثال، في سنتي الأولى مكتبيةً، حين سعيت إلى الحصول على تمويل للسفر لتقديم عرض في أول مؤتمر أحضره عن الثقافة المعلوماتية، طلبت من زملائي المشورة في ملء استمارة طلب التمويل. وكان الموقف السائد أن حضوري يجب أن يعود على المكتبة بفائدة فورية وملموسة. «إذا ذهبتِ، فما الذي ستتمكنين من فعله حين تعودين؟» هكذا حثّتني إحدى الزميلات، فأرسلتني في بحث قَلِق في برنامج المؤتمر عن جلسات قد تستهوي الإداريين. فتبادل الأفكار وصقل المهارات وخدمة المهنة لا تكفي على ما يبدو لتسويغ المشاركة في لقاء للمربين والأكاديميين. إذ يُتوقع من المرء أن يعود إلى عمله ويكشف في كل مرة عن شيء جديد.

يحدث هذا مع أن المستفيدين الذين نعمل معهم يظلون، تحت إيقاع التطور المحموم المتزايد في مجتمعنا، بشرًا: نوعًا لم يتغير تغيرًا جذريًا في إدراكه أو طباعه منذ عشرات الآلاف من السنين. ونحن، المكتبيين، نحب أن نتأمل كيف أن الكتاب المجلّد (codex) لا يزال اليوم قطعة تقنية فعالة كما كان في أيام الإمبراطورية الرومانية، لكننا في وظائفنا اليومية نبدو عاجزين عن تصديق أن شيئًا ما قد يعمل جيدًا إلى هذا الحد ولهذه المدة الطويلة.

العمل المكتبي المتأني:

فما العمل إذن؟ كيف نبقى متشبثين بما هو مفيد حقًا، لا بما هو مثير في اللحظة؟ وكيف نتجنب صنع نسختنا الخاصة من آلة عصر أكياس ثمنها 700 دولار؟

على المستوى السطحي، الجواب بسيط تمامًا. يجب أن ندع احتياجات مستفيدينا واهتماماتهم الحقيقية والمثبتة توجّه عملنا. ما الخدمات والموارد التي يبحثون عنها؟ وهل نقدمها لهم؟ وإن لم نكن نفعل، فكيف نغيّر ممارساتنا لكي نفعل؟ نعم، يمكن أن تكون التقنية الجديدة أو الخروج الجذري على الممارسات السابقة أمرًا مثيرًا يفضي إلى النشر. لكن هل يلبي ذلك حاجة فعلية؟ (بطبيعة الحال، تقودنا هذه الأسئلة إلى المسألة الشائكة المتعلقة بتقييم الاحتياجات (needs assessment)، وهو أمر جيد وضروري في حد ذاته، لكن يمكن بسهولة شديدة استخدامه لوأد الأفكار الجديدة وإبقاء هياكل السلطة على حالها. أتريد أن توقف مشروعًا غير تقليدي، ولا سيما حين يتحدى الهيمنة؟ اطلب جبلًا من البيانات التي لا تقبل الدحض لتسويغه. فمسألة أيّ الابتكارات يُحتفى بها وأيّها يُهمَّش متشابكة تشابكًا وثيقًا مع قضايا الامتياز والسلطة.)

لكن على مستوى أعمق، يجب أن نقاوم الثقافات المؤسسية التجارية التي نعمل في ظلها. كيف؟ هنا لا أملك أي إجابات سهلة. غير أن مما يبعث على التفاؤل أن نرى المكتبيين قد بدأوا يتطلعون إلى حركة البطء التماسًا للتوجيه.

بدأت حركة البطء في ثمانينيات القرن العشرين، حين أطلق كارلو بيتريني (Carlo Petrini) حركة «الطعام البطيء» (Slow Food) احتجاجًا على تدهور جودة الطعام وأخلاقيات الزراعة. وانطلاقًا من مبادئ أن يكون الطعام «جيدًا ونظيفًا وعادلًا» (Slow Food 2015a)، احتجت الحركة على الإفراط في تصنيع الطعام، وسعت إلى «مواجهة صعود الحياة السريعة» بالتركيز على الأكل بوصفه تجربة يُستمتع بها على مهل. (Slow Food 2015b) ومع أن الحركة بدأت بالطعام، فقد أثبتت مبادئها قابليتها للتكيف وفائدتها في جوانب كثيرة من الثقافة الغربية والعالمية. وفي مجال العمل المكتبي، تستشهد ديوان (Dewan) (2015) بدعوة كارل أونوريه (Carl Honoré) (2004) إلى فعل «أشياء أقل لكي نفعلها على نحو أفضل»، وتقترح أن يوفر المكتبيون مساحات هادئة للمستفيدين وأن «يكونوا هم أنفسهم نموذجًا للعيش المتأني». ويبني جيرفاسيو (Gervasio) وديتربيك (Detterbeck) وأولينغ (Oling) (2015) على مبادئ الحركة في «مقاومة الضغوط الثقافية للاستعجال» ليدعوا إلى نموذج للتقييم «يؤكد التأمل والاختيار وتلبية الاحتياجات المحلية لتقديم تقييمات أكثر جدوى لخدمات المكتبة ولمهارات الطلاب البحثية ولمكافحة الطابع المؤسسي التجاري للتعليم العالي». ويستشهد هؤلاء المؤلفون بحركات «القراءة البطيئة والتعليم البطيء والتقنية البطيئة» (Slow Reading, Slow Education, and Slow Technology)، التي تؤكد التأمل والجودة والاستدامة، بوصفها سوابق يمكن للمكتبات أن تبني عليها.

ومن الواضح أن وصف حركة شاملة للمكتبية المتأنية (Slow Librarianship) تنطبق على جميع أوجه العمل المكتبي في جميع أنواع المكتبات يتجاوز كثيرًا نطاق هذه المقالة. غير أن التزامًا علنيًا بإيلاء الأولوية للتأمل وللممارسات ذات المعنى على سلاسل من الإنجازات التي تبدو مبهرة يمكن أن يسهم في فتح سبل بديلة للتطوير المهني وللتقدير.

دروس من شجرة الجاكرندا:

لا أريد بالتأكيد أن أبدو من محطّمي الآلات (Luddite) أو من المتذمرين النكدين. ففوائد الابتكار الحقيقي واضحة، وأعرف كم هو محبط أن تعمل مع زملاء يرفضون أي تغيير وكل تغيير بوصفه صرعات عابرة. وأدرك أيضًا أن كل بيئة مكتبية فريدة، وأن فكرة لا تلائم سياقًا ما قد تكون حيوية لسياق آخر. وأخيرًا، أدرك أن المكتبات يجب أن تواكب تطور الوسط الأكاديمي، حتى إن لم يرضَ محطّمو الآلات المتذمرون من أمثالي عن بعض تفاصيله.

حين كتبت المسودة الأولى لهذه المقالة، كانت شجرة الجاكرندا (Jacaranda) خارج نافذتي قد بدأت للتو تزهر. وتشتهر أشجار الجاكرندا بأزهارها الأرجوانية الزاهية، التي تتفجر في رذاذ يخطف الأنفاس كل ربيع في لوس أنجلوس، وأجد نفسي كل عام أتفقد الشجرة مرات عدة في اليوم ترقّبًا. ولا شيء يضاهي السير في شارع تصطف على جانبيه أشجار الجاكرندا في أوج إزهارها.

لكن ما لن تراه أبدًا على موقع سياحي هو هيئة أشجار الجاكرندا في معظم أيام السنة. ففي الصيف لا يميزها شيء؛ وفي الخريف تطلق إزهارًا محدودًا وقرونًا بنية باهتة من البذور؛ وفي أواخر الشتاء يصفرّ معظم أوراقها ويتساقط. غير أن الأشجار تؤدي عملًا مهمًا طوال العام. فالجاكرندا لا تزهر إزهارًا كاملًا إلا حين يحين الوقت المناسب، لا قبله، ولا أطول منه.

إنه لأمر غير صحي على الإطلاق، للأفراد والمؤسسات على حد سواء، أن يحاولوا أن يكونوا في حالة إزهار طوال الوقت. وربما، إذا رفضنا النزعة الرأسمالية إلى إنتاج منتجات جديدة على الدوام، واتخذنا بدلًا من ذلك موقفًا داعمًا لممارسات أكثر تأملًا واستجابة، استطعنا أن نقدّم لمستفيدينا خدمات أعمق وأبقى وأكثر إنسانية.

المراجع:

بيانات المصدر الأصلي

Glassman, J. (2017). The Innovation Fetish and Slow Librarianship: What Librarians Can Learn From the Juicero. In the Library with the Lead Pipe. https://www.inthelibrarywiththeleadpipe.org/2017/the-innovation-fetish-and-slow-librarianship-what-librarians-can-learn-from-the-juicero/.

اقتبس هذا المقال

جوليا غلاسمان (2018). «هوس الابتكار والعمل المكتبي المتأني: ماذا نتعلم من قصة «جوسيرو»؟». مجلة المعلوماتية، العدد 61، ص 25 - 31. https://informaticsjournal.net/?p=53129

مقالات ذات صلة