مقدمة:
«المفترس» مصطلح مشحون. فلأنه يُستخدم عادةً للإشارة إلى الحيوانات التي تأكل حيوانات أخرى، كما في «الطيور الجارحة» (birds of prey)، فإنه يُحدث أثر نزع الصفة الإنسانية عن الشخص الذي يوصف بأنه مفترس. وفي كثير من هذه الاستعمالات، ومنها تعريف «المفترس الجنسي» (sexual predator) في قوانين ولايات مختلفة، تحمل الكلمة معها فكرة أن الشخص عنيف، بل إنه يعاني «شذوذًا عقليًا».[1] وبالطبع، ثمة معنى أكثر اعتدالًا إلى حد ما لكلمة «مفترس»؛ فمعجم أكسفورد الإنجليزي (Oxford English Dictionary)، على سبيل المثال، يدرج «الاستغلالي بلا رحمة» (ruthlessly exploitative) ضمن تعريفه لها فيما يتعلق بالأشخاص. وحين ننظر في الكيفية التي صار بها وصف «المفترس» يُطلق على بعض ممارسات النشر، ولا سيما على ناشري الوصول المفتوح (open access, OA)، يفيدنا أن نستحضر هذا السياق، لأنه يساعدنا على فهم الأجندة الكامنة وراء هذا الاستعمال وعدم انطباقه في عدد كبير جدًا من الحالات.
وفي النقاشات التي أعقبت قرار إزالة قائمة جيفري بيل (Jeffrey Beall) لـ«ناشري الوصول المفتوح العلميين المفترسين المحتملين أو الممكنين أو المرجّحين» من موقعها على الإنترنت في جامعة كولورادو في دنفر (University of Colorado, Denver) – ولا يزال من الممكن العثور عليها في مواقع أخرى، لكنها لا تخضع للتحديث – لم يتفحص وصفَ «المفترس» أو يعترض عليه إلا قليلون.[2] ومع ذلك فالكلمة نفسها جدلية في هذا السياق، ولأن بيل نفسه معارض شرس لكل أشكال الوصول المفتوح تقريبًا[3]، فإن هذا الجدل يبدو مقصودًا. والأسوأ أن استخدام «المفترس» مصطلحًا جامعًا لكل أنواع الإساءات يخفي الفرق بين الممارسات التي هي حقًا «استغلالية بلا رحمة» وتلك التي قد تنشأ عن مجرد قلة الخبرة أو نقص الكفاءة.
ولكي ندرك إلى أي مدى أدت فكرة الوصول المفتوح المفترس إلى الخلط والالتباس، يكفي أن ننظر إلى المقال المنشور في صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) عن مشكلة ناشري الوصول المفتوح غير المتورعين، الذي ظهر فيه بيل. يبدأ المقال بحكاية تحذيرية عن مؤتمرات علمية تستخدم أسماء مربكة، وتفرض على مقدمي الأوراق رسومًا مرتفعة مقابل هذا الامتياز، ولا تمارس قدرًا يُذكر من المراجعة على العروض المقدمة، ثم ينقل عن أستاذ للطب ومحرر دورية وصفه «هذه الظاهرة … [بأنها] الجانب المظلم من الوصول المفتوح».[4] ومن المؤسف أن القصة التي يرويها المقال لا علاقة لها البتة بالوصول المفتوح؛ فهي تتعلق، كما ذُكر، بمؤتمر دُعي إليه أكاديميون، وكان بإمكانهم فيه أن يقدّموا أوراقهم فعلًا، إن دفعوا الرسوم ولم يمانعوا أن تكون الفعالية أقل مكانة بكثير مما توحي به الدعاية. ولا يرد في حكاية التايمز أي ذكر للنشر، مفتوحًا كان أم غير مفتوح. وهذا الانفصال يوضح، في رأيي، إلى أي حد صارت عبارة «الوصول المفتوح المفترس» تخلط بين كل أنواع الممارسات المتصلة بالعمل العلمي التي يعدّها مستخدم المصطلح غير مرغوبة. وهذا الاستعمال المتساهل لمصطلح مشحون على نحو فضفاض وغير منضبط هو ما جعل قائمة بيل، وكثيرًا من النقاش حولها، عديمة الجدوى.
وبالطبع، تعرّضت قائمة بيل للاعتراض من قبل. والنقطة التي أريد مناقشتها خصوصًا – وهي أن قائمة بيل مفرطة الشمول وقاصرة الشمول في آن – مطروحة في عمود كتبته مونيكا بيرغر (Monica Berger) وجيل سيراسيلا (Jill Cirasella) في (College and Research Libraries News) بعنوان «(Beyond Beall’s List: Better understanding predatory publishers)» (ما بعد قائمة بيل: فهم أفضل للناشرين المفترسين).[5] ومع أن مقالهما يواصل استخدام مصطلحات الافتراس المؤسفة، فإن بيرغر وسيراسيلا تطرحان في الواقع تحفظين مهمين على تصنيف بيل. فهما تقرّان، أولًا، بأن ممارسات النشر المتدنية الجودة، وكذلك المفترسة، «ليست حكرًا على دوريات الوصول المفتوح». أي إن فئة بيل قاصرة الشمول؛ فهي لا تحيط تمامًا بالمشكلة التي نريد فهمها. ثم تلاحظان، مستشهدتين بوالت كروفورد (Walt Crawford)، أن بعض ممارسات النشر التي يدينها بيل لا تستحق أن توصف بالمفترسة؛ وقائمته في هذا مفرطة الشمول، لأنها تجمع في سلة واحدة ممارسات ليست مفترسة، بل قد تنتج عن قلة الخبرة أو الهواية، مع تلك الاستغلالية حقًا. ويتيح زوال قائمة بيل فرصة لنا للتفكير على نحو أوسع، وبقدر أكبر من الدقة، في طائفة من الممارسات الإشكالية في النشر الأكاديمي، وللنظر في مناهج أكثر تبصرًا لحماية المؤلفين العلميين. وأريد أن أقترح أن نموذجًا قائمًا على التعهيد الجماعي (crowdsourcing)، بدلًا من القوائم التي يعدّها أفراد أو مجموعات صغيرة، هو أفضل نهج يمكننا اتباعه في الوقت الحاضر.
التفكير في نماذج الأعمال:
إذا أعطينا القلق من النشر المفترس أفضل (وأهم) مسوّغاته – وسأشير إليه من الآن فصاعدًا بـ«ممارسات النشر شديدة الاستغلال» – فإنه يتزامن مع ظهور رسوم معالجة المقالات (article processing charges, APCs) وسيلةً لتمويل النشر بالوصول المفتوح. ورسوم معالجة المقالات ليست في ذاتها ممارسة استغلالية. فقد طوّرها في البداية ناشرو الوصول المفتوح الأوائل، ولا سيما المكتبة العامة للعلوم (Public Library of Science, PLOS)، ثم سارع الناشرون التجاريون إلى تبنيها وسيلةً لتحقيق عائد مالي من الطلب المتنامي على الوصول المفتوح. غير أن الصلة الوثيقة بين رسوم معالجة المقالات وتنامي الوعي بإساءات النشر تجعل من الضروري أن نفحص طائفة نماذج الأعمال لتوزيع الإنتاج العلمي.
ورسوم معالجة المقالات، بالطبع، فئة فرعية واحدة مما يُسمى الوصول المفتوح الذهبي، الذي يشير عمومًا إلى توزيع المقالات، والدوريات عادةً، بطريقة مفتوحة منذ لحظة النشر الأول. ومن المهم أن ندرك أن فكرة الوصول المفتوح الذهبي تنطوي على عدة نماذج أعمال؛ ففي مقالهم الحديث عن التحول إلى الوصول المفتوح، يميّز مارتن إيف (Martin Eve) وساسكيا دي فريس (Saskia de Vries) ويوهان روريك (Johan Rooryck) ثلاثة أنواع من الوصول المفتوح تحت مظلة «الذهبي»:[6]
- النشر الهجين، حيث تُتاح مقالات مختارة إتاحة مفتوحة مقابل دفع رسوم معالجة المقالات في دورية قائمة في غير ذلك على الاشتراك
- الوصول المفتوح الفوري (الذهبي) الذي يتطلب دفع رسوم معالجة مقالات من جانب المؤلف
- الوصول المفتوح الذهبي الذي لا يتطلب رسومًا من جانب المؤلف، وكثيرًا ما يكون ذلك بفضل دعم جمعية علمية أو مؤسسة للمطبوعة؛ ويُسمى هذا أحيانًا الوصول المفتوح «البلاتيني».
وتختلف هذه النماذج الثلاثة إلى حد ما في احتمال إساءة استخدامها. فرسوم معالجة المقالات، بالطبع، هي التي أفرزت الممارسات الاستغلالية إلى حد بعيد التي حظيت مؤخرًا بكل هذا الاهتمام. وهذه الأشكال من الاستغلال، فضلًا عن إساءات محتملة أخرى مثل عدم إتاحة المقال المدعوم برسوم معالجة المقالات إتاحة مفتوحة فعلًا[7]، كامنة أيضًا في النموذج الهجين. أما الوصول المفتوح البلاتيني فأقل عرضة لهذه الإساءات، لأنه، كما يلاحظ إيف ودي فريس وروريك، لا يستدعي تركيز التكاليف على المؤلفين، وهو ما يميّز رسوم معالجة المقالات.[8] ففي نماذج الاشتراك، بالطبع، تُوزَّع التكاليف على مجموعة من المشتركين، هي في الغالب مؤسسات تعليمية، في حين تنتقل التكاليف مع رسوم معالجة المقالات إلى مجموعة من الأفراد، وهو ما يفتح بطبيعة الحال مجالًا لإساءة الاستخدام. وكلما كان الدعم لنموذج أعمال معيّن أكثر توزعًا، أو كان هذا الدعم أكثر انفصالًا عن قوى السوق، قلّ احتمال الاستغلال والممارسات المسيئة.[9]
ومن الفوائد المهمة لاستخدام رسوم معالجة المقالات أنه يخفض العائق الاقتصادي أمام دخول مجال النشر. فبإمكان المؤسسات، بل الأفراد، الإفادة مما يتيحه الإنترنت، الذي يخفض تكاليف النشر خفضًا كبيرًا، وتمويل عملياتهم من دون رأس مال كبير بفرض رسوم عن كل مقال لتغطية تكاليفهم. وقد كان هذا فرصة مهمة لكثيرين في العالم النامي، ممن تُقصى أصواتهم أحيانًا من النشر التقليدي، وكثير من دوريات الوصول المفتوح التي أدانها بيل لم تقع في مخالفة معاييره في الحقيقة إلا لأنها لم تكن تملك رأس مال كافيًا. غير أن هذا لا يعني أن رسوم معالجة المقالات كانت نفعًا خالصًا للباحثين في العالم النامي.
بل إن من الآثار المفارِقة للتحول من الاشتراكات إلى رسوم معالجة المقالات أنه لا يقضي على مشكلة الوصول، وإنما يعكسها فحسب؛ فبدلًا من القراء، صار المؤلفون هم المعرّضين للإقصاء. ففي حين كان الوصول إلى الإنتاج العلمي المنشور في ظل نموذج الاشتراك مشكلة لمن لا يملكون وسائل دفع تكاليف الاشتراك الباهظة، فإن المؤلفين هم من يواجهون عائق الوصول مع رسوم معالجة المقالات. بل إن المكتبات بدأت إنشاء صناديق لمساعدة الباحثين من أعضاء هيئة التدريس على دفع هذه الرسوم المفروضة على المؤلفين، وهي محاولة لتحقيق تكافؤ الفرص في النشر وتعكس هذا الانتقال المفارِق لصعوبة الوصول. والباحثون في العلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث تقلّ أموال المنح الداعمة للبحث والنشر، فئة تعاني مشكلة الوصول التي أوجدتها رسوم معالجة المقالات. لكن الأشد ضررًا هو الأثر الواقع على الباحثين في العالم النامي، حيث يمكن أن تُغلق رسوم معالجة المقالات أمامهم فرصة النشر في دوريات معروفة مقرها أوروبا الغربية أو أمريكا الشمالية.
أما الوصول المفتوح الأخضر، حيث يتيح المؤلف أو مؤسسته نسخة من المقال عبر مستودع للوصول المفتوح، فلا ينطوي على احتمال الإساءة نفسه، لكنه نهج مجزأ للانفتاح، ولا يزال يعتمد في أحيان كثيرة جدًا على شروط اتفاقية نقل حقوق المؤلف. ويواصل الناشرون التجاريون استخدام هذه الاتفاقيات لتثبيط هذه «الأرشفة الذاتية»، على الرغم من إعلاناتهم دعم مزيد من الانفتاح.
وأخيرًا، تجدر الإشارة إلى أن إيف ودي فريس وروريك يقترحون نموذج أعمال مختلفًا لدعم الوصول المفتوح، يقوم على اتحادات خاصة بالتخصصات يتحكم فيها الباحثون، وتموّل مجموعات محددة من الدوريات.[10] وكما يذكرون، بدأ هذا النموذج يوضع موضع التطبيق بالفعل، ويمكن أن يقلل كثيرًا من احتمال ممارسات النشر المسيئة. ولو ساندت المؤسسات الأكاديمية هذا النهج في الاتصال العلمي، وحوّلت ميزانيات مكتباتها إلى هذا الشكل من دعم توزيع الإنتاج العلمي، لأمكن أن يكون التحول إلى الوصول المفتوح أكثر سلاسة بكثير وأقل عرضة لممارسات الأعمال غير المرغوبة.
التركيز على الممارسات لا على التسميات:
لتجاوز سوء التطبيق والتحيز اللذين تعرّضت لهما لغة النشر المفترس، يفيد ألا نكتفي بالتمييز بين نماذج الأعمال المختلفة، بل أن ندرك أيضًا أن هناك طيفًا متصلًا من الممارسات غير المرغوبة، والاستغلالية أحيانًا، التي تبتلي النشر العلمي. والأسباب الكامنة وراء هذه الممارسات تقع هي نفسها على طيف متصل، يمتد من الرغبة الصريحة في استغلال الآخرين لتحقيق الربح، مرورًا بالجشع أو الإهمال أو نقص الكفاءة، إلى قلة الخبرة ونقص التمويل.
ففي تدوينته «(Should We Retire the Term) “(Predatory Publishing)”?» (هل ينبغي أن نتخلى عن مصطلح «النشر المفترس»؟)، يقدّم ريك أندرسون (Rick Anderson) قائمة مفيدة بسبعة أنواع من الممارسات التي تعكس ما يسميه «سوء النية العلمية» (scholarly bad faith).[11] وقائمة أندرسون مفيدة، ويمكننا ربطها بوضوح بنقاشنا لنماذج الأعمال.
فالأنواع الثلاثة الأولى من سوء النية التي يدرجها أندرسون تبدو كلها واقعة في فئة الاستغلال. فخداع المؤلفين لدفع مقابل خدمات غير موجودة، أو بيع مؤهلات زائفة، أو استخدام هذه المؤهلات لاكتساب ميزة في عالم البحث العلمي التنافسي، كلها تنطوي بوضوح على نية خبيثة، وكلها ممارسات تتخطى أنواع نماذج النشر المختلفة. والخداع لإقناع المؤلفين بدفع رسوم، وهو الممارسة الأساسية التي أدان بيل بسببها بعض ناشري الوصول المفتوح، صورة من الفئة الأولى لدى أندرسون، لكنه لا يشمل جميع صور هذه الممارسة.
بل إن البند التالي في قائمة أندرسون لممارسات سوء النية – تقديم دورية أو كتاب على أنه رصين وعلمي وهو ليس كذلك في الحقيقة – صورة من النوع نفسه من الاستغلال، وهو يحدث في عالم الاشتراكات منذ سنوات عديدة. والفرق ببساطة أن أمناء المكتبات كانوا هم من يتعرفون على هذه الإساءة ويحاولون تجنبها، في حين يتعين على المؤلفين أن يفعلوا ذلك في بيئة رسوم معالجة المقالات. ويمكن أن نضيف أن الصفقات الكبرى (big deals) التي يقدّمها معظم الناشرين التجاريين اليوم ليست سوى وسيلة لإخفاء هذه الممارسة وإجبار المؤسسات على الدفع مقابل دوريات رديئة كي تحصل على الوصول إلى الدوريات الجيدة.
ومشكلات التحكيم العلمي، التي لا تقتصر قطعًا على منشورات الوصول المفتوح، تستحق اهتمامًا خاصًا عند الحديث عن ممارسة بيع شيء ليس بالرصانة التي يدّعيها. فقائمة أندرسون تركّز على «سوء النية»، لكن حين ننظر في تاريخ قصور تحكيم الأعمال العلمية، يتضح أن للمشكلة مصادر كثيرة وأسبابًا متنوعة. فوجود «حلقات التحكيم» (peer review rings) التي تتعاون على مراجعة أعمال أعضائها إيجابيًا والاستشهاد بها كثيرًا يمثّل سوء نية من جانب المؤلفين المشاركين فيها، لكنه على الأرجح مجرد إهمال أو نقص كفاءة من جانب الناشر الذي يسمح بحدوث ذلك.[12] وعلى نحو مماثل، فإن الجدل الأخير حول كتاب عن إلغاء الفصل العنصري في المدارس أُرسل للمراجعة إلى شخص وصفه بعضهم بأنه من دعاة تفوق العرق الأبيض يُظهر غفلة صادمة وافتقارًا إلى المعرفة بالمجال، ولا سيما من جمعية علمية ومطبعة جامعية، لكنه لم يكن على الأرجح خبيثًا.[13] وأخيرًا، يبدو أن كثيرًا من مشكلات التحكيم العلمي نابع من مؤسسات نشر تعمل بأحجام كبيرة وتفتقر إلى العاملين أو إلى الخبرة اللازمة للإشراف الحقيقي على العملية. وهذه الصعوبة منتشرة في كل مكان في النشر العلمي، ولعلها أكثر شيوعًا في كبرى دور النشر التجارية، وإن كانت تحدث أيضًا، على ما يُفترض، لدى الناشرين الناشئين الصغار، الذين يعمل كثير منهم الآن بالوصول المفتوح ويعتمد على رسوم معالجة المقالات.
وممارستان من الممارسات التي يدينها أندرسون بوصفها سوء نية تقومان مباشرة على التسعير. فالأولى، «استغلال القوة الاحتكارية على نحو مفرط لانتزاع أقصى الإيرادات من العملاء الأكاديميين»، تبدو كأنها تعريف لنموذج أعمال (Elsevier) أو مجموعة نيتشر للنشر (Nature Publishing Group). غير أنها لا تقتصر على أسعار الاشتراكات؛ فتسعير رسوم معالجة المقالات في الدوريات الهجينة أو المفتوحة لدى الناشرين التجاريين معرّض أيضًا لهذه الإساءة. فرسوم معالجة المقالات البالغة 5,200 دولار للمقال الواحد للنشر في (Nature Communications) مثال أكيد على إساءة استخدام القوة السوقية، فضلًا عن أنه تسعير يقصي الجميع إلا من يملكون تمويلًا كبيرًا من المنح.[14] ومن الواضح أن هذا الشكل من ممارسات النشر غير المرغوبة يتخطى مجموعة متنوعة من نماذج الأعمال؛ فيمكن العثور عليه، بداهةً، في الدوريات القائمة على رسوم معالجة المقالات، ولا سيما في النشر الهجين على ما يبدو، كما يوجد في المنشورات القائمة على الاشتراك. أما الإساءة الأخرى القائمة على التسعير التي يحددها أندرسون، وهي تجميع الدوريات المتدنية الجودة مع منشورات أكثر جاذبية في الصفقات الكبرى للناشرين، فهي بداهةً ممارسة قائمة على الاشتراك.
وأخيرًا، هناك ممارسات نشر غير مرغوبة لا تنطوي بوضوح على سوء نية، بل تنتج عن الإهمال أو نقص الكفاءة. ومن المآخذ على قائمة بيل، كما سبقت الإشارة، أنه خلط بين هذه الممارسات، على الأقل حين توجد في دوريات الوصول المفتوح، وتلك القائمة على سوء النية. وبعض هذه الممارسات، مثل النشر غير المنتظم أو المتباعد، يوجد أيضًا عبر طيف نماذج النشر كله. فقد أدرك أمناء المكتبات منذ سنوات أن بعض الناشرين يواجهون صعوبة في إصدار الأعداد وفق جدول منتظم؛ ففي الأيام التي كان على المكتبات فيها تسجيل وصول كل عدد من آلاف الدوريات المشترك فيها والمطالبة بالأعداد المفقودة، كان هؤلاء الناشرون معروفين ومتداولين على نطاق واسع. ولم تختف هذه المشكلة، وينبغي أن ندرك أنه في بيئتنا الجديدة، حين يحدث تأخر في النشر لدى دورية للوصول المفتوح، فقد تكون المشكلة قصور التمويل وقلة العاملين. وهكذا فإن الخاصية نفسها التي تخفض عائق الدخول أمام كثير من الناشرين – أي انخفاض التكاليف – يمكن أن تخلق أيضًا وضعًا يجد فيه الناشر صعوبة في إعداد الأعداد للنشر.
وما إن نقبل بأن ممارسات النشر غير المرغوبة تتخذ أشكالًا كثيرة، وتنبع من أسباب متعددة، من سوء النية إلى قلة الخبرة، ويمكن العثور عليها في جميع نماذج الأعمال المختلفة للنشر العلمي، حتى يتضح لماذا لا تمثل ما يُسمى «القوائم السوداء»، مثل تلك التي كان بيل يتعهدها، حلًا كافيًا للمشكلة. ومن ثم يجب أن نسأل عن السبل الأخرى التي قد نجدها لمعالجة قضية ممارسات النشر السلبية، وهي قضية معقدة وواسعة الانتشار في آن.
القوائم السوداء والقوائم البيضاء وقيمة التجربة:
من الاقتراحات التي طرحها عدد من الأشخاص، ومنهم ريك أندرسون في التدوينة التي نوقشت أعلاه، أن نستبدل بنهج «القائمة السوداء» نقيضَه، بإنشاء «قوائم بيضاء» بالدوريات المعتمدة التي يُفترض أنها آمنة للمؤلفين (وللمشتركين؟). وقد تبنّت مؤخرًا شركة تحليلات النشر (Cabell’s International) هذا النهج، وصارت تسوّق قائمة سوداء وقائمة بيضاء معًا.[15] وبصرف النظر عن المفارقة والانتهازية في بيع الوصول بالاشتراك إلى قائمة بيضاء بالدوريات المعتمدة، أريد أن أقترح أن القوائم البيضاء تعاني معظم المشكلات نفسها التي تبتلي القوائم السوداء. فإذا كانت القوائم السوداء ذاتية، ولا تتجاوز جودتها جودة المعايير التي تستخدمها، وتحتاج إلى تحديث مستمر، فإن المشكلات نفسها قائمة في القوائم البيضاء ذات الصياغة الأكثر إيجابية.
ويناقش مقال حديث للصحفية العلمية تريسي فينس (Tracy Vence) في (The Scientist) بعض مشكلات القوائم السوداء، ويستعرض عدة محاولات لإنشاء قوائم بيضاء خاصة بتخصصات معينة.[16] وعمومًا، يلاحظ المقال أن كلا الجهدين يستهلك وقتًا كثيرًا، ويتطلب كثيرًا من التنسيق والعناية من أكاديميين يشعرون أصلًا بأنهم مثقلون بالعمل. وهذه بالتأكيد مشكلة يشترك فيها كلا النوعين من القوائم، لكن عند الفحص الدقيق لا يبدو أن هناك فرقًا يُذكر في الحقيقة، من حيث العقبات، بين جهود إنشاء القوائم البيضاء والسوداء.
ومن المآخذ الرئيسة على قائمة بيل أنها كانت جهدًا فرديًا، يقرر فيه شخص واحد معايير الإدراج في القائمة. وتَعِد (Cabell’s) بأن تكون شفافة بشأن المعايير التي تستخدمها لقوائمها، ويلاحظ مقال فينس أن عدة جهود لتطوير قائمة معتمدة بالدوريات أشركت مجالس استشارية. ومع ذلك، فإن قوائم المعايير المحددة سلفًا تكون حتمًا قاصرة الشمول ومفرطة الشمول معًا، على النحو الذي نوقش أعلاه. فهي لا تستطيع التنبؤ بكل الإساءات الممكنة التي قد يتعرض لها نظام الاتصال العلمي المعقد. وهي في العادة عمل مجموعة صغيرة من الأشخاص، سيطوّرون القوائم بطبيعة الحال بناءً على تجربتهم الخاصة. وستغفل بعض الدوريات الجيدة، وتُدرج بعض الدوريات التي تتصرف، في بعض الأوقات على الأقل، على نحو غير مسؤول بطريقة أو بأخرى.
وثمة طريقة أخرى لصياغة هذه المشكلة، هي أن نسأل عمّا إذا كانت ستوجد فعلًا أي دوريات على الإطلاق في قائمة الدوريات المسؤولة. فأندرسون يرى أن الصفقات الكبرى المحشوة بدوريات دون المستوى من أجل تضخيم الإحصاءات، ومن ثم السعر، ممارسة غير مرغوبة. ويعدّ الأسعار المفرطة مشكلة أيضًا. فهل ستمنع هذه المعايير إدراج أي دورية من (Elsevier) أو (Taylor & Francis) في قائمة الدوريات المقبولة؟ وإذا كانت المعايير واسعة بما يكفي، فقد يصعب ملء أي قائمة، لأن النظام الحالي يبدو معطوبًا بطرق كثيرة مختلفة. وهذه القوائم، في نهاية المطاف، انتقائية دائمًا وتمثّل منظورًا محدودًا.
وفي مقالها في (The Scientist)، تقدّم فينس بداية طريق للخروج من هذه المعضلة، حين تناقش إنشاء قوائم خاصة بالتخصصات للدوريات المعتمدة، في مجالات أصغر مثل طب المسالك البولية أو طب الطوارئ. فبالتركيز على مجال دراسي أصغر، يمكن الإفادة من منظورات وتجارب نسبة أكبر من الباحثين الذين ينشرون في ذلك المجال. غير أن منطق هذا يوحي بأنه ينبغي أن نتجاوز قوائم المنشورات، إيجابية كانت أم سلبية، وأن ننظر في سبل للتعهيد الجماعي لمهمة جمع التجارب الفعلية لمن ينشرون أعمالًا علمية. وباختصار، أريد أن أقترح أننا نحتاج إلى شكل من أشكال «(Yelp)» للنشر العلمي، يستطيع فيه المؤلفون الإبلاغ عن تجاربهم المحددة مع ناشر معين وإرشاد الآخرين إلى أفضل السبل لإدارة العلاقة مع ذلك الناشر. ومن شأن هذا الاقتراح أن يزيل العبء الثقيل المطلوب من فرد أو من هيئة تحرير صغيرة، فضلًا عن الذاتية الكامنة في مثل هذه المشروعات. وسيركّز على التجربة الفعلية، بدلًا من قائمة معايير محددة سلفًا، بحيث يمكن إدراج المشكلات غير المتوقعة، وكذلك الثناء.
الخاتمة:
من الناحية المثالية، نحتاج إلى العمل على تحويل الاتصال العلمي إلى نظام لا يستدعي الإساءة والاستغلال. ويحتاج مثل هذا النظام إلى إزالة دافع الربح التجاري، بصرف النظر عن كون هذا الربح متأتيًا من المؤلفين أو من المشتركين. وينبغي أن يكون شكل ما من أشكال الوصول المفتوح غير التجاري، كالذي وصفه إيف ودي فريس وروريك، هدفنا النهائي. وفي الأثناء، ينبغي أن نتطلع إلى المؤلفين ليقدّموا المنظور اللازم لتقييم منشورات بعينها. فتجربتهم هي الأساس في أي نظام للاتصال العلمي. ومع أنه لا يمكن لأي تحول أن ينجح إذا أضاف قدرًا كبيرًا من العمل على المؤلفين من أعضاء هيئة التدريس، فإن أعضاء هيئة التدريس، شأنهم شأن سائر المستهلكين، يزدادون اعتيادًا على كتابة تقييمات قصيرة يروون فيها تجاربهم الإيجابية والسلبية. وبالتعهيد الجماعي لمهمة التقييم وربطها بالتجربة الفعلية، يمكننا تجاوز المشكلات التي خلقها نهج القوائم السوداء والتي لا تزال كامنة في نهج القوائم البيضاء.
المراجع:
- The Kansas Sexually Violent Predator Act. Kan. Stat. Ann., Section(s) 59–29a01 et seq. (1994).
- Anderson, R (2015). Should we Retire the Term “Predatory Publishing”? Scholarly Kitchen, May 11 2015. https://scholarlykitchen.sspnet.org/2015/05/11/should-we-retire-the-term-predatory-publishing/ (accessed 11 September 2017).
- Beall, J (2013). The Open-Access Movement is Not Really about Open Access. triple C: communication, capitalism & critique, 11(2). http://triplec.at/index.php/tripleC/article/view/525/514 (accessed 11 September 2017).
- Kolata, G (2013). Scientific Articles Accepted (Personal Checks, Too) The New York Times, April 7 2013 http://www.nytimes.com/2013/04/08/health/for-scientists-an-exploding-world-of-pseudo-academia.html?pagewanted=all (accessed 11 September 2017).
- Berger, M and Cirasella, J (2015). Beyond Beall’s List: Better understanding predatory publishers College and Research Library News March 201576(3) DOI: https://doi.org/10.5860/crln.76.3.9277
- Eve, M P, de Vries, S C J and Rooryck, J (2017). The State of the Market, Offsetting Deals, and a Demonstrated Model for Fair Open Access with the Open Library of Humanities In: Chan, L and Loizides, F eds. Expanding Perspectives on Open Science: Cultures and Diversity in Concepts and Practices. IOS Press. http://eprints.bbk.ac.uk/18914/1/STAL9781614997696-0118.pdf (accessed 11 September 2017).
- Mounce, R (2017). Hybrid open access is unreliable, A blog by Ross Mounce February 20 2017 http://rossmounce.co.uk/2017/02/20/hybrid-open-access-is-unreliable/ (accessed 11 September 2017).
- Eve, M. P. et al. (2017). المرجع [6]، ص 125.
- Lariviere, V, Haustein, S and Mongeon, P (2015). The Oligopoly of Academic Publishers in the Digital Era PLOSONE, June 10 2015 http://journals.plos.org/plosone/article?id=10.1371/journal.pone.0127502 (accessed 11 September 2017).
- Eve, M. P. et al. (2017). المرجع [6]، ص 123–125.
- Anderson, R. (2015). المرجع [2].
- Barbash, F (2014). Scholarly journal retracts 60 articles, smashes ‘peer review ring’ The Washington Post, July 10 2014 https://www.washingtonpost.com/news/morning-mix/wp/2014/07/10/scholarly-journal-retracts-60-articles-smashes-peer-review-ring/?utm_term=.e2e276b1905a (accessed 11 September 2017).
- Jaschik, S (2017). The wrong reviewer Inside Higher Ed, April 18 2017 https://www.insidehighered.com/news/2017/04/18/history-journal-apologizes-assigning-review-book-urban-education-and-inequality (accessed 11 September 2017).
- NPG’s list of APCs (including Nature Communications) http://www.nature.com/openresearch/publishing-with-npg/nature-journals/ (accessed 11 September 2017).
- For a description of Cabell’s products http://www.cabells.com/about (11 September 2017).
- Vence, T (2017). On Blacklists and Whitelists: Experts debate how best to point researchers to reputable publishers and steer them away from predatory ones The Scientist, July 17 2017 http://www.the-scientist.com/?articles.view/articleNo/49903/title/On-Blacklists-and-Whitelists/ (accessed 11 September 2017).