1. دورة حياة بيانات البحث والطرق المسدودة أمام أنظمة المسؤولية والمساءلة:
على الرغم من أن الباحثين قادرون على الاستفادة من الطيف الكامل من الخدمات والمواد الداعمة لإدارة بيانات البحث (research data management, RDM)، فإن دمج هذه الخدمات والمواد في دورات حياة البحث (أو البيانات) يبدو تحديًا. ونتيجة لذلك، وفيما يتعلق بدورة حياة البحث (أو البيانات)، ليس من غير المألوف أن يقصّر الباحثون في العثور على الإرشادات ذات الصلة أو تفسيرها أو دمجها في العمل، أو أن يصلوا إلى طريق مسدود فيما يخص المسؤولية والمساءلة، ولا سيما ما يتعلق بشروط الخدمة، وقضايا رعاية البيانات (data curation) وجودتها، والسياقات القانونية، والموافقة الأخلاقية. وتُوضَّح هذه الطرق المسدودة بثلاثة أمثلة. والأمثلة الثلاثة خلاصة مجرَّدة لسنوات عدة من الخبرة في تقديم الاستشارات في مجال إدارة بيانات البحث في الإنسانيات الرقمية والعلوم الثقافية والاجتماعية، وهي خبرة قادت إلى التأمل في العقبات القائمة أمام تطبيق إدارة بيانات البحث من منظور الباحثين.
المثال 1. النشر: تعذّر نشر بيانات و/أو مقالات بسبب غياب الموافقة الأخلاقية التي تشترطها الدوريات أو خدمات المستودعات. وقد يكون من أسباب غياب الموافقة قصورُ شروط المسؤولية حين تشترك عدة مؤسسات أو هيئات أكاديمية أو مشروعات.
المثال 2. الاستضافة: قد يخفق الباحثون في وضع استراتيجية مستدامة لاستضافة البيانات في المراحل النشطة من دورة حياة بيانات البحث (مثل الجمع أو الإنشاء أو الإثراء) بسبب غياب لوائح قائمة، أو معلنة صراحةً، بشأن نماذج المسؤولية التي تصوغ متطلبات صيانة البيانات بمساعدة خدمة برمجية.
المثال 3. النقل: قد يتعامل الباحثون مع لوائح مختلفة أو غير متوافقة لنقل البيانات لدى مزودي الخدمات، لأن اللوائح تختلف من مزود إلى آخر عبر دورة حياة بيانات البحث كاملة، مما يؤدي إلى عقبات أمام إعادة استخدام بيانات البحث الجديدة أو المعدَّلة و/أو توثيقها وترخيصها ونشرها.
والقاسم المشترك بين هذه الأمثلة تحدياتٌ تسببها أنظمة مسؤولية تقع خارج هياكل المسؤولية الخاصة بالباحث الفرد داخل المؤسسات أو عبرها، وهي جزء من حوكمة بيانات البحث. والأسئلة هي: أي نظام لحوكمة البيانات يؤثر في بيانات البحث في أي مراحل من دورة حياة بيانات البحث؟ وما مجالات اتخاذ القرار الخاصة بالباحثين (الأفراد) وبأصحاب المصلحة الآخرين؟
تنص سياسات بيانات البحث في المؤسسات الأكاديمية عادةً على أن الباحثين و/أو الباحثين الرئيسيين هم أنفسهم المساءَلون عن دورة حياة بيانات البحث كاملة. ويُترك دور المؤسسة في دعم الباحثين غامضًا. وعادةً ما تعيّن المؤسسات أصحاب مصلحة داعمين، مثل مسؤولي خصوصية البيانات، ومكاتب إدارة بيانات البحث أو فرقها الاستشارية، ووحدات الدعم في مراكز الحوسبة لخدمات تقنية معلومات محددة، وخدمات الوصول المفتوح في المكتبات، ولجان الأخلاقيات (على مستوى المؤسسة أو الكلية)، ووحدات البحث أو مكاتبه على مستوى المؤسسة لدعم مقترحات المشروعات البحثية (الكبيرة في الغالب) بما يتوافق مع متطلبات الجهات الممولة للبحث. ويعمل أصحاب المصلحة هؤلاء عادةً منفردين وعلى مستوى عالٍ، ولهم أنظمة مسؤولية مختلفة، ولا يندمجون عادةً اندماجًا وثيقًا في عمليات إدارة بيانات البحث التي تعالج المتطلبات الخاصة بالبحث و/أو التخصص.
ففي فهم الباحثين، ينبغي أن يكونوا مساءَلين عما لا يقل عن بيانات مستدامة تتيح إعادة إنتاج النتائج ومتوافقة مع مبادئ (FAIR) (Wilkinson et al., 2016)، لكن في الوقت نفسه ثمة افتقار إلى هيكل قائم أو معلن للمسؤولية واتخاذ القرار، وافتقار إلى الربط بين أصحاب المصلحة في إدارة بيانات البحث في مؤسستهم (أو مؤسساتهم) وبين دورات حياة البحث (أو البيانات) ومساءلة الباحثين ومسؤوليتهم.
ودورة حياة بيانات البحث نموذج إجرائي شائع يستخدمه الباحثون لتحديد المراحل الفعلية التي تنطبق فيها أنظمة المسؤولية (أو قد تخفق في الانطباق) من منظور الباحث. والأهم أن دورة الحياة يمكن فهمها بوصفها مجالًا للبيانات (data domain) من مجالات برامج حوكمة البيانات وفقًا لأبراهام وشنايدر وفوم بروكه (Abraham, Schneider, and Vom Brocke) (2019, p. 431). وبهذا تكون دورة حياة بيانات البحث مرتبطة أصلًا بحوكمة البيانات.
وحوكمة بيانات البحث، كما تُناقَش هنا، تتمحور حول الباحثين (لا حول اختصاصيي المكتبات والمعلومات أو اختصاصيي تقنية المعلومات)، لأن الباحثين هم مالكو بيانات بحثهم، من التصميم إلى الجمع والإنشاء والإثراء والتحليل والنشر. علاوة على ذلك، ينصب التركيز على بيانات البحث لا على البيانات الإدارية مثل سجلات القيد (وهي النوع الثالث من البيانات وفقًا لجيم وتشانغ (Jim and Chang, 2018, p. 198)). وتركز هذه المقالة على منظور الباحثين في الإنسانيات الرقمية والعلوم الاجتماعية والدراسات الثقافية. وتتسم هذه المجالات البحثية بمناهج ومسارات عمل رقمية غير متجانسة في دورة حياة بيانات البحث لديها، وبنقاط انطلاق غير متجانسة بالمثل فيما يتعلق بأنظمة حوكمة البيانات. فحوكمة البيانات، وفقًا لمسح أجراه بنفلت نيلسن (Benfeldt Nielsen) (2017) على الأقل، أكثر رسوخًا في المجالات البحثية المرتبطة بالعلوم الحاسوبية. وتتفاوت درجة الخبرة والتوحيد المعياري والمناهج المستخدمة عبر دورة حياة بيانات البحث في الدراسات الاجتماعية والثقافية الرقمية والإنسانيات بحسب التخصص والمؤسسة الأكاديمية على مستوى الكلية والقسم. وحوكمة البيانات على مستوى المؤسسة كلها، بمساعدة السياسات مثلًا (قارن القسم 3)، لا يمكنها عادةً إلا أن تنص على وجوب تطبيق المعايير الخاصة بكل تخصص.
وأرى أن ثمة هيكل حوكمة مفقودًا يغطي هياكل مسؤولية الباحث ومساءلته. وفضلًا عن ذلك، ينبغي أن تكون حوكمة البيانات لدى مزودي الخدمات الخاصة بالمجال أو ذات الصلة به، القائمين في هيئة أكاديمية أو مؤسسة واحدة و/أو عبر هيئات أو مؤسسات متعددة، جزءًا من رصيد المعرفة في نموذج كهذا لحوكمة بيانات البحث (بحيث يغطي، مثلًا، أشكال التعاون واللوائح المعيارية أو المثلى ويطوّرها). والتمييز بين المسؤولية (responsibility) والمساءلة (accountability) مهم: فالشخص المساءَل قادر على إسناد مهمة إلى شخص آخر يكون بدوره مسؤولًا عن إنجازها. ونحتاج إلى تطوير نظام لحوكمة بيانات البحث يلائم فعلًا الاحتياجات الخاصة بالباحث والخاصة بالتخصص أو المجال، ويكون قادرًا على إنشاء علاقات مساءلة بين نماذج الحوكمة القائمة في المؤسسات الأكاديمية وعبرها.
2. حوكمة البيانات بوصفها نظامًا مؤسسيًا للمسؤولية واتخاذ القرار:
يُعرَّف مصطلح حوكمة البيانات (data governance) ويُطبَّق أساسًا في الشركات والمؤسسات غير الأكاديمية. فمعهد حوكمة البيانات (Data Governance Institute) في غرينزبورو (الولايات المتحدة)، مثلًا، يقدم التعريف الآتي:
«حوكمة البيانات نظام لحقوق اتخاذ القرار والمساءلة في العمليات المتعلقة بالمعلومات، يُنفَّذ وفقًا لنماذج متفق عليها تصف من يستطيع اتخاذ أي إجراءات، بأي معلومات، ومتى، وفي أي ظروف، وباستخدام أي أساليب.» (Data Governance Institute, 2024)
ويمكن لحوكمة البيانات بذلك أن تشير إلى الهيئات المؤسسية، والقواعد (السياسات، والمعايير، والإرشادات، وقواعد العمل)، وحقوق اتخاذ القرار (كيف «نقرر كيف نقرر»)، والمساءلة، وأساليب الإنفاذ على الأشخاص، ونظم المعلومات في أثناء أدائها العمليات المتعلقة بالمعلومات. واتباعًا لخاتري وبراون (Khatri and Brown) (2010, p. 148)، يمكن تعريف العلاقة بين الإدارة والحوكمة على النحو الآتي:
«تشير الحوكمة إلى القرارات التي يجب اتخاذها لضمان الإدارة والاستخدام الفعالين لتقنية المعلومات (مجالات القرار)، وإلى من يتخذ القرارات (موضع المساءلة عن اتخاذ القرار).
أما الإدارة فتنطوي على اتخاذ القرارات وتنفيذها.»
وإدارة البيانات أداة صريحة للتخطيط والمتابعة في تنظيم بيانات البحث وإدارتها. ومن دون حوكمة البيانات، قد تُفهم إدارة البيانات على أنها تطبيق لنظام حوكمة غير مكتوب يحدد المساءلة والمسؤولية عن مختلف المهام والأنشطة المنفَّذة ضمن مجال إدارة بيانات البحث.
وبالتركيز على جودة البيانات، يعرّف أوتو (Otto) (2011, p. 74) حوكمة البيانات على النحو الآتي: «إطار على مستوى الشركة كلها لإسناد الحقوق والواجبات المتعلقة بالقرار، بغية التمكن من التعامل مع البيانات تعاملًا ملائمًا بوصفها أصلًا من أصول الشركة». وتُرسي حوكمة البيانات عمليات وأدوات تتيح تنظيمًا ومتابعة مسؤولين وشفافين ومفهومين. ثم تتجسد الحوكمة في هيئة حوكمة (Ebel, 2021, pp. 163, 178). وفي سياق التعليم العالي، ثمة عدد من الهيئات المؤسسية التي تتولى المسؤولية عن حوكمة البيانات. وتشمل هذه عادةً مراكز الحوسبة والمكتبات.
وسياسات بيانات البحث وإرشادات الممارسات العلمية الجيدة أدوات معيارية في المؤسسات الأكاديمية على مستوى القواعد. ولا يمكن لهذه السياسات، بحكم تعريفها، أن تتدخل تدخلًا عميقًا في دورات حياة البحث (أو البيانات). فهذه السياسات أو الإرشادات تحدد المساءلة الإجمالية للباحثين عن بياناتهم وبرمجياتهم، ومسؤولية المؤسسة عن توفير الإطار اللازم لإدارة جيدة لبيانات البحث. وعلى مستوى القواعد نفسه، توفر إرشادات (FAIR)، بوصفها إرشادات عابرة للمؤسسات، تركيزًا محددًا على تعريف أهداف لبيانات وصفية وبيانات عالية الجودة. وتعمل سياسات الجهات الممولة للبحث ومتطلباتها بشأن التعامل مع البيانات، كسياسات المفوضية الأوروبية أو مؤسسة الأبحاث الألمانية (Deutsche Forschungsgemeinschaft, 2022)، على مستوى مماثل. والأهم أن هذه السياسات يحيل بعضها إلى بعض. فسياسات المؤسسات للممارسات العلمية الجيدة كثيرًا ما تحيل، مثلًا، إلى بيانات (FAIR)، وهي متوافقة، في النظام الأكاديمي الألماني على الأقل، مع متطلبات الجهات الممولة الشائعة. وتوفر حوكمة البيانات على مستوى القواعد امتثالًا عالي المستوى من جهة. ومن جهة أخرى، قد تحيل أيضًا إلى أدوات معيارية شائعة لإدارة بيانات البحث لا يمكنها أن توفر نظامًا (ولم تُصمَّم لذلك) لحقوق اتخاذ القرار والمساءلة. فمثلًا، النموذج الإجرائي لإدارة بيانات البحث على مستوى المعايير هو دورة حياة بيانات البحث، وهو نموذج إجرائي مفيد جدًا لتطبيق إدارة بيانات البحث. لكنه يخلو من أي رؤى تخص المساءلة واتخاذ القرار. والمعيار فيما يتعلق بالإرشادات هو خطة إدارة البيانات (data management plan)، التي كثيرًا ما لا تُحدَّد فيها المسؤولية، باستثناء الباحث الرئيس، تحديدًا واضحًا من حيث ما تعنيه المساءلة وكيفية اتخاذ القرارات.
وتأتي حوكمة البيانات مع طائفة واسعة من المقاربات والنماذج. وسأركز على التنظيم والامتثال، وهما اثنان من مبادئ الحوكمة الأربعة (التي تشمل المواءمة والفهم المشترك) التي وصفها بروس وجانسن وفيلمينكو هايكينن (Brous, Janssen and Vilminko-Heikkinen) (2016). ويوضح كلا المبدأين ضرورة تطوير نظام مكمِّل لحوكمة البيانات (قارن القسم 3). واستنادًا إلى إطار حوكمة البيانات الذي وضعه أبراهام وشنايدر وفوم بروكه (2019, pp. 426–428)، أركز على المحدِّدات (parameters) ذات الصلة بالمؤسسات والبيانات.
3. حوكمة بيانات البحث بوصفها نظامًا عابرًا للمؤسسات لمجال بيانات الباحث:
بالنسبة إلى الباحثين، لا ترتبط بيانات البحث (مجال البحث/نطاق البيانات) ودورة حياة بيانات البحث (بوصفها مجالًا لقرارات البيانات) بمؤسسة واحدة. ومن ثم فإن الامتثال يتطلب التوفيق بين لوائح الامتثال عبر المؤسسات. وقد تضيف إعادة استخدام البيانات من مؤسسات مختلفة مزيدًا من التعقيد إلى أنظمة حوكمة البيانات. وبمساعدة نظام لحوكمة بيانات البحث، قد يتمكن الباحثون من تنظيم ملكيتهم للبيانات داخل التخصصات والمؤسسات وفيما بينها. ويتفق هذا مع ما يذهب إليه كولتاي (Koltay) (2016, p. 123) بقوله:
«لتوسيع منظومة كهذه، يجب على الباحثين وصانعي السياسات أن يتصدوا للمشهد المتنامي والمتزايد تنوعًا من المؤسسات وأصحاب المصلحة المشاركين في إنتاج بيانات البحث واستخدامها، سعيًا إلى فهم العلاقات بين هذه الكيانات بعضها وبعض، وبينها وبين الأفراد الذين يجرون البحث.»
ومن البديهي في إدارة بيانات البحث أن إدارة البيانات والبرمجيات «تتطلب قرية كاملة» (Borgman and Bourne, 2022). وإذا كانت الحوكمة تُمكِّن الإدارة (قارن القسم 2)، فإنني أرى أننا نحتاج أيضًا إلى مقاربة مماثلة في سياق أنظمة حوكمة البيانات، التي يجب أن تُحدَّد وتُنسَّق وتُطبَّق على نحو يتواءم مع المراحل المختلفة لدورة حياة بيانات البحث، وهي دورة تقوم على أسئلة بحثية وتخصصات محددة أكثر مما تقوم على عمليات على مستوى المؤسسة كلها.
ويميّز أبراهام وشنايدر وفوم بروكه (2019, p. 426) وليس وأوتو (Lis and Otto) (2020, pp. 2–3) بين النطاق الداخلي للمؤسسة (intra-organisational) والنطاق البيني بين المؤسسات (inter-organisational). فالنطاق الداخلي يمكن تطبيقه على مؤسسة بأكملها، في حين يحدد النطاق البيني حوكمة البيانات بين المؤسسات. ومع تزايد التركيز على تطوير نماذج صريحة لحوكمة البيانات وحوكمة تقنية المعلومات وتبليغها داخل المكتبات ومراكز الحوسبة ووحدات البحث الكبرى، فما زال ثمة افتقار إلى التكامل بين هذه النماذج، وتركيز ضيق على مراحل محددة من دورة حياة بيانات البحث في سياقات البحث: الأقسام والكليات. ويتعارض هذا مع حاجة الباحثين إلى مراعاة دورة حياة بيانات البحث كاملة، وإلى دمج نماذج الحوكمة مع نماذج الحوكمة الخاصة بتخصصهم أو مؤسستهم أو مشروعهم. وتشير الدراسة الاستكشافية التي أجراها كوبر وريموند وجيرو (Kouper, Raymond, and Giroux) (2020) حول تصور الباحثين لحوكمة البيانات من خلال مسح إلى اتجاه مماثل، إذ تبيّن أن «كثيرًا من الأفراد ينتمون أيضًا إلى مجتمعات متعددة، فيعرّفون أنفسهم بتخصص محدد، وبمجتمعات متعددة التخصصات، وبمجتمعات تشارك في جوانب مختلفة من دورة حياة البيانات» (ibid., p. 131).
ومن حيث نطاق البيانات (Abraham, Schneider, and Vom Brocke, 2019, p. 432)، تركز حوكمة البيانات عادةً على البيانات الإدارية المتولدة أو المتراكمة في السياقات الأكاديمية، مثل بيانات القيد والبيانات المالية وبيانات الموظفين، وغيرها. لكن طبيعة بيانات البحث تختلف عن البيانات الإدارية. فبيانات البحث لا تُجمع أو تُنشأ أو تُحلَّل عادةً داخل مؤسسة واحدة، بل عبر مؤسسات متعددة. وعلاوة على ذلك، كثيرًا ما تتفاوت بيانات البحث في النطاق والمجال والمناهج والصيغة والتحليل وسيناريوهات (إعادة) الاستخدام، على خلاف البيانات الإدارية التي تكون عادةً موحدة معياريًا داخل المؤسسة الواحدة. وهذا التفاوت تحديدًا يُفهم عادةً في مجال البحث وميدانه فهمًا أفضل مما يُفهم على المستوى المؤسسي. ومن ثم فمن الممكن أن يقصّر هيكل حوكمة البيانات في الجامعة في مراعاة التفاوت والمتطلبات المحددة لمختلف التخصصات أو مجالات البحث. يضاف إلى ذلك أن لبيانات البحث قيمة محددة عبر دورة حياة بيانات البحث كاملة بالنسبة إلى الباحثين ومجتمع البحث والتخصص أو مجال البحث المعني. ومن منظور المؤسسة كلها (كالجامعة مثلًا)، فللنشر بالوصول المفتوح في المستودعات قيمة (المرحلة الأخيرة من دورة حياة بيانات البحث). وعادةً لا تكفي مجموعة خدمات مؤسسة واحدة لجميع مراحل دورة حياة بيانات البحث (قارن المثالين 2 و3). فقد يستخدم الباحثون أدوات وخدمات عبر المؤسسات وعبر الحدود الوطنية والتخصصية لإنشاء بياناتهم وإثرائها وتحليلها ونشرها. فمثلًا، إذا عملت المكتبات وفق نموذج لحوكمة البيانات، فإن خدماتها لبيانات البحث تكون عادةً مستودعات تؤدي دورًا إما في ختام دورة حياة بيانات البحث وإما في بدايتها. وقد تعمل مراكز الحوسبة وفق نموذج لحوكمة تقنية المعلومات/البيانات، وتقدم لمجتمع البحث خدمات لبيانات البحث، مثل (Jupyter Hubs). وتسهم هذه الخدمات في مراحل الإنشاء والإثراء والتحليل من دورة حياة بيانات البحث بوصفها خدمة أساسية، قد يضيف إليها الباحثون برمجيات وتطبيقات إضافية خاصة بالبحث والتخصص تتطلب عادةً نماذج حوكمة مختلفة. وقد يتبيّن أن نقل البيانات من خدمة إلى أخرى أو الجمع بين الخدمات أمر صعب حين يجب الجمع بين لوائح متعارضة لحوكمة البيانات، مثل تلك المتعلقة بخصوصية البيانات وحقوق المؤلف والترخيص وإدارة الهوية (المثال 3).
وثمة سؤال آخر يُطرح، هو الموضع التنظيمي لنظام حوكمة بيانات البحث. فالمستوى التنظيمي للجامعة أو المكتبة أو مركز الحوسبة واسع جدًا، لأنها كثيرًا ما لا تستطيع التركيز إلا على مراحل منفردة من دورة حياة بيانات البحث، ولأن أنظمة الحوكمة القائمة لم تُصمَّم لبيانات البحث ولا لدورات حياة بيانات البحث المتفاوتة والعابرة للمؤسسات. فالباحثون الأفراد يحتاجون إلى نظام لحوكمة بيانات البحث يؤدي، ضمن أمور أخرى، دور الوسيط بين أنظمة حوكمة البيانات على مستوى المؤسسات داخل المؤسسات وعبرها، مع معالجة المتطلبات الخاصة بالمجال أو التخصص (مجال البيانات، ودورة حياة بيانات البحث). وينبغي، في الوضع الأمثل، أن يُنشأ نظام حوكمة بيانات البحث في سياق بحثهم، على مستوى الكلية أو القسم مثلًا، حيث توجد بالفعل قنوات تواصل ومجالات مسؤولية راسخة ومجرَّبة (لأهداف أو أغراض مختلفة). ويمكن إنشاء هيئة جديدة لاتخاذ القرار وإدراجها ضمن هيئات الحكم الذاتي الأكاديمي (كالكلية أو القسم)، مع إمكانية الارتباط بالبنى التحتية البحثية المتعلقة بالتخصص خارج الجامعة. وبهذه الطريقة، تستطيع الكليات أو الأقسام، أولًا، أن تطوّر، وثانيًا، أن تقرر مع مجتمعات الباحثين أو التخصصات أو المشروعات أو الفرق، ما ينبغي أن يكون عليه نظام الحوكمة هذا، وكيف يُكيَّف استجابةً للمتطلبات المتطورة الخاصة بمجال بيانات الباحث. وتتمثل الميزة الثانية في أن حوكمة بيانات البحث يمكن دمجها في المناهج الدراسية بسهولة أكبر من خلال هيكل للقسم أو الكلية يدعم تنمية مهارات التعامل مع البيانات (data literacies)، لأن هذه المهارات تُناقش بدورها أيضًا في سياق حوكمة البيانات (مثل (Koltay), 2016). وتحديد موضع حوكمة بيانات البحث (في كلية مثلًا) من شأنه أن يضمن دمج اللجان ذات الصلة في الجامعة (أو في أجزاء منها) (مثل لجان أخلاقيات البيانات أو المناصب الاستشارية لحماية البيانات) في أنظمة حوكمة بيانات البحث (المثال 1). ومن التصاميم الممكنة لنظام كهذا لحوكمة بيانات البحث هيكلُ حوكمة متعدد المراكز (polycentric) لمشاع معرفي (knowledge commons) (قارن (Kouper, Raymond, and Giroux, 2020)). وعندئذ يُمكّن النهج المتعدد المراكز من الربط الوظيفي بين حوكمة بيانات البحث في كلية ما، مثلًا، وحوكمة تقنية المعلومات في مركز الحوسبة الداخلي أو الخارجي أو في المكتبات التي تقدم خدمات بيانات البحث لباحثي الكلية (المثالان 2 و3). ويمكن أن تكون النواة الرابطة في الهيكل المتعدد المراكز لنموذج حوكمة بيانات البحث لجنةً لإدارة بيانات البحث تمثل تخصصات الكلية أو أقسامها، وتتألف من أصحاب مصلحة من داخل المؤسسة ينتمون إلى المختبرات والمراكز واللجان الأخرى ووحدات الدعم ذات الصلة بمجالات بحث الكلية. ولإضفاء الشرعية على عمل اللجنة ودمجه في متن معرفة الكلية، يُقر مجلس الكلية مقترحات اللجنة. ويمكن للجنة إدارة بيانات البحث بعد ذلك أن تقيم تعاونًا مع الوحدات المشتركة بين المؤسسات ذات الصلة بالمجال والبحث. ثم يمكن للجنة أن تعمل مجلسًا توجيهيًا لتطوير حوكمة بيانات البحث، ووسيطًا وقاعدة معرفة للباحثين. ولننظر مرة أخرى في الأمثلة 1–3. ففي المثال 1 (النشر)، ستساعد لجنة إدارة بيانات البحث على تحديد مجالات المسؤولية الخاصة بالموافقة الأخلاقية الداخلية، وتشير إلى مجالات المسؤولية الخارجية إذا كانت دراسةٌ ما، مثلًا، تُجرى في بلد آخر. وفي المثال 2 (الاستضافة)، سيستفيد الباحث من كون موظفي خدمات تقنية المعلومات جزءًا من لجنة إدارة بيانات البحث، حيث يمكن تطوير استراتيجيات الاستضافة والصيانة داخليًا. أما استراتيجيات الصيانة الخارجة عن المؤسسة، فستتمكن لجنة إدارة بيانات البحث على الأقل من دعم الباحثين أو إرشادهم في صياغة المبادئ أو المتطلبات التي يجب الوفاء بها. وفي المثال 3 (النقل)، ستعمل لجنة إدارة بيانات البحث مركزًا للمعلومات والخبرة يمكن للباحثين اللجوء إليه لحل مشكلات لوائح النقل الخاصة بكل حالة. ومن منظور بعيد المدى، يمكن للجنة إدارة بيانات البحث أن تكتسب خبرة خاصة بالبحث، وأن تبني معرفةً وإدارةً للحالات على مستوى الكلية كلها وتطورهما. ولأن اللجان تعيّنها الكلية نفسها عادةً، فإن هيكلًا مستدامًا للتوظيف والتنظيم ممكن أيضًا دون استحداث وظائف جديدة مباشرة.
إن المقاربة لحوكمة بيانات البحث التي نوقشت هنا قادرة على سد الفجوة بين هياكل الحوكمة على مستوى المؤسسات (داخل المؤسسات وعبرها)، وعلى إرساء نظام للمسؤولية خاص بالتخصص ومرتبط بمجال البيانات للباحثين ضمن الحكم الذاتي الأكاديمي. وهذا من شأنه أن يمكّن الباحثين من فهم مجالات اتخاذ القرار والمساءلة الخاصة بهم وتطويرها عبر دورة حياة بيانات البحث لديهم، مع احترام حرية البحث وخصوصية مجالاته.
المراجع:
- https://www.dcc.ac.uk/
- https://www.nfdi.de/consortia/?lang=en
- https://www.copim.ac.uk/
- https://www.openaire.eu/rdm-in-horizon-europe-proposals
- https://www.openaire.eu/rdm-in-horizon-europe-proposals
- https://datagovernance.com/the-data-governance-basics/definitions-of-data-governance/، تاريخ الاطلاع 26 يوليو 2023.
- https://jupyter.org/hub، تاريخ الاطلاع 18.12.2024.
- Abraham, R., Schneider, J. and Vom Brocke, J. (2019) ‘Data governance: A conceptual framework, structured review, and research agenda’, International Journal of Information Management, 49, pp. 424–438. ISSN: 0268-4012. URL: https://linkinghub.elsevier.com/retrieve/pii/S0268401219300787 (visited on 12/06/2024). Available at: https://doi.org/10.1016/j.ijinfomgt.2019.07.008
- Barker, M. et al. (2022) ‘Introducing the FAIR Principles for research software’, Scientific Data, 9(1), p. 622. ISSN: 2052-4463. URL: https://www.nature.com/articles/s41597-022-01710-x (visited on 12/06/2024). Available at: https://doi.org/10.1038/s41597-022-01710-x
- Benfeldt Nielsen, O. (2017) ‘A Comprehensive Review of Data Governance Literature’, IRIS: Selected Papers of the Information Systems Research Seminar in Scandinavia, 8. ISSN: 1891-9863 Issue: 3. Scandinavian Chapter of the Association for Information Systems (AIS) – Scandinavian IRIS, pp. 120–133.
- Bishop, B.W. et al. (2023) ‘Data Management Plan Implementation, Assessments, and Evaluations: Implications and Recommendations’, Data Science Journal, 22, p. 27. ISSN: 1683-1470. URL: http://datascience.codata.org/articles/10.5334/dsj-2023-027/ (visited on 12/06/2024). Available at: https://doi.org/10.5334/dsj-2023-027
- Borgman, C.L. and Bourne, P.E. (2022) ‘Why It Takes a Village to Manage and Share Data’, Harvard Data Science Review. URL: https://hdsr.mitpress.mit.edu/pub/wyxni26q (visited on 12/06/2024). Available at: https://doi.org/10.1162/99608f92.42eec111
- Brous, P., Janssen, M. and Vilminko-Heikkinen, R. (2016) ‘Coordinating Decision-Making in Data Management Activities: A Systematic Review of Data Governance Principles’, Electronic Government, in H. J. Scholl (ed.), et al. Vol. 9820. Series Title: Lecture Notes in Computer Science. Cham: Springer International Publishing, pp. 115–125. ISBN: 978-3-319-44420-8, 978-3-319-44421-5. URL: https://link.springer.com/10.1007/978-3-319-44421-5_9 (visited on 12/11/2024). Available at: https://doi.org/10.1007/978-3-319-44421-5_9
- Chue Hong, N.P. et al. (2021) ‘FAIR Principles for Research Software (FAIR4RS Principles)’, in collab. with A. Struck (ed.), et al., Research Data Alliance. URL: https://zenodo.org/record/6623556#.YqCJTJNBwlw (visited on 12/06/2024). Available at: https://doi.org/10.15497/RDA00068
- Cox, A.M. and Ting Tam, W.W. (2018) ‘A critical analysis of lifecycle models of the research process and research data management’, Aslib Journal of Information Management, 70(2), pp. 142–157. ISSN: 2050-3806. URL: https://www.emerald.com/insight/content/doi/10.1108/AJIM-11-2017-0251/full/html (visited on 12/06/2024). Available at: https://doi.org/10.1108/AJIM-11-2017-0251
- Data Governance Institute (2024) Definitions of Data Governance. URL: https://datagovernance.com/the-data-governance-basics/definitions-of-data-governance/.
- Deutsche Forschungsgemeinschaft (2022) ‘Guidelines for Safeguarding Good Research Practice. Code of Conduct’, Zenodo. URL: https://zenodo.org/record/3923601 (visited on 12/06/2024). Available at: https://doi.org/10.5281/ZENODO.3923601
- Ebel, N. (2021) Basiswissen ITIL 4: Grundlagen und Know-how für das IT Service Management und ITIL-Foundation-Prüfung. 1st ed. Heidelberg: dpunkt.verlag. ISBN: 978-3-86490-710-4.
- Grossmann, Y.V. et al. (2024) ‘Software Management Plans – Current Concepts, Tools, and Application’, Data Science Journal, 23, p. 43. ISSN: 1683-1470. URL: https://datascience.codata.org/articles/10.5334/dsj-2024-043/ (visited on 12/06/2024). Available at: https://doi.org/10.5334/dsj-2024-043
- Jim, C.K. and Chang, H.-C.. (2018) ‘The current state of data governance in higher education’, Proceedings of the Association for Information Science and Technology, 55(1), pp. 198–206. ISSN: 2373-9231. URL: https://asistdl.onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1002/pra2.2018.14505501022 (visited on 12/06/2024). Available at: https://doi.org/10.1002/pra2.2018.14505501022
- Khatri, V. and Brown, C.V. (2010) ‘Designing Data Governance’, Communications of the ACM, 53(1), pp. 148–152. ISSN: 0001-0782. Available at: https://doi.org/10.1145/1629175.1629210
- Koltay, T. (2016) ‘Data governance, data literacy and the management of data quality’, IFLA Journal, 42(4), pp. 303–312. ISSN: 0340-0352, 1745-2651. URL: https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/0340035216672238 (visited on 12/06/2024). Available at: https://doi.org/10.1177/0340035216672238
- Kouper, I., Raymond, A.H. and Giroux, S. (2020) ‘An Exploratory Study of Research Data Governance in the U.S.’, Open Information Science, 4(1), pp. 122–142. ISSN: 2451-1781. URL: https://www.degruyter.com/document/doi/10.1515/opis-2020-0010/html (visited on 12/11/2024). Available at: https://doi.org/10.1515/opis-2020-0010
- Lis, D. and Otto, B. (2020) ‘Data Governance in Data Ecosystems – Insights from Organizations’, AMCIS 2020 Proceedings, 12. URL: https://aisel.aisnet.org/amcis2020/strategic_uses_it/strategic_uses_it/12 (visited on 12/11/2024).
- Otto, B. (2011) ‘Organizing Data Governance: Findings from the Telecommunications Industry and Consequences for Large Service Providers’, Communications of the Association for Information Systems, 29, pp. 45–67. Available at: https://doi.org/10.17705/1CAIS.02903
- Strasser, C. (2015) Research data management. NISO Primer series. Baltimore, MD: National Information Standards Organization. ISBN: 978-1-937522-65-0.
- Wilkinson, M.D. et al. (2016) ‘The FAIR Guiding Principles for scientific data management and stewardship’, Scientific Data, 3(1), p. 160018. ISSN: 2052-4463. URL: https://www.nature.com/articles/sdata201618 (visited on 12/06/2024). Available at: https://doi.org/10.1038/sdata.2016.18