جلست مع مجموعة من الزملاء وهنأني البعض بعودتي من الولايات المتحدة الأمريكية، فسأل أحد الزملاء عن سبب سفري، فقلت إنني كنت أحضر برنامجاً تدريبياً نظمه مركز الدراسات الإسلامية المعاصرة وحوار الحضارات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالتعاون مع مركز الحوار في جامعة تامبل بولاية بنسلفانيا، وكان عنوان الدورة: «حوار الحضارات: مفهومه وتطبيقاته في أمريكا»، وذلك خلال الفترة من 7 إلى 15 شوال 1430هـ، وأن هذه الدورة تأتي انطلاقاً من توجيهات خادم الحرمين الشريفين بتفعيل دور الجامعات في الحوار والرقي في التعامل بين شعوب الأرض، وإظهار الدور الوسطي والتسامح والتعايش الذي يؤصله ديننا الحنيف وتمثله قيادتنا الرشيدة المباركة.
فرد أحدهم قائلاً: وهل هناك حوار مع من نختلف معهم في الأصول؟
قلت له: إن الحوار يكتسب أهميته عند الاختلاف؛ فمن تتفق معهم في كل شيء لا تحتاج إلى محاورتهم لتقريب وجهات النظر.
فقال نحاور من نتفق معهم في الأصول ونختلف معهم في الفروع.
فقلت: إذن نحن بحاجة إلى أن نتحاور مع الجميع لأن طبيعة البشر هي الاختلاف، والذي يعود في أساسه إلى اختلاف الرؤى وزوايا النظر إلى الأمور.
قلت له دعني بداية أوضح لك مفهوم الحوار، فالحوار ليس فرضاً للآراء، بل إنصات إلى الطرف الآخر، وتعرّف إلى أوجه الاتفاق معه وتعزيزها، وتحييد لجوانب الاختلاف، وذلك بحثاً عن بيئة يتعايش فيها الجميع بسلام، ويتم فيها بناء عالم يسوده التفاهم، ويبعد أفراده عن الانغلاق والانعزالية، كما أنه أداة للتواصل الفكري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي بين المجتمعات، وهو ليس عملية يحاول فيها أحد الطرفين التأثير على الآخر وإخضاعه لفكرة ما.
وأشرت إلى المبادئ العشرة للحوار التي ذكرها الأستاذ الدكتور ليونارد سويدلر (Leonard Swidler) رئيس مركز الحوار في جامعة تامبل في هذه الدورة، وهي:
المبدأ الأول: الهدف الرئيس من الحوار هو فهم كل طرف للآخر.
المبدأ الثاني: أن الحوار يجب أن يتخذ مسارين، مسار داخل المجتمعات، ومسار بين المجتمعات.
المبدأ الثالث: أن يتصف كل طرف بالصدق والأمانة عند طرح وجهات نظر الجانب الذي يمثله.
المبدأ الرابع: عدم الحكم على الآخرين من خلال مبادئك ومثالياتك.
المبدأ الخامس: أن لكل طرف الحق في الحديث عن نفسه وليس الحديث بلسان الأطراف الأخرى.
المبدأ السادس: الابتعاد عن الأحكام المسبقة فيما يتعلق بنقاط الاختلاف.
المبدأ السابع: عدم تحقير أو إنقاص قيمة الطرف الآخر.
المبدأ الثامن: يقوم الحوار على أساس الثقة المتبادلة.
المبدأ التاسع: تقبل النقد ومعرفة المنطلقات التي دعت الطرف الآخر لطرح ملاحظاته، والنظر إليها بتجرد.
المبدأ العاشر: تفهم ممارسات الطرف الآخر من خلال مبادئه ومثالياته.
وأخيراً ذكرت له أن الإسلام في الحقيقة هو من أسس مبدأ الحوار بين الشعوب والأمم، التي كان يقتل بعضها بعضاً قبله، وأن ما حدث في أوروبا وغيرها على مر العصور، وفي الحربين العالميتين الأولى والثانية لدليل واقعي على انعدام مفهوم الحوار في الغرب والشرق، وأن العدل والأمان اللذين عاشهما جميع أبناء الديانات تحت الإسلام في مختلف دوله وإماراته وخلافاته لأحد ثمار هذا المفهوم.