تقوم مؤسسات التعليم العالي بدور تربوي حساس يختلف تماماً عن الدور الذي تقوم به مؤسسات التعليم العام، ولعل هذا الدور يتمثل في التركيز على بناء شخصية الطالب المعرفية التي تؤثر على حياته المستقبلية وتوجهاته الفكرية، وفي الحقيقة أنا لست مع التوجيه المباشر الذي يلغي الفروق الفردية، والمؤثرات الاجتماعية، والذي يتطلب من الجميع أن يحملوا فكراً متشابهاً، فهناك مساحة كبيرة داخل حدود الفكر المقبول الذي يمكن للطالب أن يمنح فيها فرصة لعقله الذي وهبه له الله أن يعمل.
أصبح التحكم فيما يطلع عليه أبناؤنا الصغار من أفكار مختلفة أمراً صعباً، فكيف بأبنائنا الكبار؟ كما أن فرض السيطرة الكاملة على ما يشاهدونه ويقرؤونه ويسمعونه لم يعد مقبولاً. وأنا هنا لا أدعو إلى إلغاء الرقابة والتوجيه، بل إلى تعزيز التحصين والبناء الفكري السليم.
لقد أصبح فرض السيطرة الكاملة على ما يصل إلى أبنائنا أمراً مستحيلاً؛ فقد أسفر التطور في مجال تقنيات المعلومات والاتصال عن تحولات جذرية في المشهد الفكري، وأسفر البث المباشر للقنوات الفضائية عن فقداننا السيطرة الكاملة على ما يجب أن يشاهده أبناؤنا وما لا يمكن لهم أن يشاهدوه، كما أن الإنترنت أصبحت تتجاوز الحدود الإقليمية لتفرض علينا تدفقاً معلوماتياً دولياً يصل إلينا في عقر دارنا، بل وصل الأمر إلى أننا لم نعد نتحكم بشكل كامل فيما يروج من معلومات وفكر داخل حدود وطننا الجغرافية، ومن ثم صعُبت مواجهة تأثير البث الإعلامي الخارجي والثقافات الوافدة، فكثر الجدل حول الغزو الثقافي والتهديدات التي أصبحت تواجهها الثقافات الوطنية، وظهر ما يسمى بمحاربي العولمة في الغرب أكثر منهم في الشرق.
نعلم جميعاً أن أبناءنا يمكن لهم الوصول في بيوتنا أو خارجها لما يريدون أن يصلوا إليه من معلومات، وأن تحذيراتنا وتهديداتنا الصارمة لن تجدي نفعاً في حال غيابنا، إذاً ما الحل لتحصين أبنائنا من الهجمات التغريبية الشرسة، ومن آثار العولمة الموجهة لأمتنا، بل ومن الأفكار الهدامة، والإرهابية، والمذهبية الضالة؟
أرى أن بناء شخصية المتعلم الفاعل، الباحث والمتقصي والمفكر والناقد والمنتج للمعلومات والمعرفة، هو السبيل الأهم لمحاربة هذا السيل الجارف من المؤثرات الخارجية، والتي تصل لأبنائنا من خلال شبكة الإنترنت أو من القنوات الفضائية.
إن التربية الإعلامية من الموضوعات المهمة التي يجب أن تعنى بها الجامعة، وأن تقدم للطلاب بشكل مباشر من خلال مواد تدرس، أو بشكل غير مباشر من خلال نشاطات تعليمية وتعلمية وتثقيفية وترفيهية، وذلك لكونها تهتم بتطوير ملكات التفكير الناقد نحو وسائل الإعلام المختلفة، وما تحمله من رسائل إعلامية تختلط فيها الحقيقة بالتدليس، والمفيد بالضار، والغث بالسمين، سيما ونحن نشهد ثورة إعلامية ليست لها سابقة بفضل ما قدمته وتقدمه ثورة المعلومات والاتصال، كما أنها تهتم بإكساب المتعلمين المهارات التي تجعلهم بمستوى يمكنهم من التفاعل بإيجابية مع الوسائل الإعلامية، ونقد ما تنشره من معلومات وأفكار، وينأى بهم عن التأثر السلبي بما تبثه، والذي قد يكون في أحيان كثيرة مشوهاً ومروجاً لاتجاهات وقيم وعادات وثقافات مرفوضة.