البحث الممول من الجمهور وإتاحته:
في وقت سابق من هذا العام، اتصلت الحكومة البريطانية بمؤسس ويكيبيديا جيمي ويلز للمساعدة في جعل البحوث الأكاديمية الممولة من دافعي الضرائب أوسع إتاحة على الإنترنت. وكان منطق القرار ذا شقين: فالنشر بالوصول المفتوح، مثل ويكيبيديا، يمكن أن يتيح توزيع البحوث بسرعة أكبر من الأشكال التقليدية. وبالقدر نفسه من الأهمية، تسعى مقاربة ويكيبيديا إلى تغيير النموذج التقليدي؛ فالبحث تموله الأموال العامة كليًا أو جزئيًا، لكن الجمهور لا يستطيع غالبًا الوصول إليه إلا بدفع اشتراك أو رسم لكل مشاهدة. أي إن الجمهور يدفع مرتين مقابل السلعة نفسها. وقد يعني الوصول المفتوح أن نحصل، نحن الجمهور، على ما دفعنا ثمنه في المرة الأولى.
بعد ذلك بقليل، صدر في المملكة المتحدة تقرير فينش، المعروف أيضًا بعنوان «الإتاحة والاستدامة والتميز: كيف نوسع الوصول إلى المنشورات البحثية»، فأثار جدلًا ونقاشًا واسعًا. وهو محاولة مهمة لضمان إتاحة البحوث للجميع، بمن فيهم الجمهور ومن هم خارج الوسط الأكاديمي. ويقرر التقرير أن القضية هي توسيع الوصول إلى المنشورات وتحسينه لمصلحة كل من له حصة أو اهتمام بالبحث ونتائجه؛ وأن حواجز الوصول، وخاصة حين يكون البحث ممولًا من الجمهور، أصبحت أقل قبولًا في عالم متصل بالإنترنت، لأنها تقيد الابتكار والنمو والفوائد الأخرى المتولدة عن البحث (فينش، 2012).
تمثيل الأطراف وتكاليف التنفيذ:
على الرغم من هذا الموجز الواعد، لم يرض التقرير جميع الملتزمين بالوصول المفتوح. فقد أخفق في إدراك أن النشر العلمي لا يتعلق بالمؤلفين وحدهم أو المكتبيين وحدهم أو الناشرين وحدهم، وأن كل مناقشة لنجاح النشر المفتوح ونموه يجب أن تتناول السياق الأوسع للعلاقات بين أطراف النشر العلمي (راينسفلدر، 2012).
وبعبارة أخرى، مع أننا كنا قد نتوقع ترحيب العاملين في الوصول المفتوح بالتقرير، فإن كثيرين يشهدون بأن فريق فينش لم يستشر بدرجة كافية المنخرطين مباشرة في البحث وفي الحركة. وتركزت ردود الفعل السلبية على نقد مشترك: تطبيق التقرير سيضر فعليًا بالبيئة البحثية الحالية. ومن المحمود أنه يحاول معالجة القضية مباشرة، لكن فرض توصياته على الباحثين والجامعات ليس الحل.
تظل التكلفة أهم اعتبار لم يعالجه التقرير بما يكفي؛ إذ إن الانفتاح، كما يؤكد أكاديميون كثيرون، لا يعني انعدام التكلفة. فالنشر في دورية وصول مفتوح يتطلب من المؤلف في حالات كثيرة دفع رسوم مقدمًا، تصل أحيانًا إلى 1,000 جنيه إسترليني، أي نحو 1,580 دولارًا آنذاك. وتخصيص المؤسسة مالًا لتغطية الرسوم نيابة عن الباحثين أمر، لكن التطبيق قد يصبح نقلًا مشكوكًا فيه للمال من جيب إلى آخر؛ إذ تُحوّل أموال كان يمكن أن تدعم البحث أو شراء المنشورات إلى رسوم نشر المؤلف. وفي حالات أخرى من نموذج «يدفع المؤلف»، لا يخصص مال لتغطيتها، ومع ذلك يستمر توقع أن يجري الأكاديميون البحث وينشروه ويبرهنوا أثره. وبدل مشاركة أكثر عدلًا للبحث والمعلومات القيّمة، تظل العملية غير متكافئة وتزداد تعقيدًا.
حسابات متعارضة للوفر والتكلفة:
ثمة انقسام أيضًا بشأن الموازنة المحتملة بين التكلفة والفائدة. فقد خلص مشروع كلفت به JISC، وهي جهة بريطانية لتمويل التعليم العالي، إلى وجود حجة اقتصادية للنشر بالوصول المفتوح، وأن قطاع التعليم العالي البريطاني كان يمكن أن يوفر نحو 80 مليون جنيه إسترليني سنويًا، أي قرابة 126.7 مليون دولار، بالانتقال من الوصول المدفوع إلى النشر المفتوح (2009).
لكن افتراض الوفر المحتمل قد يكون قصير النظر؛ إذ تتوقع أكسفورد زيادة محتملة في الإنفاق على النشر قدرها 350% إذا انتقل النظام إلى ما يعرف بالوصول المفتوح الذهبي، الذي تراه الحكومة البريطانية أفضل وسيلة لزيادة الوصول إلى البحوث البريطانية الممولة من الجمهور (جامب، 2012).
ولذلك تظل هوامش الربح إحدى أكبر العقبات. ويوضح ديف برايس، نائب المسؤول الأكاديمي للبحث في كلية لندن الجامعية، أن تقرير فينش لا يقترح تنظيم رسوم المقالات، وأن غياب ذلك سيبقي أرباح الناشرين مرتفعة على حساب المال العام (جامب). وقد نبهت أيضًا ورقة استشارية لفريق الوصول المفتوح في رابطة الجامعات البحثية الأوروبية LERU إلى إمكان تكبد الجامعات تكاليف جديدة دون وفر فوري في الاشتراكات (LERU، 2012). ولا تتسق هذه الحسابات، مما يبرز الحاجة إلى وقت وتشاور وتأمل أكبر.
الإتاحة والفهم ومتطلبات الجهات الممولة:
ليس مفاجئًا أن يرتاب أكاديميون في اقتراح التقرير وضع خطة لتيسير الوصول إلى البحث. فمن منظور معين، تعالج رسوم المشاهدة التي تقارب 20 جنيهًا إسترلينيًا، أي نحو 32 دولارًا، جزءًا من المشكلة. لكن التقرير يضيف أن الفئات المتزايدة من غير المتخصصين المهتمين بنتائج البحث لم تنل الفوائد نفسها من توسع الإتاحة (فينش، 2012).
وانتقد أكاديمي من جامعة شيفيلد تحدثت إليه ذلك بقوله إنه لا يفهم أوراقًا بحثية خارج تخصصه، فما فرصة غير المتخصص، سواء كان العمل ممولًا من الجمهور أم لا؟ وأضاف أن هذا يفوّت جوهر المسألة، وأن الأدلة كما يراها توحي بأن الوصول المفتوح أفضى إلى أثر أقل لا أعلى. وبعبارة أخرى، يجب ألا تؤدي عملية الإتاحة إلى إضعاف العمل وتبسيطه تفريطًا في مضمونه. فالنشر البحثي ليس موجهًا أساسًا لفهم الجمهور العام، بل للممارسين في مجالات شديدة التخصص. وتيسير حصول الباحثين في المجال على النتائج شيء، لكن محاولة إقناع الباحثين بجعل أعمالهم أيسر فهمًا لجمهور أوسع تفقد، في رأي المؤلف، القيمة الحقيقية لنشر النتائج.
وفي قضية متصلة، ذكرت صحيفة الغارديان أن ويلكوم تراست تخطط لحجب جزء من المنح عن العلماء الذين لا يتيحون نتائجهم للجمهور بحرية، في خطوة تقوي أنصار الوصول المفتوح في العلوم. وقال روبرت كيلي، رئيس الخدمات الرقمية فيها، إن الهدف تغيير السلوك، وأن يقبل الباحثون بأن الإتاحة شرط وليست مجرد خيار إذا أخذوا تمويل ويلكوم تراست (جها، 2012).
تتفق هذه الخطوة مع ما يريده تقرير فينش، وربما تنجح، لكن بشرط التزام الجهات المانحة بتمويل الوصول المفتوح. وفي هذا الجانب يصيب التقرير، إلا أن قضايا أخرى كثيرة تعوق تحقيق عائد مؤهل على الاستثمار.
ضرورة إعادة النظر في النموذج:
يبرز نقد راينسفلدر أن على جميع الأطراف التعامل مع عدم اليقين بشأن المستقبل والتكيف مع بيئة سريعة التغير، وأن التغيرات تجبرهم على إعادة تعريف علاقاتهم أو بناء علاقات جديدة (2012). لكن مقاربة فينش لا تعالج الأطراف كلها بالقدر الكافي والمتكافئ، أي الباحثين والمكتبيين والناشرين والإداريين. وأوافق تمامًا على أن البحث يجب أن يكون مفتوحًا، وخاصة الممول من الأموال العامة، لكن إنشاء بنية رقابية لضمان الامتثال ينطوي على تكاليف كبيرة: من سيدفعها؟
ومن المفارقات أن الحكومة والجامعات قد تعوقان الوصول المفتوح حين تقللان إعانات النشر الأكاديمي أو تلغيانها، انطلاقًا من أن التنافس على المخطوطات سيخفض الأسعار، أي رسوم المؤلفين، وأن التنافس على القراء سيرفع الجودة. وربما يحتاج النموذج التنافسي نفسه إلى إعادة تقييم لضمان وصول متساو ومفتوح. ولذلك فمجرد القول بضرورة إتاحة البحث ليس إلا الخطوة الأولى.
تطور الوصول المفتوح مهم بالفعل، لكن المقاربات المقترحة لم تحسم بعد قضايا نشر البحث وتوزيعه. وقد يؤدي فرض شروط الإتاحة على البحث الممول إلى نفور الباحثين، كما لا يناقش تبعات المشاركة المالية للشركات في البحث الأكاديمي. يعالج تقرير فينش قضايا مهمة كثيرة، لكن التأمل يكشف أنه يفوّت قضايا رئيسة ينبغي مراعاتها إذا أردنا أثرًا دائمًا للوصول المفتوح في نشر البحوث عالية الجودة.
مراجع الأصل:
Finch, J. D. (2012). Accessibility, Sustainability, Excellence: How to Expand Access to Research Publications. Report of the Working Group on Expanding Access to Published Research Findings. http://www.researchinfonet.org/wp-content/uploads/2012/06/Finch-Group-report-FINAL-VERSION.pdf
Jha, A. (2012, June 28). Wellcome Trust Will Penalise Scientists Who Don’t Embrace Open Access. The Guardian. http://www.guardian.co.uk/science/2012/jun/28/wellcome-trust-scientists-open-access
Jump, P. (2012, June 28). Finch’s Open Access Cure May Be ‘Worse Than the Disease’. Times Higher Education. http://www.timeshighereducation.co.uk/story.asp?storycode=420392
LERU. (2011, June 8). Roadmap Towards Open Access. LERU Open Access Working Group Advice Paper. http://www.leru.org/files/publications/LERU_AP8_Open_Access.pdf
Reinsfelder, T. L. (2012). Open Access Publishing Practices in a Complex Environment: Conditions, Barriers, and Bases of Power. Journal of Librarianship and Scholarly Communication, 1(1), eP1029. https://doi.org/10.7710/2162-3309.1029
JISC. (2009). Research Reveals Economic Case for Open Access Publishing. http://www.jisc.ac.uk/news/stories/2009/01/houghton.aspx
U.K. Seeks Wikipedia’s Help to Post Research Online. (2012, May 6). The New York Times. http://www.nytimes.com/2012/05/07/education/uk-seeks-wikipedias-help-to-post-research-online.html
المؤلف:
فرانك س. مانيستا: مسؤول تعزيز المجتمع في MIMAS، جامعة مانشستر / الجامعة المفتوحة، بحسب بيانات الأصل.
البيانات الببليوجرافية للمقال الأصلي:
Manista, F. C. (2012). ‘Open Don’t Mean Free’: A Reflection on the Potential Advantages and Disadvantages of Publishing Research via Open Access. Journal of Librarianship and Scholarly Communication, 1(2), eP1049. https://doi.org/10.7710/2162-3309.1049
تاريخ نشر الأصل: 2012-09-28. ترجمة عربية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي ضمن استكمال أرشيف المجلة. حقوق الأصل للمؤلفين المذكورين. ترخيص النص والترجمة: المشاع الإبداعي نَسب المصنَّف (CC BY 3.0). أضيفت عناوين فرعية. حُفظت مواقف المؤلف النقدية دون تبنيها، وحُفظ اختلاف سنة إحالة LERU في المتن (2012) عنها في قائمة مراجع الأصل (2011). استُخدم معرّف المقال eP1049 الصحيح بدل خطأ التذييل في أول صفحة من الأصل.
https://creativecommons.org/licenses/by/3.0/