مقدمة:
«من دون بيانات، لست إلا شخصًا لديه رأي».
هذه كلمات دبليو إدواردز ديمنغ، رائد الضبط الإحصائي للعمليات، الذي عُدّ أحد مصادر الإلهام لما أصبح يُعرف بالمعجزة الاقتصادية اليابانية بعد الحرب، خلال الفترة من 1950 إلى 1960. والمفارقة أن الشركات الصناعية اليابانية، مثل تويوتا، كانت أكثر تقبلًا لأفكاره بكثير من جنرال موتورز وفورد.
إدارة المجتمع فن بلا شك. إنها إرشاد الآخرين، وإجراء محادثات صعبة مع من يضرون بالمجتمع، وتفاوض وتسويات، وتفاعل مع مجتمعات أخرى، وبناء صلات. وبتعبير ديان مولر من ريد هات، إنها «رعاية الحوارات».
لكنها تتعلق كذلك بالمقاييس والبيانات. فبعض المقاييس يشترك في كثير من خصائصه مع مقاييس مشروعات تطوير البرمجيات عمومًا، وبعضها الآخر يختص بإدارة المجتمع نفسه. وأرى أن تحديد ما نقيسه وكيف نقيسه ينبغي أن يلتزم خمسة مبادئ.
المبدأ الأول: أدرك أن السلوك لا ينفصل عن المقاييس التي تختار إبرازها.
نشر دان أرييلي عام 2008 كتاب «اللاعقلانية المتوقعة»، وهو أحد كتب عدة صدرت آنذاك لتعريف الجمهور بعلم النفس السلوكي والاقتصاد السلوكي. ومن عباراته اللافتة أن البشر يعدلون سلوكهم وفق المقاييس التي يُحاسبون عليها؛ فأي شيء تقيسه يدفع الفرد إلى تحسين درجته فيه، وما تقيسه هو ما ستحصل عليه.
ولا ينبغي أن يفاجئنا ذلك؛ فقد أكدت البحوث هذه النتيجة مرارًا، ويعرفها كل من لديه خبرة عملية تقريبًا، وبالتأكيد العاملون في إدارة المبيعات. إذا ربطت مكافآت مندوبي المبيعات، أو مديريهم، بالإيرادات وحدها، فسيسعون إلى تقديم أي خصومات لازمة لتعظيم الإيراد، حتى لو انهار هامش الربح. وبالمقابل، إذا أردت من فريق المبيعات الترويج لخط منتجات جديد يتطلب على الأرجح جهدًا إضافيًا، ولم تقدم حوافز خاصة، فالأرجح ألا يحدث ذلك.
وحتى لا يبدو أنني أخص المبيعات بنقد غير منصف، فهذا السلوك منتشر وصولًا إلى الرئيس التنفيذي. ويوضح أرييلي في مقال نشرته هارفارد بزنس ريفيو عام 2010 أن الرؤساء التنفيذيين يهتمون بقيمة الأسهم لأننا نقيس أداءهم بها؛ وإذا أردنا تغيير ما يهتمون به، فعلينا تغيير ما نقيسه. والمطورون وسائر أعضاء المجتمعات ليسوا محصنين ضد هذا التأثير.
المبدأ الثاني: اختر مقاييس ذات صلة فعلية.
تنتشر تصورات شائعة عما يُعد مهمًا وذا صلة، لكنها ليست صحيحة بالضرورة. ويقدم زميلي ديف نيري مثالًا من البيسبول: في أواخر التسعينيات، كان المقياسان الرئيسان لمهارة الضارب هما عدد الأشواط الناتجة عن ضرباته، ومتوسط الضرب، أي عدد مرات وصوله إلى القاعدة بضربة مقسومًا على عدد فرص الضرب. وكان فريق أوكلاند أثليتيكس أول فريق في الدوري الرئيسي يستقطب اللاعبين على أساس مقياس مختلف هو نسبة الوصول إلى القاعدة؛ وهو يقيس عدد مرات الوصول إلى القاعدة الأولى بصرف النظر عن الطريقة.
ويُتحدث كثيرًا عن ثورة التحليل الإحصائي للبيسبول، التي أشاعها كتاب مايكل لويس «موني بول»، باعتبارها إدخالًا للبيانات إلى مجال اعتمد تاريخيًا على الحدس والخبرة الشخصية. لكنها كانت أيضًا إعادة نظر في لعبة شديدة الاهتمام بالأرقام أصلًا، واستحداث مقاييس من بيانات موجودة في معظمها لتقدير قيمة اللاعب بصورة أفضل. أما ثورة البيانات الرياضية الجارية اليوم فتركز أكثر على جمع كميات أكبر كثيرًا من البيانات باستخدام الفيديو ووسائل أخرى.
المبدأ الثالث: الكثرة لا تؤدي بالضرورة إلى الجودة.
وبالتالي، فإن جمع الكثير من البيانات الجانبية السهلة الالتقاط ليس أفضل من اختيار مقاييس قليلة ثبتت فائدتها. ففي عالم يمكن فيه تتبع السلوك على الإنترنت بتفصيل بالغ وعرضه في لوحات ملونة، يسهل الانشغال بحجم البيانات وحده، حتى حين لا يقدم فهمًا عميقًا لصحة المجتمع ومساره.
قد يبدو هذا بديهيًا: لماذا نقيس شيئًا لا صلة له؟ لكن المقاييس تُختار عمليًا، في أحيان كثيرة، لسهولة قياسها، لا لفائدتها. وتميل إلى قياس المدخلات أكثر من المخرجات: عدد المطورين، وعدد مشاركات المنتديات، وعدد عمليات إيداع الشفرة. وتسمى هذه عادة «مقاييس التباهي». وهي شائعة، لكن معظم المعنيين بإدارة المجتمعات لا يرون فيها قيمة كبيرة.
وقد يكون عدد التنزيلات أسوأها. فهو يدل، على مستوى ما، على الاهتمام بالمشروع، وهذه دلالة لها قدر من القيمة. لكنه بعيد بما يكفي عن الاستخدام الفعلي، فضلًا عن الانخراط العميق في المشروع، بحيث يصعب اعتباره رقمًا بالغ الفائدة.
هل تضر هذه المقاييس؟ نعم، بقدر ما تبدأ في اتخاذها أساسًا للعمل. ولعل الأخطر أن أصحاب المصلحة، مثل إدارة الشركة أو مراقبي القطاع، قد يعدونها مؤشرات ذات معنى على صحة المشروع.
المبدأ الرابع: افهم ما تعنيه القياسات فعلًا وعلاقتها بعضها ببعض.
يحذر نيري من قصر النظر بمثال من أحد المشروعات التي عمل فيها. فقد أقلق بعض المشاركين ارتفاع مفاجئ في عدد بلاغات الأخطاء، إذ بدا أن المشروع يعاني مشكلات خطيرة في الجودة. لكن فحص الأرقام أظهر أن كثيرًا من البلاغات جاء بعد أن بدأت شركة كبيرة استخدام المشروع. وهكذا كان ارتفاع البلاغات مؤشرًا غير مباشر على تدفق عدد كبير من المستخدمين الجدد، وهو أمر إيجابي.
نحتاج عمليًا في أحيان كثيرة إلى القياس بمؤشرات بديلة. وليس ذلك مشكلة في ذاته، لكن كلما ابتعد ما نقيسه فعلًا عما نريد قياسه، صعب الربط بينهما. لا بأس بتتبع التقدم في إغلاق بلاغات الأخطاء، وكتابة الشفرة، وإضافة الخصائص. لكنها لا ترتبط بالضرورة برضا المستخدمين أو بنجاح المشروع في التقدم نحو أهدافه البعيدة، أيًا كانت.
المبدأ الخامس: للقياسات المختلفة أغراض مختلفة.
قد تكون بعض القياسات غير بديهية لكنها مفيدة لتتبع نجاح المشروع والمجتمع قياسًا إلى الأهداف الداخلية. وقد يصلح بعضها الآخر أكثر لبيان صحفي أو عرض خارجي. فبصفتك مدير مجتمع، قد تهتم حقًا بعدد اللقاءات وجلسات الإرشاد والإحاطات الافتراضية التي نظمها مجتمعك خلال الأشهر الثلاثة الماضية، بينما يرجح أن يتصدر عدد المساهمات والمساهمين العناوين. وقد تهتم بهذه الأعداد أيضًا، لكن ربما بدرجة أقل تبعًا لأولوياتك الحالية.
وقد ترتبط قياسات أخرى بأهداف الجهات الراعية. فالمقاييس الأهم للمشروعات المرتبطة بمنتجات تجارية يرجح أن تختلف عن مقاييس الجهود المجتمعية الخالصة. ولأن المجتمعات والأهداف تختلف، لا يمكن ببساطة إعداد قائمة موحدة للمقاييس، لكن الأفكار الآتية تستحق التفكير.
انظر إلى المقاييس النوعية إلى جانب الكمية. فقد تستغرق الاستبانات والدراسات وقتًا، ولا سيما إذا كانت صارمة بما يكفي لإنتاج بيانات تتجاوز الانطباعات الفردية. كما يتطلب تصميم دراسات تتيح تتبع التغير بمرور الزمن انضباطًا منهجيًا. فقياس النشاط الكمي للمساهمين أسهل كثيرًا من معرفة ما إذا كانوا اليوم أكثر رضا عن مشاركتهم مما كانوا عليه قبل سنة. لكن أهمية الثقافة لصحة المجتمع تجعل قياسها بصورة منتظمة عملًا جديرًا بالاهتمام.
اتساع المجتمع مهم لكثير من المشروعات، بما في ذلك عدد المشاركين غير المنتسبين إلى جهات تجارية. فكلما اتسعت القاعدة، زادت الإمكانات التي تتيحها عملية التطوير المفتوح المصدر. ومن المفيد أيضًا فهم كيف تسهم الشركات والأفراد. ويمكن تصميم المشروعات صراحة لتستوعب المساهمين العرضيين بصورة أفضل.
هل يستطيع المساهمون الجدد إحداث أثر، أم يُتجاهلون؟ وكم يستغرق إدماج مساهماتهم البرمجية؟ وكم يستغرق إصلاح خطأ مُبلغ عنه أو الرد عليه بطريقة أخرى؟ وإذا طرحوا سؤالًا في منتدى، فهل يجيبهم أحد؟ وبعبارة أخرى: هل تتيح للمساهمين أن يسهموا؟
والتقدم داخل المشروع مقياس مهم أيضًا. ويشرح مايكل روجرز، من مجتمع Node.js، أنهم أنشؤوا نظام دعم وتعليم ينقل المستخدم إلى المساهمة، بدءًا بمستوى متواضع جدًا، ثم يؤهله للانضمام إلى المخولين بإيداع الشفرة، ثم إلى القائمين على صيانة المشروع. والنتيجة مجموعة واسعة من المهارات؛ فبدلًا من الاقتصار على جذب مطورين استثنائيين، يصنع المجتمع مطورين استثنائيين جددًا.
وأيًا كانت المقاييس التي تختارها، فلا تنس لماذا جعلتها مقاييس أصلًا. أجد سؤالًا مفيدًا هو: ماذا سأفعل بهذا الرقم؟ إذا كانت الإجابة مجرد وضعه في تقرير أو بيان صحفي، فهي ليست إجابة جيدة. ينبغي للمقاييس أن تخبرك بأنك تسير في الاتجاه الصحيح، أو أنك تحتاج إلى إجراءات محددة لتصحيح المسار.
ولهذا تدعو ستورمي بيترز، المسؤولة عن قادة المجتمعات في ريد هات، إلى البساطة. فهي ترى أن امتلاك مقياس رئيس أو اثنين أفضل كثيرًا من الانشغال بكل المقاييس الممكنة. تستطيع جمعها جميعًا، لكن ينبغي للمشروع التركيز على تحسين مقياس واحد. كما أن مقياسًا بسيطًا يرتبط مباشرة بشيء في العالم الواقعي أفضل من معادلة معقدة أو نسبة بين أشياء متعددة. فعند اتخاذ القرارات، نريد أن يتمكن أعضاء المشروع من تقدير أثر القرارات في المقياس الرئيس بصورة حدسية، وما إذا كان هذا الأثر يسير في الاتجاه الصحيح.
المقال مقتبس بتصرف في أصله الإنجليزي من كتاب غوردون هاف «كيف التهم المصدر المفتوح البرمجيات»، الصادر عن أبريس عام 2018.
المراجع
- https://community.redhat.com/blog/2014/07/when-metrics-go-wrong/
- https://medium.com/open-source-communities/3-important-things-to-consider-when-measuring-your-success-50e21ad82858
- https://www.apress.com/us/book/9781484238936