مجلة المعلوماتية مجلة المعلوماتية
حيث تلتقي المعرفة بالتقنيةمجلة فصلية في علوم المعلومات والمكتبات والتقنية

مستقبل المكتبات بين الاستدامة والقدرة على التكيف

Resilience vs. Sustainability: The Future of Libraries

العددالعدد 38
تاريخ النشر
عدد القراءات2
اقتباس
مشاركة

الملخص:

تبحث المقالة مستقبل المكتبات في ضوء مفهوم المرونة البيئية، وتوضح كيف يساعد تنوع الخدمات واستقلال الوحدات وسرعة التغذية الراجعة والابتكار على التكيف مع التغيرات. وتربط هذه السمات بأمثلة من العمل المكتبي، مؤكدة أهمية بناء القدرة على مواجهة الاضطراب مع الحفاظ على القيم المهنية والمجتمعية.

الكلمات المفتاحية: المرونة، مستقبل المكتبات، التخطيط الاستراتيجي، إدارة التغيير، الاستدامة

محتويات المقالة
  1. الوضع القائم الجديد:
  2. عالم المكتبات المتغير:
  3. سمات المكتبة المرنة:
  4. ماذا بعد:
  5. الهوامش:
  6. المراجع:

الوضع القائم الجديد:

يساور القلق من التغيير العاملين داخل المكتبات وخارجها. ونستخدم تعبيرات مثل «التغيير الجذري» و«نقطة التحول» لوصف خشيتنا من دخول عالم لا نستطيع فيه مواصلة ما اعتدنا فعله. ويرى بعضهم أننا تجاوزنا تلك النقطة بالفعل، وأن أساليبنا القديمة في التعامل مع التغيير لم تعد مجدية. ويدعوننا إلى النظر حولنا بدلًا من النظر إلى الوراء: ما طبيعة العالم الذي نعيش فيه اليوم؟ وأين تجد المكتبات مكانها فيه، الآن وفي المستقبل؟

إليك تجربة ذهنية: اقرأ الفقرة التالية، ثم اسأل نفسك: إلى أي حد ينطبق هذا التشبيه على عالم المكتبات؟

تخيّل أنك على متن قارب راسٍ في ميناء هادئ، وتريد أن تحمل بسرعة كوبًا مملوءًا بالماء حتى حافته عبر المقصورة دون أن ينسكب. ثم تخيّل الموقف نفسه والقارب في بحر هائج. في الميناء، الحل بسيط: امشِ بسرعة، ولكن ليس بسرعة تجعل الماء ينسكب. أما في البحر، فالسرعة اعتبار ثانوي؛ إذ يصبح التحدي الحقيقي هو الحفاظ على التوازن فوق أرضية تتأرجح فجأة. والحل الآن هو أن تجد مواضع آمنة تمسك بها يداك وتثبت فيها قدماك، وأن تثني ركبتيك لتمتص تمايل القارب. في الميناء، يكون الحل مسألة تحسين بسيطة (امشِ بأقصى سرعة ممكنة، ولكن ليس بسرعة مفرطة)؛ أما في البحر فيتطلب الحل أن تعزز قدرتك على امتصاص الاضطراب، أي أن تعزز مرونتك في مواجهة الأمواج ((Reid), (W). (in Walker) & (Salt), 2006, (p). (x)).

فكرتُ في المكتبات على الفور حين قرأت هذه الفقرة، التي كُتبت لوصف مفهوم المرونة البيئية (ecological resilience). والمرونة البيئية نظرية في الاستدامة (sustainability) طُوّرت جزئيًا لوصف ما يلازم التغيرات الكبرى في الأنظمة من عدم يقين وانعدام أمان، وللتعامل معه. فماذا يعني ذلك؟ باختصار، تُقرّ المرونة بأننا نعيش في حالة تغير دائم، داخل أنظمة أكبر وأعقد وأشد ترابطًا مما ندرك. وحين نحاول التحكم في التغيير في جزء واحد من النظام، أي تحسينه بما يلائم احتياجاتنا الحالية، فإننا كثيرًا ما نُحدث آثارًا لا نستطيع التنبؤ بها.

ومرونة النظام هي «قدرته… على استيعاب الاضطرابات دون أن يتجاوز عتبة ينتقل بعدها إلى حالة مستقرة بديلة، وربما أقل "مواتاة"» (Rees, 2010, p. 32). وبالمعنى البيئي، نحن نجلس في الصف الأول أمام واحد من أكبر عروض المرونة وأبعدها أثرًا على الإطلاق: تغير المناخ. ولا يحتاج المرء إلى البحث طويلًا ليجد أدلة على مدى شمول آثار تغير المناخ وصعوبة التنبؤ بها منذ الآن. ففي مقال رأي نشرته صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) في فبراير من هذا العام، يربط بول كروغمان (Paul Krugman) بين اشتداد قسوة الطقس والاضطرابات السياسية العالمية، عبر حلقة انعدام الأمن الغذائي. وفي وقت أقرب، أشارت الصحيفة إلى أن موجات الجفاف في الجنوب الأمريكي لم تكن تُهلك المحاصيل فحسب، بل كانت تُجبر مربي الماشية أيضًا على بيع قطعانهم، مما أحدث تقلبات في أسعار لحوم الأبقار. بل إن ما هو أبعد عن التوقع أن موجات الجفاف الطويلة أدت إلى انقطاع الكهرباء في مدن تتراكم فيها الرواسب الكيميائية على أبراج الكهرباء (2011).

ومن الناحية المناخية، يبدو أننا ندخل عالمًا ذا مستويات جديدة من التقلب وعدم القابلية للتنبؤ، لن تفيد فيه نماذج الاستدامة القائمة على الحفاظ على الوضع الراهن. فالأحداث المناخية الكبرى تمسّنا ماليًا واجتماعيًا وسياسيًا، وبطرق أخرى لا نستطيع توقعها، لأنها جزء من نظام عالمي بالغ الضخامة والتعقيد إلى حد أنه يكاد يكون غير مرئي لنا.

وتخبرنا نظرية المرونة بأن الأفكار التقليدية عن الاستدامة (تقليل بصمتنا الكربونية، وإعادة التدوير، واستعادة الموائل الطبيعية) لن تضمن لنا مستقبلًا مستقرًا يمكن إدارته. بل علينا أن نتقبل واقع التغير المستقبلي المستمر وغير المتوقع، وأن نبحث عن سبل للتكيف تمكّننا من النجاة من التغيرات التي لا رجعة فيها والتي أحدثناها بالفعل.

ومرة أخرى: ما علاقة أي من هذا بالمكتبات؟

حسنًا، فضلًا عن أن المكتبات جزء صغير من الكل الأكبر الذي يتأثر بانقطاع الكهرباء والفيضانات والأعاصير، فهي أيضًا جزء من عدة أنظمة أخرى كبيرة ومعقدة. وهذه الأنظمة، أي النشر، والأوساط الأكاديمية، وقانون الملكية الفكرية، والتقنية، والاقتصاد، تمر بتغيرات كبرى تؤثر في المكتبات بطرق معقدة وغير متوقعة أحيانًا.

لا يمكننا أن نتوقع وصول الأمور في المستقبل إلى حالة مثالية ثابتة. ولهذا تنصحنا نظرية المرونة بألا نستنفد جهودنا في البحث عن طرق تتيح مواصلة «العمل كالمعتاد» وسط مستقبل غير يقيني، بل أن ندرك ما طرأ على عالمنا من تغيرات لا رجعة فيها، ونبحث عن سبل للتكيف معها.

عالم المكتبات المتغير:

بسبب خفض الميزانيات، وتغير التركيبة السكانية، وانتقال الأوعية المطبوعة المجرّبة إلى أوعية رقمية لم تُختبر بعد، وبحث صناعات الإعلام الكبرى المحموم عن مصادر دخل جديدة، وتعثر مبادرات التمويل بإصدار السندات تحت وطأة الركود، والتحديات التي يواجهها مبدأ الاستخدام العادل والحقوق المرتبطة بالبيع الأول، فإن مستقبل مكتبة القرن الحادي والعشرين أبعد ما يكون عن الاستقرار وقابلية الإدارة. لقد بدأنا نتقبل أننا لن نعود إلى عالم قائم على المطبوعات، ولا إلى عالم نستطيع فيه الاعتماد على مخصصات سنوية سخية من جامعاتنا ومن المجالس التشريعية في ولاياتنا. وبدأنا نتبنى الخدمات عبر الأجهزة المحمولة لمستفيدين لا يزوروننا شخصيًا أبدًا، ونتحمل مسؤولية أكبر عن تقنيات التعليم، والإرشاد في حقوق التأليف والنشر، والنشر العلمي.

ونحن العاملين في مهنة المكتبات نعلم أننا نعيش في عالم جديد [1]، وأن مزيدًا من التغيير يلوح في الأفق. لكن المرونة تتجاوز الإقرار بحتمية التغيرات الكبرى وصعوبة التنبؤ بها؛ فهي تعني التكيف معها بذكاء حتى نتمكن من الازدهار في عالم دائم التحول. وهنا تكمن الصعوبة، وهنا أيضًا يمكن أن نستعين بمبادئ المرونة البيئية.

سمات المكتبة المرنة:

السمات التالية مقتبسة بتصرف من كتاب ووكر (Walker) وسولت (Salt) «التفكير بالمرونة» (Resilience Thinking)، وهي تصف الخصائص الرئيسة للأنظمة الاجتماعية البيئية المرنة؛ فبما أنه لا يوجد نظام بيئي منفصل عن مكوناته البشرية، لا يمكننا أن نُغفل الاعتبارات الثقافية والاقتصادية حين نفكر في الأنظمة البيئية. وبعض هذه المقترحات يتوافق مع ما نفعله بالفعل في المكتبات، وبعضها يتعارض صراحة مع التخطيط الاستراتيجي التقليدي للتغيير.

ووفقًا لووكر وسولت، فإن العالم المرن (والمكتبة المرنة بالتبعية) يراعي طائفة واسعة من الخصائص، نوجزها فيما يلي.

التنوع: يعزز التنوع البيئي المرونة لأنه يجعل الأنظمة أقل عرضة لأي تهديد بعينه؛ فإذا انقرض نوع ما، تحركت أنواع أخرى لسد الفراغ. وفي المكتبات، قد يعني التنوع أن نقدم طائفة واسعة من الخدمات والمصادر لمستفيدينا، بحيث إذا اختفت حاجة معينة من حاجاتهم انتقلنا إلى تلبية حاجات أخرى [2]. ومن الأمثلة الكلاسيكية على ذلك: مع تراجع الإقبال على مكاتب الخدمة المرجعية الحضورية، تتجه مكتبات كثيرة إلى تقديم الخدمة المرجعية عبر المحادثة الفورية أو الأجهزة المحمولة، حيث يتزايد التفاعل.

وقد يعني تعزيز التنوع أن نستثمر في مجموعات فريدة ومتميزة بدلًا من «زراعة أحادية» للمجموعات الأساسية. ومن شأن ذلك أن يؤكد الدور المهني المتخصص للمكتبي بوصفه مطوّرًا للمجموعات، ملمًّا لا بالمتن الرئيس لمجال ما فحسب، بل أيضًا بمواده النادرة والغامضة وسريعة الزوال. وإذا جمعنا بين الالتزام بتنوع المجموعات والانتباه الدقيق لأشد ما يحتاج إليه مستفيدونا، فبإمكاننا أن ننشئ مجموعات غنية ومتميزة تعكس طابع مؤسساتنا ومجتمعاتنا، الآن وللأجيال القادمة.

التقلب: كما يشير ووكر وسولت، «التغيير في حد ذاته ليس سيئًا ولا جيدًا»؛ واليقين الوحيد هو أن التغيير سيظل ملازمًا لنا دائمًا (p. 10). ومحاولة تجميد نظام بيئي أو مؤسسة عند نقطة أقصى مكسب تؤدي عادة إلى مشكلات غير متوقعة في المستقبل. والمكتبة المرنة تكون مستعدة للتجريب كثيرًا، وتسمح بحدوث الإخفاق بوصفه جزءًا طبيعيًا من الحياة. وإذا توافرت بعض سمات المرونة الأخرى على الأقل، فلا ينبغي أن يكون أي تغيير أو عطل أو خسارة منفردة كافيًا لإسقاط النظام.

والمكتبيون المرنون يتقبلون صعود دورة الحياة المؤسسية وهبوطها على حد سواء. وقد لا نرتاح لفكرة أننا أو مؤسساتنا سنمر بأوقات عصيبة، لكن ينبغي أن ندرك أن أحدًا لا يبقى في القمة طوال الوقت. وهذا الإدراك يمكن أن يساعدنا على الحفاظ على رباطة جأشنا في أوقات التراجع، وعلى إيجاد فرص حيث قد يرى غيرنا تهديدات.

وبناء القدرة على تحمل التقلب لا يعني القبول بانحدار دائم، ولا يعني اللامبالاة المؤسسية، بل يعني النظر بعيد المدى، وتذكّر قيمنا الجوهرية، وعدم الذعر حين تشتد الأوقات.

الاستقلال النسبي للوحدات (Modularity): من الناحية البيئية، يكون النظام مكوّنًا من وحدات مستقلة نسبيًا إذا كان فيه من التقسيم الداخلي ما يكفي للسماح لجزء منه بأن يتغير أو ينهار دون أن يُسقط النظام كله. وفي الأنظمة البيئية، يكمل الاستقلال النسبي للوحدات التنوع؛ فكلاهما يقوي النظام العام بتوفير نقاط توقف طبيعية لانتشار الضرر أو المرض.

والمكتبات في الغالب مؤسسات معقدة تتألف من وحدات كثيرة مترابطة. فماذا يحدث حين تضطر إحدى هذه الوحدات إلى إعادة تأهيل جوهرية أو إلى الإلغاء؟ وكم من الوحدات الأخرى ستتأثر بالتداعيات، سواء بتحمل عبء عمل إضافي، أو بالتباطؤ بسبب الاختناقات، أو بالاضطرار إلى استعادة الخبرة والمعرفة المؤسسية المفقودة، وما إلى ذلك؟

وأحيانًا تتوقف الإجابة عن هذا السؤال على مجرد عدد الموظفين. فالمكتبات ذات الأعداد الأقل من الموظفين أشد ترابطًا بالضرورة من تلك ذات الأعداد الأكبر؛ وفي المكتبات قليلة الموظفين كثيرًا ما يضطر الأفراد إلى أداء أكثر من دور، وإلى أن ينوب بعضهم عن بعض عبر الوحدات. وإذا لم تكن هناك طريقة جيدة لجعل وحدات المكتبة أكثر استقلالًا، فقد يكون الحل الأفضل التالي هو الاعتراف بمواطن الضعف والعمل على تقوية المؤسسة في جوانب أخرى.

ومن الناحية المثالية، تتألف المكتبة المرنة من مجموعات عمل ترتبط ارتباطًا قويًا بعقدة مركزية، لكنها ترتبط فيما بينها ارتباطًا فضفاضًا؛ بحيث يكون التواصل جيدًا في المؤسسة كلها مثلًا، لكن العمل يمكن أن يستمر إذا توقفت وحدة ما أو تغيرت تغيرًا جذريًا.

الاعتراف بالمتغيرات البطيئة: من الناحية البيئية، تحدث بعض التغيرات على مدى فترة طويلة، وقد تظل غير مرئية لنا حتى تبلغ نقطة تحول أو تتجاوزها، مثل ذوبان الجليد القطبي. ومن الناحية الاقتصادية، نميل إلى تجاهل هذه الحقيقة والتركيز على ما هو آني وقصير الأمد. وغني عن القول إن ذلك قد تترتب عليه عواقب كارثية.

والمكتبة، مثل النظام البيئي، تخضع لمتغيرات بطيئة. فكلنا نرى تغيرات في التركيبة السكانية لمستفيدينا، وتحولات في توجهات مؤسساتنا الأم، وصعودًا وهبوطًا في ميزانياتنا. وكثير من القرارات التي نتخذها يأتي استجابة لهذه العوامل التي قد لا نملك عليها إلا سيطرة ضئيلة أو لا نملك أي سيطرة. لكن المرونة لا تتطلب منا التحكم في تغيرات كهذه، بل تطلب منا الاعتراف بها.

يساعدنا رصد الاتجاهات طويلة الأمد وتوثيقها على إدراك آثارها، وإيضاحها للمستفيدين والممولين، والتعلم منها والاستعداد للتغيرات المقبلة. وقد لا نستطيع فعل الكثير إزاء ركود اقتصادي طويل، لكن ذلك لا يبرر تجاهله. فإدراك التغيرات البطيئة في بيئتنا يتيح لنا أن نشرح لأنفسنا ولشركائنا ما يحدث، وأن نبني استجابتنا على فهم أوضح.

التغذية الراجعة السريعة والمباشرة: من الناحية البيئية، توفر التغذية الراجعة السريعة والمباشرة استجابات فورية للتغيرات في النظام. والتغذية الراجعة السريعة والمباشرة نقيض المتغيرات الطويلة؛ فهي تعني أن الآثار ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأسبابها، وأن العتبات واضحة. فعلى سبيل المثال، قد تتسبب الأمطار الغزيرة في فيضان في مجرى النهر الأدنى، والفيضان يحدث فورًا، لا بعد سنوات من هطول المطر. وهذا يختلف كثيرًا عن مثال ذوبان الجليد القطبي المذكور آنفًا، أو عن الأثر التراكمي لسنوات من الأمطار الحمضية على الغابات مثلًا.

والمكتبات المرنة تبني في داخلها أكبر عدد ممكن من آليات التغذية الراجعة السريعة والمباشرة. فالذين يتخذون القرارات يحتاجون إلى تلقي تغذية راجعة عن نتائج قراراتهم على الفور. فإذا ثار الطلاب احتجاجًا على تغيير في ساعات عمل المكتبة، فلا يجوز أن تُترك هذه المعلومة يعلوها الغبار، ولا أن تُتجاهل. وإذا كان خفض المجموعات يقضي على قدرة قسم أكاديمي على استقطاب أعضاء هيئة التدريس، فإن هذه المعلومة يجب أن تصل بسرعة إلى الأشخاص المعنيين. وإذا كانت معنويات وحدة ما منخفضة، أو كانت تفتقر إلى التوجيه أو الموارد، فلا بد من وجود طريقة لوصول هذه المعلومة إلى الأشخاص المعنيين عاجلًا لا آجلًا.

وفي هذا الصدد، قد تكون المكتبات الأكبر في وضع غير موات، بسبب ضخامة هيكلها الإداري. فالمؤسسات الأكبر كثيرًا ما تتطلب مستويات رأسية أكثر من الإدارة، وقد تكون العلاقات بين وحدات العمل والإداريين أعقد وأكثر تشابكًا.

ولمواجهة ذلك، قد تبني المكتبات ذات الأعداد الكبيرة من الموظفين قنوات متعددة لوصول التغذية الراجعة (بما فيها التغذية الراجعة مجهولة المصدر) إلى الأشخاص المعنيين. وقد يتحمل القادة مسؤولية جعل أنفسهم في متناول الآخرين، ومسؤولية الاطلاع على الأوضاع بأنفسهم بالتجول في الممرات، ودعوة الموظفين الآخرين لاحتساء القهوة، ودعوة الطلاب إلى المشاركة في مجموعات استشارية، أو العمل في مكتب خدمة الجمهور من حين إلى آخر. لقد تنكّر هنري الخامس (Henry V) ليسير بين جنوده قبل معركة أجينكور (Agincourt)، ويمكن لقادة المكتبات الذين يريدون إنشاء مؤسسات مرنة أن يستفيدوا من أسلوبه.

رأس المال الاجتماعي: الأنظمة البيئية لا تقوم بمعزل عن غيرها، بل تعتمد على شبكات اجتماعية فاعلة يستطيع الناس من خلالها إدراك المشكلات والاستجابة لها. ففي جوهرها، مشكلاتنا البيئية كلها مشكلات اجتماعية، وستكون حلولها اجتماعية أيضًا. فدون الثقة والتعاون والتعاطف، لن نحل أبدًا مشكلة ملوثات النفايات الإلكترونية العالمية في الريف الصيني، أو صيد الفيلة غير المشروع من أجل العاج في أفريقيا، أو السيارات الشرهة للوقود التي تخرج من خطوط التجميع في ديترويت. وقبل أن نغير العالم، علينا أن نغير طريقة تفكيرنا، ولكي نفعل ذلك، نحتاج إلى أن يهتم بعضنا ببعض بما يكفي لنجلس ونتحاور.

والأمر نفسه صحيح في المكتبات. فنحن نعمل في مؤسسات ذات طابع اجتماعي عالٍ، وكثيرًا ما نقدم خدمة مباشرة لمجتمع من المستفيدين، ونتعاون مع آخرين قد يكونون في المكتب المقابل أو في الطرف الآخر من البلاد. ونحن بارعون في تبادل المعلومات والموارد، ونعتمد على علاقاتنا الشخصية والمهنية بعضنا ببعض لنبقي أنظمتنا تعمل. وكما يستطيع أن يخبرك كل من عمل في بيئة عمل سامة، يكفي زميل مكتب واحد عنيد أو ناقم أو متنمّر لهدم المعنويات والإنتاجية.

والمكتبات المرنة تعزز بفاعلية علاقات العمل الجيدة، والتواصل الواضح، والالتزام القوي على جميع مستويات المؤسسة. ولكي نكون سريعي الاستجابة ومرنين في مواجهة التغيير الجذري، علينا أولًا أن ندرك أننا جميعًا في القارب نفسه. ورأس المال الاجتماعي من أعظم أصولنا، لأنه يجمعنا في مسعى واحد، ومعًا نستطيع دائمًا أن نفعل أكثر.

الابتكار: تخبرنا نظرية المرونة بأن الحفاظ على الوضع القائم بموارد متناقصة لن يحل مشكلاتنا البيئية. فاختيار الأكياس الورقية بدلًا من البلاستيكية عند صندوق الدفع في المتجر ليس هو الحل؛ بل الحل هو تغيير افتراضاتنا، وإحضار كيسنا القماشي الخاص حتى نتجنب هذا الاختيار تمامًا. بل يذهب بعض علماء البيئة إلى أبعد من ذلك، فيقولون إن علينا أن نبحث عن سبل للتوقف عن شراء السلع الاستهلاكية التي ينتهي بها المطاف في مكبات النفايات.

ولكي نكون مبتكرين حقًا، علينا أن نفحص افتراضاتنا وعاداتنا، بل معتقداتنا أحيانًا. وعلينا أن نرى بيئتنا بعيون واضحة، وأن نستجيب بشجاعة وإبداع، مع استعداد للإخفاق والمحاولة من جديد. وقد تكون هذه العملية غير مريحة، بل مهددة، لكنها قد تكون أيضًا مبهجة، ويمكن أن تبث حياة جديدة في إجراءات روتينية ظننا أنها منقوشة في الحجر.

ويجب على المكتبات المرنة أن تكافئ التجريب، أو على الأقل ألا تعرقله أو تعاقب عليه. وكما يكتب ووكر وسولت، «إن جرس الإنذار لدى من يفكر بمنطق المرونة هو تزايد الانشغال بالإجراءات (سياسات الشركة، والمسؤولية العامة، والامتثال، وقوانين المسؤولية التقصيرية، وغير ذلك)» (p. 147-8). والمكتبات الغارقة في التسلسل الهرمي الإداري، والممارسات الموروثة، ومواقف «هكذا وحسب»، يُستبعد أن تكون قادرة على الاستجابة للتغيرات بخفة وحيوية.

ومن المهم أن نلاحظ أن الابتكار استجابةً للتغيير يتطلب موارد، لا موارد لمرة واحدة فحسب، بل استثمارًا مستمرًا. ففي عدد يناير 2011 من مجلة (College) & (Research Libraries)، تتناول تيرا ب. جيكوبسون (Terra B. Jacobson) أحد الابتكارات المكتبية الشائعة في السنوات القليلة الماضية، وهو صفحة المكتبة على فيسبوك. وتلاحظ في خاتمتها أنه «ينبغي للمكتبيين ألا يتعلقوا كثيرًا بفيسبوك، إذ توجد دائمًا الأداة التالية أو موقع التواصل الاجتماعي التالي الذي يستخدمه الناس… وينبغي أن يكون المكتبيون مستعدين لترك عملهم الشاق وراءهم والقفز إلى الأداة التالية» (p. 88). ولكي يجرّب المكتبيون أشياء جديدة، لا يكفي أن يحظوا بدعم مؤسستهم وبالوقت والمرونة اللازمين لتوليد الأفكار، بل يجب أن تكون لديهم أيضًا الطاقة والتفاؤل والقدرة على تغيير المسار بسرعة حين تتغير الظروف.

خدمات النظام البيئي: الاقتصاد الكفء والمرن حقًا يعترف بالمنافع «غير المرئية» الكثيرة التي توفرها الأنظمة البيئية، من تنقية الهواء والماء إلى الحد من التعرية وتوفير حاجز ضد الأحداث المناخية القاسية. فالمدن تشتري بالفعل أراضي مستجمعات المياه لحماية إمداداتها المائية، وتُفرض على الشركات ضرائب بسبب تسببها في تلوث الهواء؛ وتقترح نظرية المرونة أن نمضي أبعد في هذا الاتجاه. فلو أدخلنا في الحساب التكاليف البشرية والبيئية الحقيقية للغذاء الرخيص والوقود الرخيص، لربما شهدنا تغيرات أسرع وأكثر جذرية في أنماط استهلاكنا.

والمكتبة، مثل النظام البيئي، تقدم منافع كثيرة كثيرًا ما تُعد من المسلّمات، من المساعدة في البحث عن عمل إلى الإثراء التعليمي إلى استقرار الأحياء وجودة الحياة. وإن التعبير عن هذه المنافع بوضوح، بل تقدير قيمتها بالدولار، يساعد المكتبات وغيرها على فهم مدى قيمة «الموقع البيئي» الذي تشغله المكتبة داخل الحرم الجامعي أو المجتمع. فكم سيكلف الأسر والمدن تقديم خدمات الشباب وخدمات نماء الطفولة المبكرة لو لم تقدمها المكتبة؟ وكم سيكلف الجامعات أن تقدم ما تقدمه المكتبات للطلاب من خدمات تعليمية وترفيهية وخدمات تساعدهم على التكيف مع الحياة الجامعية؟

وكما هو الحال في رصد المتغيرات البطيئة والتعبير عنها، يتطلب الاعتراف بالخدمات الكامنة أن نُحدث تحولات في طريقة تفكيرنا، وأن نتفاعل بنشاط مع أصحاب المصلحة من خارج المكتبة. وقد يبدأ المكتبيون في الحديث عن مكتباتهم بوصفها ركائز للمجتمع، ووجهات ثقافية، وشركاء تعليميين. وهذه أدوار أدتها المكتبات دائمًا، ونظرية المرونة تدعونا إلى الاعتراف بها وإبقائها حاضرة على طاولة النقاش حين نتحدث عن قيمة مؤسساتنا.

التكرار (Redundancies): تعتمد أنظمة بيئية كثيرة على التكرار لمساعدة النظام العام على الصمود أمام الصدمات. فمن الأنواع التي تنتج من الذرية أكثر بكثير مما يُتوقع أن يبقى منها على قيد الحياة، إلى الأنظمة البيئية التي تؤدي فيها أنواع متعددة الوظيفة نفسها، تقرن الأنظمة الطبيعية التكرار بالتنوع لتبقى مرنة.

وقد يبدو اقتراح ذلك أمرًا بغيضًا، لكن المؤسسات أيضًا يمكن أن تستفيد من التكرار الاستراتيجي. فمبادرة (LOCKSS) (Lots of Copies Keep Stuff Safe)، أي «النسخ الكثيرة تحفظ الأشياء آمنة»، تقر بأهمية الاحتفاظ بنسخ متعددة من المجموعات المطبوعة في مكتبات البحث الكبرى، تحديدًا من أجل توفير نسخ احتياطية في حال وقوع كارثة. والمجموعات الرقمية أيضًا يجب أن تُنسخ احتياطيًا باستمرار. ولن تعفينا حتى الحوسبة السحابية من الحاجة إلى تخزين نسخ متعددة من مواد مجموعاتنا وإدارتها.

ومع تزايد تعلم المكتبات العمل بوصفها تجمعات متعددة المؤسسات، قد يحسن بنا أن نتساءل هل سيخدمنا حقًا إلغاء كل أوجه التكرار في الوظائف. ويذكّرنا ووكر وسولت بأن «هياكل الحوكمة القائمة كليًا على التوجيه من أعلى إلى أسفل، دون أي تكرار في الأدوار، قد تكون كفئة (على المدى القصير)، لكنها تميل إلى الإخفاق حين تتغير فجأة الظروف التي نشأت في ظلها» (p. 148). وقد يحسن بقادة المكتبات أن ينظروا عن كثب في تنوع مؤسساتهم واستقلال وحداتها، وأن يتأملوا بعض سيناريوهات «ماذا لو» قبل إلغاء كل أوجه التكرار. ماذا لو أصبحت تلك الوظيفة شاغرة؟ وماذا لو واجهنا حاجة جديدة أو متزايدة؟ وما مدى السرعة والفاعلية اللتين يمكننا بهما الاستجابة لذلك السيناريو، وما مدى أهمية نجاحنا فيه؟

متعددو المهارات (Generalists): الكائنات القادرة على شغل أكثر من «موقع» بيئي واحد جزء مهم من الخليط البيئي المرن، وكثيرًا ما تكون أكثر استعدادًا للنجاة من تغير بيئتها. فمتعددو المهارات، بحكم تعريفهم، يملكون مهارات تتيح لهم تغطية جوانب كثيرة. وذئاب القيوط والصقور وحيوانات الراكون أمثلة جيدة على الأنواع المرنة التي تتكيف جيدًا مع طائفة واسعة من الموائل والأغذية وظروف العيش، والتي يمكنها التحول إلى العيش في المدن إذا تضرر موطنها الطبيعي.

وقد يمتلك المكتبيون متعددو المهارات قدرات تتيح لهم العمل في وحدات مختلفة، بل خارج المكتبة نفسها. ومع أن الدور التقليدي لاختصاصي الخدمات المرجعية العامة تعرض للانتقاد في السنوات الأخيرة، فقد لا تكمن المشكلة في اتساع نطاق تخصصه، وإنما في مدى ملاءمة مهاراته للاحتياجات الفعلية.

والزميل الذي يملك طائفة واسعة من المهارات ذات الصلة أصل ثمين لأي مؤسسة. فالمكتبي الذي يستطيع إدارة المشروعات، وإعداد أدلة البحث الأرشيفية الرقمية، والتشاور مع أعضاء هيئة التدريس، وتدقيق المحتوى لدورية علمية تنشرها المكتبة، هو في جوهره شخص يستطيع أداء أربع وظائف مختلفة. وفي مؤسسة تكون فيها هذه المهارات ذات صلة بالعمل المطلوب، قد يكون المكتبي متعدد المهارات الذي يستطيع الانتقال بين عدة أدوار، من خدمة الجمهور إلى العمل خلف الكواليس مثلًا، أكثر مرونة وقدرة على التكيف من متخصص لا يشغل إلا دورًا واحدًا.

ماذا بعد:

تطلب منا «العبارات الاستفزازية» لمنتدى تايغا لعام 2011 (2011 Taiga Provocative Statements) أن نتأمل مستقبلًا بعد خمس سنوات تنخرط فيه المكتبات في «تعاون جذري»، ويتوقف فيه المكتبيون عن بناء المجموعات، وتكون المؤسسات الأنجح فيه قد أعادت تعريف كثير من وظائفها القائمة أو معظمها أو ألغتها. ومع أن هذه التوقعات قد لا تتحقق جميعها، فإنها تشير إلى مستقبل ليس مستبعدًا تمامًا. فعبارات تايغا تدفع إلى أقصاها بعض الاتجاهات التي نراها بالفعل في عالم المكتبات، ومن الصعب تجاهلها كليًا.

وتخبرنا نظرية المرونة بأنه لا ينبغي لنا أن نتجاهل التغيرات التي نراها تحدث من حولنا، ولا تلك المقبلة في الطريق، وأنه لا ينبغي لنا أن نخشاها أيضًا. فالمبدأ الأساسي لنظرية المرونة هو أن التغيير دائم وحتمي، ومفتاح إدارته بنجاح هو الاعتراف به وبناء أنظمة مدروسة قادرة على التكيف للاستجابة له.

قد لا تكون مكتبة المستقبل مكانًا مستقرًا يمكن التنبؤ به، لكنها ينبغي أن تكون مكانًا يتسع للتنوع، والتكرار الاستراتيجي، والابتكار، والتجريب. وفوق كل شيء، ينبغي أن يتسع للاعتراف الحقيقي بقيمنا الفكرية والمجتمعية. وعلينا، بوصفنا مكتبيين وقادة مكتبات، أن نكون قادرين على التخلي عن فكرة أننا نستطيع التحكم في بيئتنا، وأن نضطلع بدلًا من ذلك بالعمل الشاق المتمثل في بناء المرونة.

وأود أن أضيف سمات أخرى إلى قائمة ووكر وسولت. فبناء مكتبات مرنة يتطلب طاقة وشجاعة، واستعدادًا لتجاوز أدوارنا التقليدية وخوض ما يصاحب إعادة تعريف أنفسنا ومؤسساتنا من مشقة وتعقيد. ويتطلب الصبر في تعاملنا بعضنا مع بعض، وفي متابعة هذا التحول. وربما يتطلب أكثر من ذلك بكثير.

لكن فكّر في الإمكانات الهائلة والقيمة الحقيقية المتجسدة على رفوف مكتباتنا وفي قاعات مطالعتنا، وعلى خوادمنا وعند مكاتب خدمتنا. واسأل نفسك: ألن يكون الأمر جديرًا بالعناء؟ أعتقد أنه سيكون كذلك.

جزيل الشكر لنيكولاس شيلر (Nicholas Schiller)، وكيم ليدر (Kim Leeder)، وإريك فرايرسون (Eric Frierson) على آرائهم في هذا المقال.

الهوامش:

[1] للاطلاع على أمثلة للتغير الذي نعيشه، يكفي أن ننظر إلى جمعيتنا المهنية؛ ففي ما يخص المكتبات الأكاديمية، تحدد وثيقة «أهم عشرة اتجاهات في المكتبات الأكاديمية لعام 2010» (2010 Top Ten Trends in Academic Libraries) قوى التغيير.

[2] من الناحية البيئية، يشير انقراض الأنواع عمومًا إلى اختلال في التوازن، وكثيرًا ما يكون اختلالًا ينبغي لنا معالجته. أما في سياق المكتبات، فإن «انقراض» حاجة معينة من حاجات المستفيدين يكون عادة أكثر تعقيدًا، وقد يوجهنا نحو مواقع خدمية جديدة علينا أن نشغلها.

المراجع:

بيانات المصدر الأصلي

Munro, K. (2011). Resilience vs. Sustainability: The Future of Libraries. In the Library with the Lead Pipe. https://www.inthelibrarywiththeleadpipe.org/2011/resilience-vs-sustainability-the-future-of-libraries/.

اقتبس هذا المقال

كارين مونرو (2012). «مستقبل المكتبات بين الاستدامة والقدرة على التكيف». مجلة المعلوماتية، العدد 38. https://informaticsjournal.net/?p=52946

مقالات ذات صلة