كيف أصبحنا مكتبيات محققات:
«مهلًا، أهذا هو الوعي المعلوماتي؟ لكنه رائع!» هكذا عبّر أحد المتخصصين في البلاغة عن دهشته وحماسه في ورشة عمل عقدناها. وأردنا أن نجيبه: «نعم!»؛ لا اعتزازًا بالعمل وحده، بل لأننا وجدنا في رد فعله ما يشبه تجربتنا. فلم يمض وقت طويل على اكتشافنا أن الوعي المعلوماتي يمكن أن يختلف عما تصورناه أول الأمر، أو عما أوحت به معايير جمعية مكتبات الكليات ومكتبات البحث (ACRL). فقد يكون أكثر حيوية واندماجًا في العمل الأكاديمي، وأوسع صلة بالتخصصات وأنماط الكتابة وأغراضها. وقد غيّر هذا الاكتشاف ممارستنا المهنية.
قبل صيفين، عكفنا على قراءة عينة من الأبحاث التي يضمها ملف الكتابة الذي يقدمه طلاب السنة الثانية في كلية كارلتون (Sophomore Writing Portfolio). وتساءلنا: هل تظهر في هذه الأبحاث دلائل على الوعي المعلوماتي؟ وإذا ظهرت، فكيف نحددها؟ لم نطّلع على خطوات إعداد الأبحاث، ولا على التعليمات التي وجّهت الطلاب؛ فلم يكن بين أيدينا سوى النصوص النهائية. ولذلك ساورنا القلق من حدود ما يمكن استنتاجه عن وعي الطلاب المعلوماتي بالاعتماد على كتاباتهم وحدها.
ومع توالي ساعات القراءة، أخذت الصورة تتضح. كنا نقول دائمًا إن الوعي المعلوماتي أوسع من مجموعة مهارات بحثية منفصلة، لكن تعليمنا كان يقتصر في الغالب على تلك المهارات (انظر (Jacobs 2008)؛ (Simmons 2005)؛ (Swanson 2004)). فكنا نساعد الطلاب على صياغة أسئلة قابلة للبحث، ووضع استراتيجيات للبحث، وتقييم المصادر وتوثيقها. ونتعاون مع أعضاء هيئة التدريس لتصميم تكليفات تدرب الطلاب على هذه الخطوات المتداخلة التي تتطلب العودة إليها مرارًا. وكانت تلك الممارسات نافعة، لكنها لم تكن سوى البداية. فقد كشف لنا فحص النصوص النهائية أن رصد المهارات البحثية باتساق أمر صعب، بينما يمكن تتبع عادات ذهنية أغنى تتصل بالوعي المعلوماتي. وهكذا أصبحنا أشبه بمحققات يعِدن بناء فهم الطلاب لدور المصادر في العمل الأكاديمي، انطلاقًا من أنماط دقيقة تتخلل كتاباتهم. وتجَمّعت هذه الأنماط في ثلاثة أبعاد: الإسناد، والتقييم، والتواصل. وصغناها في سُلّم تقدير (rubric) نستعين به على استكشاف عادات الطلاب الذهنية.
الإسناد:
فوجئنا بأننا لم نكن نستطيع حقًا تقييم مدى التزام الطلاب بإرشادات أساليب الاستشهاد (وهو من الأمور التي ظننا في البداية أنها ستكون سهلة الرصد بوجه خاص)، لأن أساليب الاستشهاد كثيرة جدًا، ولأن كثيرًا من الأساتذة يقولون لطلابهم إن «الأمر لا يهم حقًا ما دمت متسقًا». غير أننا وجدنا أننا نستطيع أن نرى مدى إحسان الطلاب في إرشاد قرائهم إلى الفروق بين أفكارهم الخاصة وأفكار الآخرين، ومدى إحسانهم في مساعدة قرائهم على فهم طبيعة مصادرهم. واتضح أن تدريس الإسناد بوصفه عادة ذهنية، لا تدريس الاستشهاد بوصفه مهارة آلية، لن يحسّن كتابة طلابنا فحسب، بل سيساعدهم أيضًا على فهم الطريقة التي تؤدي بها المصادر وظيفتها في الكتابة الأكاديمية من الأساس.
لذلك نساعد الطلاب الآن على فهم الاستشهاد بالمصادر بوصفه وسيلة لتوضيح سياق الأفكار. فكما يفهمون سياق ما يقرؤونه من خلال إحالات الباحثين، تقع عليهم مسؤولية توفير السياق نفسه لقرائهم. ويساعدهم ذلك على تحديد المصادر والإحالات اللازمة لأبحاثهم. ولتقدير ما إذا كانت معلومة ما من «المعرفة العامة»، نطلب إليهم النظر من موقع القارئ: هل سيحتاج إلى معرفة المزيد عنها؟ إن كان الجواب نعم، أضافوا إحالة تتيح له متابعة البحث. ونعامل زملاء الصف بوصفهم جماعة تشترك في البحث والتساؤل، ونطلب إلى الطلاب بناء طريقة توثيق تقدم لهذه الجماعة المعلومات المهمة دون تفاصيل زائدة، ثم نشرح كيف تؤدي أنماط التوثيق المعتمدة في تخصصاتهم الوظيفة نفسها. ويجعل التركيز على غرض الإسناد ووظيفته موضوع التوثيق أكثر حيوية، ويضع الطلاب في موقع المشاركين في إنتاج المعرفة، بدلًا من معاملتهم بوصفهم جامعي معلومات يُخشى وقوعهم في الانتحال.
التقييم:
وحين بحثنا في كيفية تقييم الطلاب مصادرهم، تكرر النمط نفسه. فلم نستطع استنتاج الكثير عن نجاحهم في الوصول إلى المصادر الأساسية، أو تجاوز البحث في قاعدة (JSTOR). لكننا استطعنا تبيّن قدرتهم على إقناع القارئ بملاءمة المصادر المختارة لأبحاثهم. وبعد أن اتضح لنا ما نبحث عنه، أمكننا تتبع العادات الفكرية نفسها في نصوص تقتصر على مصادر أولية؛ فاختيار هذه المصادر قرار فكري يقتضي المواءمة بين الدليل والفكرة المراد إثباتها. ودفعنا هذا الفهم إلى تعديل طريقة تدريسنا.
وفجأة أدركنا أننا نستطيع العمل مع أساتذة كثيرًا ما يفضّلون عدم تضمين بحث في مقرراتهم، لكنهم يريدون مع ذلك تضمينها مكوّنًا للوعي المعلوماتي. ومع هذا الإدراك، انفتحت أمامنا مساحات كاملة من المنهج الدراسي على نحو بدا مستحيلًا قبل أشهر قليلة فقط. فقد أصبح بإمكاننا العمل على نحو أوثق مع أقسام اللغات والآداب، التي تولي اهتمامًا كبيرًا لقراءة الأدب والكتابة عنه، واهتمامًا أقل بكثير بالبحث. ففي هذه المقررات «غير البحثية»، يستطيع الطلاب تحليل أدبيات ثانوية تقدّم دعاوى باستخدام أنواع مماثلة من المصادر، ليروا أي جوانب تلك المصادر مهم للباحثين المتمرسين. ونحن نعلّم الطلاب استكشاف مصادر تساعدهم على فهم مصادرهم الأولية فهمًا يكفي لرؤية ما قد يشكل سؤالًا مثيرًا للاهتمام يمكن طرحه على المصدر.
وحتى في التكليفات البحثية التقليدية، غيّرنا أسلوب التدريس عندما أدركنا أن الطلاب يفهمون البحث بوصفه جمع «كل شيء» عن الموضوع، ثم إعداد تقرير بما جمعوه. وأصبحنا نناقش قائمة المراجع بوصفها نتيجة لاختيارات فكرية تهدف إلى بناء حجة مقنعة وإسنادها بأقوى الأدلة. فقائمة المراجع تؤدي دورًا في إقناع القارئ، ولا تقتصر وظيفتها على سرد المصادر.
التواصل:
مع أن الأبعاد الثلاثة تتصل بالتواصل، فإن هذا البعد يركز تحديدًا على قدرة الطلاب على توظيف الأدلة لخدمة أغراضهم، دون أن تطغى أصوات المصادر على مسار البحث. ففي النصوص القوية، استخدم الطلاب أدلتهم مع الحفاظ على صوتهم ووضوح غايتهم. أما النصوص الأضعف، فكشفت فيها الكتابة المرقّعة [1] والإفراط في الاستشهاد عن ارتباك في فهم المصادر وأسباب الاستعانة بها. وقد بدت إحدى أهم النتائج بديهية: لا يستطيع الطلاب دمج المصادر في حججهم بفاعلية قبل أن يقرؤوها ويفهموها ويستوعبوها في تفكيرهم.
لسنا بالطبع متخصصات في موضوعات الأبحاث نفسها، لكن هذا الفهم يساعدنا على تطوير تدريس موضوعات مألوفة، مثل مراجعة الأدبيات. فقد وجدنا أن الطلاب لا يدركون دائمًا معنى «مراجعة الأدبيات»، ولا المطلوب منهم عند إعدادها. ولذلك نبدأ بشرح المفهوم وتفصيله، ونربطه بالإبداع والاختيار الفكري وأعراف التخصص. ونستخدم لذلك مقطع فيديو عن الأصالة، أو خرائط ذهنية، أو يوميات بحثية مشتركة عبر مستندات جوجل (Google Docs). ونمثل أمامهم مراجعات أدبيات ضعيفة في صورة حوار يكتفي فيه أحد المتحدثين بترديد كلام الآخر أو إعادة صياغته، وهو ما يثير ضحكهم. فالاعتراف بالأفكار المطروحة سابقًا وتلخيصها ضروري، لكن الاكتفاء بسردها لا يبني حوارًا مثمرًا، ولا عملًا أكاديميًا قويًا.
نظرة إلى المستقبل:
لقد فتحت قراءة الأبحاث والعمل مع أعضاء هيئة التدريس والطلاب بهذه الطرق الجديدة فرصًا لتعاون أكثر تكاملًا وحيوية، سواء مع أقسام لديها مناهج راسخة في الوعي المعلوماتي، أو مع أقسام لم تكن ترى عادة أن الوعي المعلوماتي وثيق الصلة بطلابها. وإذ نؤكد على مقاربة «العادات الذهنية» بدلًا من مقاربة مجموعة المهارات، فإننا نعيد رسم خريطة ممارستنا بطرق تلقى صدى أقوى لدى أعضاء هيئة التدريس والطلاب عبر التخصصات والمقررات في حرمنا الجامعي. لقد أصبح الوعي المعلوماتي الآن «وعيًا نقديًا» حقًا، يشمل «القدرة على قراءة المعلومات ذات القيمة في الأوساط الأكاديمية وتفسيرها وإنتاجها» (Elmborg 2006).
إذن، نعم، هذا هو الوعي المعلوماتي. ونعم، الوعي المعلوماتي رائع جدًا.
جزيل الشكر لزملائنا في قسم المراجع والتعليم في مكتبة غولد (Gould Library) بكلية كارلتون، الذين أنشؤوا معًا سُلّم التقدير هذا وتصميم دراسة «الوعي المعلوماتي في كتابات الطلاب» (Information Literacy in Student Writing)، والذين شكّلنا معهم الأفكار والممارسات التي نوقشت هنا. والشكر أيضًا لزميلينا في (Lead Pipe) إيلي كولير (Ellie Collier) وإريك فرايرسون (Eric Frierson)، ولستيف لوسون (Steve Lawson)، على تعليقاتهم وتعديلاتهم المفيدة.
الهوامش:
[1] تشير الكتابة المرقّعة (patch writing) إلى ممارسة جمع مقاطع حرفية من مصادر مختلفة ثم تجميعها معًا، على غرار لحاف مرقّع، بكلمات وجمل رابطة. وقد صاغت هذا المصطلح ريبيكا مور هوارد (Rebecca Moore Howard) في عملها الصادر عام 1999 «(Standing in the Shadow of Giants)».
المراجع:
- Elmborg, James. 2006. “Critical Information Literacy: Implications for Instructional Practice.” Journal of Academic Librarianship 32 (2): 192-199.
- Howard, Rebecca Moore. 1999. Standing in the Shadow of Giants: Plagiarists, Authors, Collaborators. Stamford, CT: Ablex Publishers.
- ——, Tricia Serviss, and Tanya K. Rodrigue. 2010. “Writing from sources, writing from sentences.” Writing & Pedagogy 2 (2): 177-192.
- Jacobs, H. L. M. 2008. “Information Literacy and Reflective Pedagogical Praxis.” The Journal of Academic Librarianship 34 (3) (May): 256-262.
- Simmons, Michelle Holschuh. 2005. “Librarians as Disciplinary Discourse Mediators: Using Genre Theory to Move Toward Critical Information Literacy.” portal: Libraries and the Academy 5 (3): 297-311.
- Swanson, Troy A. 2004. “A Radical Step: Implementing A Critical Information Literacy Model.” portal: Libraries and the Academy 4 (2): 259-273.