مجلة المعلوماتية مجلة المعلوماتية
حيث تلتقي المعرفة بالتقنيةمجلة فصلية في علوم المعلومات والمكتبات والتقنية

هل البحث محايد؟ النسوية ومستقبل اكتشاف المعلومات في المكتبات

العددالعدد 51
تاريخ النشر
عدد القراءات1
اقتباس
مشاركة

الملخص:

تنطلق المؤلفتان من أن المكتبات لم تكن يومًا مستودعات محايدة للمعرفة، إذ عكست نظم التصنيف وسياسات بناء المجموعات أنماط الإقصاء والتهميش القائمة في المجتمع، وتريان أن أنظمة الاكتشاف الرقمية تحمل التحيزات نفسها ما لم تتبنَّ أجندة نسوية صريحة. وتستعيران من مجال التفاعل بين الإنسان والحاسوب ست سمات للتصميم النسوي اقترحتها شاوين باردزيل، هي التعددية، والإفصاح الذاتي، والمشاركة، والبيئة، والمناصرة، والتجسد، وتطبقانها على خوارزميات البحث مثل خوارزميات غوغل، وعلى بيئة إنتاج البرمجيات مفتوحة المصدر التي يندر فيها حضور النساء، وعلى البعد العاطفي والجسدي لتجربة المستخدمين مع المجموعات الرقمية وأرشيفات الصدمة. وتقترحان سبلًا منها مدونات السلوك في المؤتمرات واختبارات الاستخدام مع مستخدمي التقنيات المساعدة، وتخلصان إلى أن بناء المجموعات وأدوات الوصول إليها فعل سياسي ينبغي أن يُمارس بوعي.

الكلمات المفتاحية: الاكتشاف في المكتبات، النسوية، التحيز في التصنيف، خوارزميات البحث، البرمجيات مفتوحة المصدر

محتويات المقالة
  1. المكتبات ليست محايدة:
  2. التعددية والإفصاح الذاتي في البحث:
  3. المشاركة والبيئة في إنتاج التقنية:
  4. المناصرة والتجسد في التفاعلات المكتبية:
  5. لا ينبغي للمكتبات أن تحاول أن تكون محايدة:
  6. المراجع:

المكتبات ليست محايدة:

على الرغم من اعتزاز كثير من المكتبات بحيادها، فإن المكتبات لم تكن قط مستودعات محايدة للمعرفة. فمكتبات البحث على وجه الخصوص عكست دائمًا أوجه عدم المساواة والتحيزات والمركزية العرقية واختلالات موازين القوة القائمة في المؤسسة الأكاديمية برمتها، وذلك عبر سياسات بناء المجموعات وممارسات التوظيف التي تعكس تحيزات أصحاب السلطة في مؤسسة ما. وفضلًا عن ذلك، كثيرًا ما أعادت أنشطة مكتبية يُفترض نظريًا أنها محايدة، مثل الفهرسة، إنتاجَ أنماط الإقصاء وعدم المساواة السائدة في المجتمع. فعلى سبيل المثال، توثّق هوب أولسون (Hope Olson) في كتاب «سلطة التسمية» (The Power to Name) الطرق التي عكس بها نظام ديوي العشري تاريخيًا أنماطًا لتنظيم المعرفة تبدو اليوم بالية، مثل تصنيف موضوع الحمل تحت عنوان الأمراض، وموضوع الإعدام خارج نطاق القانون (lynching) تحت عنوان إنفاذ القانون (Olson 2002). ومع أن البعد التاريخي يجعل من الأسهل أن ندرك هذه الأمثلة بوصفها حالات واضحة لاختلال موازين القوة في المجتمع وقد ظهر في الممارسة المكتبية، فقد لا يكون من السهل بالقدر نفسه أن ندرك أمثلة راهنة لممارسات يُفترض أنها محايدة في المكتبات بينما هي في الواقع تُديم اختلالات مماثلة في موازين القوة.

وعلى من يُنشئون منا البرمجيات المكتبية ويبنون المكتبات الرقمية أن يعالجوا هذه المسألة أيضًا. فكما تحمل نظم التصنيف التي أنشأتها المكتبات هالة «الحياد» وتحجب التحيز الذي ينعكس فيها، يُفترض كذلك في الأنظمة الرقمية التي تقدمها المكتبات لمستخدميها، بحكم وجودها داخل مكتبة، أنها انعكاس «محايد» للمعرفة الموضوعية. غير أن هذا الحياد، كما هي الحال مع نظم التصنيف، وهم. ونرى في هذه الورقة بأنه من دون أجندة نسوية صريحة، ستستمر عمليات الإقصاء والتهميش ذاتها التي أثرت دائمًا في المكتبات – ومن ثم في الإنتاج العلمي – في الظهور في بيئات مكتباتنا الرقمية والاكتشاف (discovery) عبر الإنترنت.

ونعرّف الاكتشاف في المكتبات بأنه مجموعة الإمكانات التي يبحث المستخدمون من خلالها عن مصادر المعلومات التي يحتاجون إليها، ويستكشفونها، ويعثرون عليها، ويتفاعلون معها، ولا سيما المجموعات التي تقتنيها المكتبة. ولأغراض هذه الورقة، سنركز على الأنظمة الرقمية للاكتشاف في المكتبات، مثل خوارزميات البحث، والبرمجيات المكتبية، والمجموعات المتاحة عبر الإنترنت. ونستعير في تحليلنا من مجال التفاعل بين الإنسان والحاسوب (Human Computer Interaction, HCI) ومن ورقة شاوين باردزيل (Shaowen Bardzell) «التفاعل النسوي بين الإنسان والحاسوب: مراجعة للمنجز ورسم مسار للتصميم» (Feminist HCI: Taking Stock and Outlining an Agenda for Design) (Bardzell 2010). وتعرض باردزيل بعض خصائص التفاعل النسوي مع البرمجيات، وتحددها في: التعددية، والإفصاح الذاتي، والمشاركة، والبيئة، والمناصرة، والتجسد. ونأمل، بفحص هذه السمات في سياق الاكتشاف في المكتبات، أن نشجع على تطوير أنظمة للاكتشاف في المكتبات تقاوم أنماط المحو والإقصاء والتهميش.

التعددية والإفصاح الذاتي في البحث:

تبحث باردزيل في «التفاعل النسوي بين الإنسان والحاسوب» كيف تثري النظرية النسوية هذا المجال، وترى أن مجموعة من السمات تميز هذا التوجه في التصميم. فكيف يمكن أن تبدو خدمات اكتشاف المعلومات في المكتبات إذا اتسمت بهذه السمات؟ وكيف نصممها لتحقيق ذلك؟

يمكننا، على سبيل المثال، أن نستدعي الخطاب النسوي في نقدنا لتقنيات البحث، وأن نطالب بأن تُعلي حلول البحث التي نستخدمها من شأن التعددية والإفصاح الذاتي. فبحسب باردزيل، «تشير سمة التعددية إلى منتجات التصميم التي تقاوم أي وجهة نظر واحدة أو شمولية أو كونية» (ص 1305)، وتشير سمة الإفصاح الذاتي إلى المدى الذي تجعل فيه البرمجيات الافتراضاتِ التي تبنيها عن مستخدميها مرئية (ص 1307).

ولكي توفر برمجيات البحث تفاعلًا نسويًا، يتعين عليها أن تُعنى عناية خاصة بالتعددية والإفصاح الذاتي، لأنها تتعامل مع مسائل الصلة والأهمية. فوجهة النظر الواحدة أو الشمولية أو الكونية في الإجابة عن السؤالين «ما الوثيق الصلة؟» و«ما المهم؟» يُرجَّح أن تعيد إنتاج الأنماط القائمة للإقصاء والتهميش في المجتمع. ولسوء الحظ، لدينا شيء قريب جدًا من وجهة النظر الواحدة بشأن مسألة الصلة والأهمية، متمثلًا في خوارزميات البحث في غوغل. ومع أن خوارزميات البحث الدقيقة في غوغل أسرار تجارية وتتغير بمرور الوقت، فإننا نعلم أنها تقوم على خوارزمية مسجلة ببراءة اختراع ومنشورة تُدعى (PageRank)، وأنها تعمل بتعريف الصلة والأهمية من خلال النظر في الصفحات الأكثر تلقيًا للروابط على الإنترنت في موضوع معين (رابط المصدر). وهذا يُنتج تعريفًا للصلة يقوم على حكم الأغلبية ويظهر بمظهر الحياد.

ومفهوم الصلة المحايدة تناقض في ذاته، ومع ذلك فإن الحياد كثيرًا ما يكون هو المنشود في تصميم خوارزميات البحث. ففي دعوى حديثة لمكافحة الاحتكار رُفعت ضد غوغل، طالبت محركات بحث منافسة بأن تستخدم غوغل خوارزميات بحث «محايدة» وأن تعرض نتائج البحث بطريقة «محايدة». ولا حاجة إلى استدعاء النظرية النسوية لإدراك مدى خلو هذا المطلب من المعنى؛ فمجلة فوربس (Forbes)، وهي بالكاد معقل للفكر النسوي، وصفت مفهوم محرك البحث المحايد بأنه «غير متماسك» (Ammori and Pelican, 2012).

وفي مقال «صلات ضائعة: ما تقوله محركات البحث عن النساء» (Missed Connections: What Search Engines Say About Women)، توضح صفية أوموجا نوبل (Safiya Umoja Noble) بعض المشكلات في الصلة القائمة على الإجماع لدى غوغل. فهي تصف تمرينًا تطلب فيه من طلابها في الجامعة أن يتخيلوا أنفسهم عمة أو أمًا أو مرشدة أو صديقة أمريكية من أصل أفريقي تحاول مساعدة شابات من ثقافات متعددة على تعلم استخدام الإنترنت. وتسألهم عمّا سيبحثون عنه للعثور على محتوى قد يهم الفتيات السوداوات الصغيرات، وعن استراتيجيات البحث التي قد يتبعونها للتعرف إلى إنجازات السود وهوياتهم وتقاليدهم الفكرية:

لا بد أن يتطوع أحدهم فيتقدم ويفتح صفحة بحث فارغة في غوغل – بوابة إلى ما يبدو بحرًا لا قاع له من المعلومات عبر الإنترنت – بنية العثور على معلومات دقيقة وحديثة لا يسهل العثور عليها من دون بطاقة مكتبة أو معلم متبصر وواسع الاطلاع.

في الفصل الدراسي الماضي، كان (SugaryBlackPussy.com) النتيجة الأولى. وأيًا كانت السنة أو الصف الذي ينتمي إليه الطلاب، فإنهم ينظرون إليّ دائمًا غير مصدقين حين يُسفر بحثهم عن هذه النتيجة. يتساءلون إن كانوا قد أخطؤوا في شيء. يتحققون مرة أخرى. يجربون وضع علامات تنصيص حول مصطلحات البحث. يتأكدون من أن الحاسوب ليس مسجلًا الدخول إلى (Gmail)، كما لو أن من بحثوا سابقًا عن مواد إباحية قد يؤثرون في النتائج. إنهم لا يفهمون.

وتلخص نوبل ذلك بقولها: «جرّبوا البحث في غوغل عن كل صيغة يمكنكم التفكير فيها لهويات النساء والفتيات، وسترون كثيرًا من الطرق التي قوّضت بها المصالح التجارية نطاقًا متنوعًا (أو واقعيًا) من التمثيلات» (Noble 2013).

ويبرهن تمرين نوبل الصفي على أن خوارزميات البحث في غوغل تُخفق في معيارنا للتعددية – لأنها تمثل وجهة نظر واحدة قائمة على حكم الأغلبية وتظهر بمظهر الحياد – وفي معيارنا للإفصاح الذاتي – لأن النظام لا يجعل مرئيًا المدى الذي صُمم به من أجل «مستخدم مثالي».

وحريّ بالمكتبات أن تضع هذه الدروس نصب أعينها ونحن نتبنى تقنيات جديدة مثل البيانات المترابطة (linked data)، التي تحمل وعودًا كبيرة بكسر قبضة نظم التصنيف الجامدة، لكنها تتبنى كثيرًا من الافتراضات نفسها التي تتبناها خوارزميات غوغل – وتحديدًا أن العبارات الأكثر تكرارًا في التأكيد لا بد أن تكون الأصدق. وينبغي للمكتبات أيضًا أن تطرح هذه الأسئلة على أنظمة البحث في مقالات الدوريات لدينا. فإلى أن يُسمح لنا ولمستخدمينا بالتنقيب في محتوى الدوريات العلمية وتكشيفه بأنفسنا، سنظل نعتمد على الناشرين التجاريين في تحديد الأهمية والصلة نيابة عنا.

المشاركة والبيئة في إنتاج التقنية:

تدعو سمة البيئة لدى باردزيل في تصميم التفاعل النسوي إلى الوعي بأوسع سياقات الآثار وبأوسع نطاق من الجهات المعنية عند النظر في التصميم (ص 1307). وتشير سمة المشاركة إلى تقدير العمليات التشاركية في العمل الإبداعي (ص 1306). وفي إنشاء أنظمة المكتبات الرقمية، قد يسأل المرء عن الأشخاص الذين يبنون هذه الأنظمة وعن البيئات التي تُنتَج فيها البرمجيات، بوصف ذلك جزءًا من بيئة البرمجيات. وبالمثل، قد يسأل المرء عن الأساليب المستخدمة في إنشاء البرمجيات ومدى كونها تشاركية أو شاملة.

وبعبارة أكثر صراحة، حين تُنشأ البرمجيات في بيئات معادية للنساء والملونين والفئات الأخرى غير الممثلة تمثيلًا كافيًا، تنتج أنواع كثيرة من الإجحاف. ففي الوقت الحالي، تُبنى غالبية برمجيات المكتبات الرقمية بأدوات برمجية مفتوحة المصدر؛ بل إن أنظمة المكتبات الرقمية التجارية أو المستضافة تُبنى هي أيضًا بمكونات مفتوحة المصدر، مما يتطلب من كل من يريد المساعدة في بنائها أن يشارك في عالم البرمجيات مفتوحة المصدر. ولهذا انعكاسات إيجابية كثيرة على إنتاج برمجيات قادرة على التفاعل النسوي، إذ تقوم حركة البرمجيات مفتوحة المصدر على فكرة أن الشيفرة البرمجية ينبغي أن تُتشارك بحرية، وأن من حق الجميع أن يفهموا كيف تعمل البرمجيات.

غير أن يشهد مجتمع البرمجيات مفتوحة المصدر أيضًا ممارسات تمييز ضد النساء، كما توثق ذلك تغريدات كثير من مهندسات البرمجيات، وأوراق أكاديمية مثل «حر بمعنى متحيز جنسيًا: الثقافة الحرة والفجوة بين الجنسين» (Free as in Sexist: Free Culture and the Gender Gap) لجوزيف ريغل (Joseph Reagle). فقد حلل ريغل ستة أعوام من الخطاب المتعلق بالنوع الاجتماعي والتمييز ضد النساء داخل مجتمعات الثقافة الحرة. وعلى الرغم من محاولات كثيرة بذلتها النساء في تلك المجتمعات لرفع الوعي بكراهية النساء التي واجهنها، وجد ريغل مع ذلك أن كثيرًا من المجتمعات تبرر ضعف مشاركة النساء بأنه مسألة اختيار منهن، وهو جزئيًا نتيجة لسردية ضارة عن «رجال متحمسين للتقنية ونساء يخشينها»، وهي سردية موثقة جيدًا في كتب مثل «جعل التقنية ذكورية» (Making Technology Masculine) لروث أولدنزيل (Ruth Oldenziel). وإدامة هذه السردية تجعل إقصاء النساء يبدو طبيعيًا ومتوقعًا، ومن ثم مشكلة لا تستحق المعالجة (Oldenziel, 2004).

وهذا المناخ جزء من السبب في أن نحو 2 في المئة فقط من مطوري البرمجيات مفتوحة المصدر من النساء (Nafus, Krieger and Leach, 2006)، وهو لا يتوافق مع فكرة مستقبل نسوي لبرمجيات الاكتشاف في المكتبات، لأنه إما يمنع النساء من تولي وظائف تطوير البرمجيات، وإما يرغمهن على العمل في بيئات معادية. وخلافًا لمعارك أخرى ضد التحرش، ليس للإنترنت إدارة موارد بشرية تتدخل.

وهذا تحدٍّ أخلاقي مستمر أمام المكتبات. فمع تحويل ممارستنا نحو المجموعات الرقمية، صار مزيد من الوظائف المكتبية – وكثير من أعلى الوظائف المكتبية أجرًا – في مجال البرمجيات المكتبية، وهو ما يتطلب الانخراط في مجتمعات المصدر المفتوح. ومن الاستراتيجيات التي تجعل هذه الوظائف أيسر منالًا جهودٌ لتعزيز انخراط الفئات غير الممثلة تمثيلًا كافيًا، مثل برامج التدريب الموجهة إلى النساء والأقليات على أساس الهوية الجندرية. غير أن الجهود التي تركز حصرًا على استقطاب الفئات غير الممثلة تمثيلًا كافيًا إلى العمل التقني تعزز السردية القائلة إن هذه الفئات لا تهتم بالتقنية بطبيعتها ويجب إقناعها بالمشاركة. والأهم أن هذه الجهود لا تعالج التحرش، ولا تعالج مسألة أعضاء المجتمع الموهوبين الذين تطردهم البيئات المعادية من العمل التقني كل عام (Melymuka, 2008; Wu, 2014).

ومن أفضل الأفكار في التصدي للتمييز ضد النساء في مجتمعات البرمجيات مفتوحة المصدر ما يأتي من مبادرة آدا (Ada Initiative)، وهي منظمة نسوية مكرسة لدعم النساء في مجتمعات التقنية والثقافة المفتوحتين. ومن توصيات المبادرة تشجيع مجتمعات البرمجيات والمؤتمرات على اعتماد مدونات سلوك (Codes of Conduct) (Ada Initiative, 2015). وما كان يومًا مسعى مثيرًا للجدل أصبح ممارسة فضلى مقبولة على نطاق واسع في عالم البرمجيات مفتوحة المصدر، وعلى نحو متزايد بين المؤتمرات المكتبية. ففي عام 2013، أصبحت مكتبة جامعة ستانفورد (Stanford University Library) أول جهة توظيف تشجع موظفيها على ألا يحضروا إلا المؤتمرات التي لديها مدونة سلوك، وعلى حث المؤتمرات التي ليس لديها مدونة سلوك على اعتماد واحدة (Keller, 2013). وتأمل المؤلفتان أن يكون هذا اتجاهًا متناميًا، في الوقت الذي تتحمل فيه المكتبات وجهات التوظيف الأخرى مسؤوليتها عن إيجاد بيئة عمل آمنة لموظفيها، حتى حين تمتد بيئة العمل تلك إلى ما وراء جدران المؤسسة.

المناصرة والتجسد في التفاعلات المكتبية:

تعني سمة التجسد لدى باردزيل تركيز الانتباه على أجساد المستخدمين وعواطفهم ودوافعهم المحرِّكة ونزعاتهم الأولية. وتسأل سمة المناصرة كيف يمكننا أن نصمم أنظمة تحسّن حياة المستخدمين من دون أن نفرض رؤية المصمم لما قد يُعدّ تحسينًا.

وقد يعني تركيز الانتباه على أجساد مستخدمينا إعطاء الأولوية لإمكانية الوصول (accessibility) في برمجياتنا، والتفكير في الطرق الكثيرة التي يمكننا بها إتاحة مصادر المكتبة لمستخدمين ذوي إعاقات متنوعة تنوعًا كبيرًا. ويمكن أن يكون إجراء اختبارات قابلية الاستخدام مع رواد يستخدمون التقنيات المساعدة أسلوبًا كاشفًا على نحو خاص، وأسلوبًا يتيح لهم أن يخبرونا بما قد يُعدّ تحسينًا.

وقد يعني التجسد أيضًا تقدير الاستجابات العاطفية لمجموعاتنا. فعلى سبيل المثال، تناقش المؤرخة ناتالي زيمون ديفيس (Natalie Zemon Davis) الصلة العاطفية الخاصة التي تشعر بها حين تلمس قطعًا مادية، مثل الكتب. فمن بين موضوعات أخرى، درست حياة طابعي القرن السادس عشر لترى ما يمكن أن تستخلصه عن التجربة اليومية لأناس (عادةً) لا توثقهم الأرشيفات. وكان من الطرق التي اتبعتها في ذلك زيارة المكتبات التي تقتني الكتب التي صنعها هؤلاء الأشخاص في القرن السادس عشر. وترى أن الإمساك الفعلي بالكتب ربطها بالأشخاص الذين كانت تدرسهم على نحو ذي معنى (CBC Radio, 2011).

ففي اندفاعنا إلى رقمنة ذلك النوع من الكتب النادرة الذي تحب ديفيس أن تلمسه، هل سألنا أنفسنا عمّا قد نفقده؟ هل ستُحدث الصور الممسوحة ضوئيًا عالية الدقة الشعور نفسه بالصلة العاطفية؟ وإذا كانت هناك استجابة عاطفية محددة تتحقق بلمس شيء لمسه أيضًا الشخص الذي تدرسه، فهل يُعد ذلك سببًا وجيهًا لإتاحة الوصول المادي إلى مجموعة ما؟ نحن نعلم أن هذه الاستجابة العاطفية موجودة لأن أشخاصًا مثل ديفيس يخبروننا بذلك طوال الوقت، لكننا كثيرًا ما نستبعدها بوصفها غير مهمة. فهل ينبغي أن نستبعدها لأنها عاطفية بطبيعتها، أم ينبغي أن نبذل جهدًا لفهمها، أملًا في استعادة ذلك الشعور في العالم الرقمي؟

ومن الإصغاء إلى مؤرخين مثل ديفيس، ومن فهمنا لعلم النفس، يتضح أن قرارات التصميم التي تفصل البحث العلمي عن الاستجابة العاطفية لا تخدم مصلحة مستخدمينا على أفضل وجه. فنحن نتخذ خياراتنا باستجاباتنا العاطفية، ثم نأتي بالمبررات بعد وقوعها. ونعرف ذلك من دراسات أُجريت على أشخاص انفصلوا عن عواطفهم انفصالًا حقيقيًا على المستوى العصبي، فأصبحوا عاجزين عن اتخاذ حتى القرارات البسيطة (Damasio, 1994). ونعرف أيضًا أن الحالات العاطفية تؤثر في حل المشكلات، وأنها مرتبطة بكثير من مراكز حل المشكلات اللاواعية في الدماغ (Kahneman, 2013). وضرورة التصميم الذي يُشرك عواطفنا موثقة جيدًا في أدبيات التفاعل بين الإنسان والحاسوب، ومن ذلك مثلًا كتاب دون نورمان (Don Norman) «التصميم العاطفي» (Emotional Design) (Norman, 2005).

ومن ثم يصبح الإصرار على مبادئ التفاعل النسوي بين الإنسان والحاسوب، بما في ذلك تقدير الاستجابات العاطفية للمستخدمين، ونحن نتصور مستقبل الأرشيف والتحول الرقمي، أمرًا ملحًا، ولا سيما بالنسبة إلى من يُمحَون كثيرًا من الأرشيفات الرسمية. فما الذي يتطلبه منا أن نركز على ذلك بجدية؟

يناقش منظّرو الأرشيف، مثل جاك هالبرستام (Jack Halberstam) في «فن الإخفاق الكويري» (The Queer Art of Failure)، وآن تسفتكوفيتش (Ann Cvetkovitch) في «أرشيف المشاعر» (An Archive of Feelings)، استعصاءَ الصدمة على التمثيل وطبيعةَ أرشيف الصدمة. ويتناول كلاهما محو المثلية الجنسية في الرايخ الثالث، وفي التاريخ الحديث، وفي حاضرنا، بوصفه صدمة يجب التعامل معها في الأرشيف.

وفي الوقت نفسه، فإننا نحن الذين نبني المكتبات الرقمية (التي نأمل أن يستفيد منها الباحثون في المستقبل) نصمم أرشيفات جديدة للصدمة. فالبرمجيات مفتوحة المصدر التي نبنيها تتيح الاكتشاف لمجموعات متحف ذكرى الهولوكوست في الولايات المتحدة (United States Holocaust Memorial Museum)، ولمجموعات أرشيفية في ستانفورد مثل سجلات مشروع (STOP AIDS). ولا ينبغي لأحد أن يحاول التعامل مع هذه المجموعات من دون حس بالتجسد والمناصرة. علينا أن نقاوم فكرة الباحث المجرد من الانفعال، وأمين الأرشيف المجرد من الانفعال.

لا ينبغي للمكتبات أن تحاول أن تكون محايدة:

يستطيع عمل المكتبات وأمناء المكتبات أن يفعل أكثر من مجرد دعم البحث والأجندات النسوية. فبوسعنا أن نؤدي دورًا حاسمًا في دعم قضايا الشمول والتعددية والمشاركة والشفافية. إن بناء المجموعات وتطوير أدوات الوصول إليها فعلان سياسيان بطبيعتهما؛ فنحن ننشئ مكتبة المستقبل، والأدوات والمجموعات التي ستُستخدم في إنتاج معرفة جديدة. وبوسعنا المشاركة في بناء أرشيفات البشرية واتباع أساليب جديدة تقاوم إعادة إنتاج الأنماط القائمة للإقصاء والتهميش. غير أن ذلك لن يكون ممكنًا إلا إذا تناولنا هذا العمل بوعي وبفهم لأثر قراراتنا.

المراجع:

بيانات المصدر الأصلي

Sadler, B., & Bourg, C. (2015). Feminism and the Future of Library Discovery. The Code4Lib Journal, 28. https://journal.code4lib.org/articles/10425.

اقتبس هذا المقال

بِس سادلر، كريس بورغ (2015). «هل البحث محايد؟ النسوية ومستقبل اكتشاف المعلومات في المكتبات». مجلة المعلوماتية، العدد 51. https://informaticsjournal.net/?p=53087

مقالات ذات صلة