1. مقدمة:
ما زالت الأدوات المستعملة في تقييم البحث موجهة في الغالب نحو معامل التأثير أو مؤشر (h)، كما في (Web of Science). غير أن السياسات العامة ومتطلبات التمويل تدفع الباحثين إلى فتح منشوراتهم وبياناتهم أكثر فأكثر. لكن الجهود التي يبذلها الباحثون لفتح نتائجهم ما زالت قليلة الاعتبار في تقييمهم. ومن ثم تبدو القياسات الببليومترية (bibliometrics) والعلم المفتوح (Open Science) مجالين متعارضين يصعب التوفيق بينهما. فمن جهة، لدينا مجموعة مثيرة للجدل من مؤشرات الأداء البحثي التقليدية التي ينتقدها الباحثون بانتظام (Alstete et al., 2018; Gingras, 2014). ومن جهة أخرى، لدينا العلم المفتوح، الذي يتضمن مبادئ الوصول المفتوح إلى المعرفة ومشاركتها وإتاحتها، وهي مبادئ تعارض عمليات التقييم التقليدية التي ما زالت موجهة أساسًا نحو القياسات الببليومترية (Cagan, 2013). وإذا سلّمنا بأن ثمة حاجة إلى تحول استراتيجي نحو مؤشرات أداء بحثي مفتوحة وشاملة وشفافة، فمن المفيد النظر في الوضع الراهن للمعرفة المفتوحة في دراسة حالة على المستوى الوطني.
وفي فرنسا، بدأ التفكير في رصد العلم المفتوح عام 2018، مع نشر الخطة الوطنية الأولى للعلم المفتوح. وفي أعقاب هذا الالتزام القوي، كان لا بد من وضع المؤشرات لتقييم فاعلية الخطة. وفي عام 2019، نشرت وزارة التعليم العالي والبحث والابتكار الفرنسية المرصد الفرنسي للعلم المفتوح. وقدمت هذه النسخة الأولى (Jeangirard, 2019) مؤشرات عامة عن العلم المفتوح في فرنسا: المعدل الإجمالي لانفتاح المنشورات في السنة المعنية، وتطوره بحسب السنة، ومعدل الانفتاح بحسب التخصص وبحسب الناشر.
وكانت هذه أول مرة تُطوَّر فيها أداة كهذه. وعلى حد علمنا، لم تكن أي لوحة معلومات أخرى للعلم المفتوح قد أُتيحت للمؤسسات في فرنسا.
وفي إطار استراتيجية للبيانات المفتوحة، أتاحت الوزارة جميع مجموعات البيانات المستعملة في إنشاء الرسوم البيانية، فضلًا عن الشيفرة والتوثيق اللازمين لفهم كيفية إنجاز المشروع. ولما كانت النصوص البرمجية قابلة لإعادة الاستعمال بحرية، بدا من المناسب محاولة تطبيق هذه المؤشرات على مستوى جامعة واحدة، لتقييم سياستها الخاصة في العلم المفتوح وتقديم دراسة حالة على المستوى المؤسسي تستكشف كيف يمكن قياس العلم المفتوح وفهمه وتنفيذه. وتفصّل هذه الورقة كيف صُمم مرصد لورين للعلم المفتوح ونُفذ ونُشر.
2. إنشاء مرصد محلي للعلم المفتوح:
2.1. سياق محلي مؤيد للعلم المفتوح: جامعة لورين:
جامعة لورين جامعة متعددة التخصصات، تضم 60,000 طالب ونحو 4,000 باحث في 60 مختبرًا. وهي، بوصفها مؤسسة، ملتزمة التزامًا قويًا بالعلم المفتوح. فقد أُتيح أرشيف مؤسسي، هو (HAL-UL)، إتاحة مفتوحة عام 2016. وفي عام 2018، جعلت اللجنة التوجيهية للجامعة إيداع بيانات جميع المنشورات في (HAL-UL) إلزاميًا، مع النص الكامل بالنسبة إلى المقالات.
ومنذ عام 2019، توجد لجنة توجيهية للعلم المفتوح، أهدافها تعزيز سياسة العلم المفتوح وتطويرها بين الباحثين. وانبثقت عن هذه اللجنة التوجيهية لجنتان تنفيذيتان، إحداهما مخصصة لبيانات البحث والأخرى للمنشورات المفتوحة، وتشارك فيهما المكتبات الجامعية مشاركة واسعة.
وفي جامعة لورين، تشكل المكتبات الجامعية العديدة جزءًا من إدارة مركزية مشتركة هي إدارة التوثيق (Documentation Department). وتدير إدارة التوثيق سياسة المكتبات على جميع المستويات، سواء أكانت سياسة التوثيق، أم تدريب المستخدمين، أم دعم البحث. وفي إطار سياستها لدعم البحث، أنشأت المكتبات شبكة من خمسة عشر أمين مكتبة مكلفين بمساعدة الباحثين في استعمال الأرشيف المفتوح.
وأخيرًا، تُنظم ندوات مخصصة للعلم المفتوح كل عام منذ 2018.
وبذلك اجتمع التزام سياسي قوي وموارد بشرية لصالح العلم المفتوح، غير أن آثار هذه السياسة والتقدم المحرز في العلم المفتوح في الجامعة كانت لا تزال بحاجة إلى القياس والتقدير الكمي والتفسير. وكان المرصد الوطني للعلم المفتوح الأداة المثالية لذلك.
2.2. كيف نعزل منشورات جامعة واحدة؟:
كُلّفت إدارة التوثيق، المنخرطة بقوة في كل ما يتعلق بالعلم المفتوح، بتولي قيادة تكييف مجموعات بيانات المرصد الوطني لكي يمكن تطبيقها في جامعة لورين.
ولم تكن لدى موظفي المكتبة مهارات سابقة في البرمجة؛ ومع ذلك كانت هذه المهارات أساسية لتكييف المرصد الوطني. وعُهد بالمشروع إلى أمينة مكتبة متخصصة في البيانات تعلمت لذلك لغة البرمجة (Python) وتدربت تحديدًا على تحليل البيانات لتنفيذ هذا المشروع.
وكان التحدي الأول تحديد منشورات جامعة لورين. فلبناء المرصد الفرنسي للعلم المفتوح (المشار إليه فيما يلي بالمرصد الوطني)، كانت الخطوة الأولى إنشاء قاعدة بيانات تجمع البيانات الوصفية لجميع المنشورات الفرنسية من 2013 إلى 2019. ولأن المرصد الوطني مشروع موجه نحو العلم المفتوح، لم يكن بوسعه استعمال قواعد البيانات التجارية، مثل (Web of Science). لذلك أنشأ فريق مطوري الوزارة محللات (parsers)، أي أدوات تحليل تعمل على المنشورات العلمية على الإنترنت، لتحديد الانتماءات المؤسسية الفرنسية. ولم يكن ممكنًا القيام بعمل مماثل لجامعة واحدة، لكثرة صيغ الأسماء المختلفة في الانتماءات، فكان لا بد من استراتيجية بديلة.
ولبناء مجموعة المؤسسة، كان على أمينة مكتبة البيانات أن تختار قواعد بيانات يمكن استخلاص البيانات الوصفية منها، وتشترك فيها المؤسسة، وتكون الانتماءات فيها موثوقة. وبعد عدة محاولات، وقع الاختيار على مزيج من خمسة مصادر مختلفة: (Web of Science)، و(PubMed)، والأرشيف المفتوح للجامعة (HAL-UL)، و(Lens.org)، وبيانات رسوم معالجة المقالات (article processing charges).
لماذا اختيرت قواعد البيانات هذه؟ إن (Web of Science) مرجع دولي في المنشورات العلمية. وتراقب المكتبة بانتظام منشورات الجامعة المكشفة في (Web of Science)؛ لذلك يمكننا اعتبار هذا المصدر موثوقًا. لكن (Web of Science) غير مصمم ليكون شاملًا، ولهذا كان لا بد من استكمال مجموعة البيانات هذه بمصادر أخرى.
و(PubMed) أيضًا مرجع عالمي، وعُدّت الانتماءات فيه موثوقة كذلك بعد عدة اختبارات. وكان الأرشيف المفتوح للجامعة، (HAL-UL)، بطبيعة الحال مصدرًا مهمًا أيضًا، إذ يراقب موظفو المكتبة كل إيداع ويتابعونه. ومع أن بعض المنشورات، التي يمكن العثور عليها في (Web of Science) مثلًا، غير مودعة في (HAL)، فإنه يظل مصدرًا لا غنى عنه، شأنه شأن قائمة المنشورات التي دفعت الجامعة عنها رسوم معالجة المقالات. وأخيرًا، عُدّ (Lens.org) أيضًا مصدرًا موثوقًا بعد بعض الاختبارات.
ولا تسمح مصادر البيانات هذه كلها بالاستخلاص بالصيغة نفسها. وفضلًا عن ذلك، يتاح كثير من المنشورات في عدة مصادر في الوقت نفسه، مثلًا في (Web of Science) وفي الأرشيف المفتوح للجامعة. لذلك كان من الضروري مطابقة هذه البيانات، وإزالة التكرار منها، وتوحيدها، للحصول في النهاية على قائمة موحدة.
ولغة (Python) ملائمة بوجه خاص لهذا النوع من المعالجة الآلية للملفات. وتمثلت الخطوة الأولى في كتابة شيفرة تتيح قراءة البيانات ومعالجتها وإزالة التكرار من مصادر شديدة التباين، للحصول على معرّفات (DOI) لجميع المنشورات ذات الصلة. وأتاحت لنا هذه الخطوة الأولى بناء مجموعة من نحو 20,500 منشور للمدة 2016–2020، أي نحو 4,100 منشور في السنة لـ4,000 من الأساتذة الباحثين (منهم 2,400 فقط باحثون).
وهذه الخطوة الأولى مهمة في حد ذاتها. فتقييم البحث في فرنسا يعتمد اعتمادًا كبيرًا على المنشورات المسجلة في (Web of Science)، وهو أبعد ما يكون عن الشمول. والحال أن نحو 20% من المنشورات في مجموعة البيانات غير موجودة في (Web of Science)، وهي نسبة كبيرة.
2.3. إعادة إنشاء الرسوم البيانية الوطنية بلغة (Python):
كانت الخطوة الثانية من المشروع كتابة الشيفرة لتوليد الرسوم البيانية. وقد كُتبت الرسوم البيانية للمرصد الوطني بلغة (JavaScript)، وهي لغة لم تكن لدينا فيها أي مهارات داخلية. ولهذا أُعيدت كتابة هذه الرسوم البيانية كاملة بلغة (Python).
أما النص البرمجي الذي يحدد حالة الوصول المفتوح لكل منشور فقد كتبته الوزارة. والغرض منه استعمال تطبيق (Unpaywall) الذي يستطيع، انطلاقًا من معرّف (DOI)، أن يحدد العنوان والمؤلف والتاريخ ونوع الوثيقة، وبطبيعة الحال حالة وصوله المفتوح. وأُعيد استعمال هذا النص البرمجي كما هو في مرصد لورين. كما أُعيد استعمال النص البرمجي للوزارة الذي يسند تخصصًا إلى كل منشور. وأخيرًا، كان لا بد من جمع هذه العمليات كلها في كيان واحد متماسك.
ويمكن أن يكون إنشاء مرصد للعلم المفتوح على المستوى المؤسسي موضع اهتمام كثير من الجامعات ومؤسسات البحث الأخرى في فرنسا. ولهذا بدا من المهم جدًا التفكير، منذ بداية المشروع، في كيفية إعادة استعماله. وبناءً على ذلك، اختيرت أدوات حرة لتطوير الشيفرة، هي (Gitlab) لتخزين البيانات والنصوص البرمجية، ودفاتر (Jupyter notebooks) للشيفرة نفسها.
وكانت الفكرة تقديم أداة جاهزة للاستعمال يمكن للمؤسسات الأخرى تنزيلها وإعادة استعمالها بمجرد تغيير البيانات المستخرجة من قواعد البيانات الببليوغرافية واستبدال مجموعة بيانات محلية بها.
ودفاتر (Jupyter) واجهات يمكن فيها مزج النص بالشيفرة. وهي عملية جدًا للمبتدئين في البرمجة لأنها تتيح التحقق في كل خطوة لاختبار أن الشيفرة تعمل كما هو متوقع. وهي أيضًا عملية جدًا لشرح الشيفرة للمبتدئين. إذ يمكن إضافة نصوص وصور إلى الدفاتر لجعل الشيفرة أيسر فهمًا.
وكل سطر من الشيفرة مزود بتعليق توضيحي لكي يتمكن أي شخص، حتى دون أي معرفة بالبرمجة، من فهمه وتعديل الشيفرة، مثلًا بتغيير اسم المؤسسة.
2.4. ما النتائج؟:
لننظر عن كثب في النتائج التي حُصل عليها عام 2021. كان مرصد لورين يتألف حينئذ من 8 رسوم بيانية، لكل منها غرض مختلف. وهذه الرسوم البيانية لم تعد متاحة على موقعنا، لأن النسخة الجديدة هي المعروضة. غير أنها ما زالت متاحة على الإنترنت في (HAL-UL) وفي أرشيف (Software Heritage) (Bracco, 2020).
تقدم النتائج نظرة إجمالية على سنة واحدة. وقد أُعدّت هذه النسخة من مرصد جامعة لورين في يناير 2021، لكنها تركز على سنة 2019. ففي يناير 2021، لم يكن كثير من منشورات سنة 2020 قد استوفى الشروط القانونية للإتاحة بالوصول المفتوح. إذ يسمح القانون الفرنسي من أجل جمهورية رقمية بإيداع النسخة المقبولة للنشر بعد التحكيم (post-print) في أرشيف مفتوح بعد فترة حظر (embargo) مدتها 6 أو 12 شهرًا بحسب التخصص، ما لم يأذن الناشر بإتاحتها قبل ذلك. ولذلك لم يكن مناسبًا تناول سنة 2020 في وقت مبكر كيناير 2021، وهو الاختيار نفسه الذي اتُّخذ على المستوى الوطني.
كانت جامعة لورين، في ذلك الوقت، قريبة من الاتجاه العام في فرنسا، بمعدل وصول مفتوح قريب إلى حد ما (نحو 53% مقارنة بـ56% على المستوى الوطني). وقد ارتفع معدل الوصول المفتوح إلى 66% في 2022، وهو أعلى من المستوى الوطني للمدة نفسها (62%). وتشمل أنواع الوصول المفتوح: الإتاحة عبر أرشيف مفتوح فقط، والإتاحة عبر أرشيف مفتوح ومن الناشر معًا، والإتاحة من الناشر فقط. ويتيح الحصول على قائمة المنشورات المتاحة بالوصول المفتوح من الناشر فقط، مثلًا، تنبيه المؤلفين إلى أن منشوراتهم يمكن أيضًا أرشفتها في الأرشيف المفتوح، مما يضمن تطبيق سياسات الحفظ الرقمي المناسبة.
وتكشف المقارنة بحسب التخصص مدى اختلاف العادات بين المجتمعات العلمية. فقد تصدرت الرياضيات التخصصات الأكثر تبنيًا للعلم المفتوح، بمعدل انفتاح 73.9% لمنشورات 2019. وعلى العكس، بدت الكيمياء ضعيفة الأداء نسبيًا، إذ لم تتجاوز نسبة منشوراتها المتاحة بالوصول المفتوح 43.2%. غير أن من المهم قياس التقدم الذي أحرزه هذا التخصص، وهذه إحدى مزايا هذه الأداة: ففي عام 2020، حين أُجري القياس على منشورات 2018، كان معدل الوصول المفتوح أدنى بكثير، إذ لم يتجاوز 29.7%.
وتُظهر المقارنة بحسب التخصص، مع مراعاة عدد المنشورات، هذه الفوارق بوضوح أكبر، وتكشف أيضًا محدودية التمثيل في قواعد البيانات. فالعلوم الإنسانية ضعيفة التكشيف. ولم يكن هذا التحليل الإضافي للبيانات نفسها، الذي أُجري أيضًا بالنسبة إلى الناشرين والمنصات، موجودًا في المرصد الوطني الأول. وقد قدم رؤية أكثر مباشرة للفوارق المهمة التي يمكن أن توجد بين المجتمعات العلمية من حيث العلم المفتوح، ويبرز ضعف ظهور بعض التخصصات (العلوم الإنسانية خاصة) في قواعد البيانات الأكثر استعمالًا. ويعود ضعف تمثيل العلوم الإنسانية والاجتماعية في المرصد إلى عدة أسباب. أولًا، قواعد البيانات الأكثر استعمالًا في فرنسا في هذه الميادين تسند قليلًا من معرّفات (DOI)، ونادرًا ما تتضمن بيانات انتماء موثوقة. لذلك لم يكن ممكنًا استعمالها في بناء مجموعة البيانات. كما أن المنشورات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ولا سيما الناطقة بالفرنسية، ليست بارزة كثيرًا في قواعد البيانات الببليوغرافية والببليومترية مثل (Web of Science).
وأتاحت المقارنة بحسب الناشر أو المنصة معرفة أين اختار باحثونا النشر. وهنا أيضًا ثمة فوارق قوية، مثلًا بين (MDPI)، وهو ناشر لدوريات علمية بالوصول المفتوح، منشوراته متاحة بالوصول المفتوح بنسبة 100%، ومعهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات (Institute of Electrical and Electronics Engineers)، الذي تخضع منشوراته في غالبيتها الساحقة للوصول المغلق.
وعند النظر إلى عدد المنشورات بحسب الناشر أو المنصة، يتضح حضور (Elsevier) المهيمن في الإنتاج العلمي لجامعة لورين، إذ يمثل وحده ثلث منشورات السنة.
وإضافة إلى المقارنة بين الناشرين، تتيح لنا البيانات تحديد الجهات التي ينشر لديها باحثو جامعة لورين أكثر من غيرها. ويمكن أن تساعدنا هذه المعلومات على اتخاذ قرار عند تحليل الاشتراكات: فإنهاء الاشتراك في (Elsevier)، مثلًا، ستكون له آثار من حيث الوصول إلى إنتاجنا العلمي نفسه. وضرورة إيداع المنشورات بنصها الكامل في أرشيفنا المفتوح لا تزداد إلا وضوحًا. ومع ذلك، ورغم أن الإيداع أصبح إلزاميًا عام 2018، فإن كثيرًا من مقالات باحثينا مسجلة في (HAL-UL) فقط بياناتها، دون النص الكامل.
وتُظهر المقارنة بحسب نوع المنشور بوضوح هيمنة مقالة الدورية داخل قواعد البيانات، في حين أن الأنواع الأخرى من النتاج البحثي (الكتب مثلًا) أقل بروزًا، ويمكن تفسير ذلك بعدة عوامل. فقد رأينا أن العلوم الإنسانية والاجتماعية ضعيفة التمثيل في مجموعة البيانات: وتقليديًا، ينتج الباحثون في العلوم البحتة مقالات أساسًا. وإضافة إلى ذلك، فإن الأنواع الأخرى من المنشورات (الملصقات العلمية، والكتب، والأطروحات…) أقل تزويدًا بمعرّف (DOI). وأخيرًا، يمكننا أيضًا أن نستنتج أن هيمنة مقالة الدورية نتيجة، من بين نتائج أخرى كثيرة، لسياسة التقييم الكمي للبحث: فمن المجزي أكثر أن تكون للباحث منشورات كثيرة، ولو كانت قصيرة.
وتتيح مقارنة منصات الأرشفة الذاتية تحديد المنصات التي يفضلها باحثونا. وكما على المستوى الوطني، يهيمن (HAL)، مع وجود ممارسة للإيداع في منصات متعددة.
ولفهم البيانات التي يولدها مرصد لورين للعلم المفتوح، ينبغي مراعاة بعض النقاط. فالمنشورات التي لها معرّف (DOI) هي وحدها القابلة للاستعمال، لأن (Unpaywall) يعمل على هذا المعيار. ولذلك هناك منشورات كثيرة لا تؤخذ في الحسبان. ومن الصعب تحديد النسبة المئوية للمنشورات الغائبة عن مجموعة البيانات تحديدًا دقيقًا. ومع ذلك يمكننا إعطاء تقدير تقريبي انطلاقًا من الأرشيف المفتوح (HAL-UL). ففي سنة 2016، أُدمج في مجموعة البيانات 2,951 منشورًا لها معرّف (DOI). غير أن في (HAL-UL) 6,312 منشورًا من سنة 2016. لذلك يمكننا اعتبار أن المرصد (Barometer) يعطينا اتجاهًا عامًا لتقدم الوصول المفتوح، لكنه لا يستطيع إجراء تقييم كمي دقيق للإنتاج العلمي للمؤسسة. والتحيز الآخر هو أن تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية أقل تمثيلًا في قواعد البيانات. وهذان التحيزان موجودان أيضًا في المرصد الوطني، ولذلك تظل المقارنة بين الجامعة والمرصد الوطني ذات معنى.
3. نشر الشيفرة واستخلاص النتائج:
3.1. شيفرة مفتوحة تُحسَّن بانتظام:
بحكم التزامها بالعلم المفتوح، كان من المهم جدًا لجامعة لورين أن تفتح هذه الشيفرة قدر الإمكان. وفور إطلاق الشيفرة، تواصلت معنا عدة جامعات ومؤسسات بحثية وكليات لإعادة استعمالها ببياناتها الخاصة.
ولأن الشيفرة معروضة مع ملف تعريفي (readme)، ولأن أمينة مكتبة البيانات كانت متاحة للإجابة عن الأسئلة، تمكنت مؤسسات كثيرة من إعادة استعمال الشيفرة ومشاركتها. وحتى مطلع 2022، أعادت أكثر من خمس عشرة مؤسسة فرنسية استعمال الشيفرة، ونشر معظمها نسخته الخاصة. ولم تحدث حتى الآن أي إعادة استعمال خارج فرنسا؛ لكن لأن الشيفرة قابلة للتطبيق على قواعد بيانات دولية، فيمكن أيضًا أن تعيد استعمالها مؤسسات من بلدان أخرى. ولم يحدث ذلك حتى الآن، لكن مؤسستين سويسريتين أبدتا رغبتهما في معرفة المزيد عن الشيفرة لكي تتمكنا من إعادة إنتاجها.
وأُعدت رسوم بيانية إضافية ببرنامج (Excel) وأضيفت إلى مرصد لورين للعلم المفتوح في ربيع 2021 لزيادة إتاحة المؤشرات ذات الصلة. وتركز هذه الرسوم البيانية الجديدة على تكاليف رسوم معالجة المقالات وعلى مؤشرات التدريب على العلم المفتوح، وهي بيانات خاصة بالمؤسسة بالضرورة إلى حد بعيد ولا يمكن للآخرين إعادة استعمالها.
وتُظهر البيانات زيادة كبيرة في تكاليف الوصول المفتوح بمرور الوقت.
وأخيرًا، لقياس أنشطتنا التدريبية في العلم المفتوح، أضيفت ثلاثة رسوم بيانية: تدريب طلبة الدكتوراه، والتدريب والدعم في خطة إدارة البيانات، والتدريب والدعم في استعمال الأرشيف المفتوح.
3.2. ماذا نفعل بهذه الأرقام؟:
ويمكن استخلاص بعض الدروس للمستقبل من هذه النتائج.
إن الزيادة المستمرة في معدل الوصول المفتوح إلى المنشورات ثمرة جهد متواصل يجب الحفاظ عليه: فتوعية الباحثين وتدريبهم على العلم المفتوح يتطلبان جهدًا مستدامًا وموارد بشرية. وما زال الانفتاح أبعد ما يكون عن أن يكون تلقائيًا في الإنتاج العلمي.
ويمكن أن تحظى بعض التخصصات باهتمام خاص، ولا سيما من خلال تدريب أكثر تكرارًا: فمع أن بعض المجتمعات العلمية، مثل الرياضيات، لها ممارسة طويلة في النشر بالوصول المفتوح، فإن غيرها ما زال شديد التحفظ.
ويتسق توزيع منشورات جامعة لورين بين الناشرين مع الاتجاه العالمي نحو تركز النشر، مما يستدعي تنويع جهات النشر: فثلث المقالات التي ينشرها باحثو جامعة لورين تنشرها (Elsevier).
وقد يؤدي إلغاء الاشتراك لدى الناشرين الأكثر هيمنة، ولا سيما حين يتعلق الأمر بتخصصات ذات عدد أقل من الإيداعات في الأرشيف المؤسسي، إلى انقطاع الوصول إلى منشورات باحثينا أنفسهم. وقبل نشر المرصد، كانت جامعة لورين قد اختارت إلغاء اشتراكها في (Springer) ومعهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات. ومع المرصد، يمكننا أن نرى أن هذين الناشرين ممثلان تمثيلًا واسعًا في إنتاجنا العلمي. ولذلك من الضروري تشجيع الباحثين على إيداع النص الكامل لمنشوراتهم في (HAL-UL) ليتمكن الجميع من الوصول إليه، الآن وقد أصبحنا غير مشتركين في هذه الدوريات.
ويجب أن تُسجَّل المنشورات غير الدورية على نطاق أوسع من خلال الاستعمال المنهجي لمعرّف (DOI). ولا يمكن تحقيق ذلك إلا تدريجيًا بتغيير ممارسات ناشري الكتب خاصة. وسيكون من المفيد وجود استراتيجية وطنية، بل دولية، في هذا الميدان.
ومرصد لورين للعلم المفتوح أداة تتيح للجامعة قياس تقدم الوصول المفتوح داخل إنتاجها العلمي. وهو بهذا المعنى يشكل مجموعة من المؤشرات الأصيلة المكملة للقياسات الببليومترية التقليدية. ولأنه صُمم منذ البداية أداةً يمكن للمؤسسات الأخرى إعادة استعمالها، فينبغي أن يُثرى كلما أُعيد استعماله.
وليس الغرض منه تقييم البحث، بل أن يصبح أداة تساعد المؤسسة على وضع خطة عمل فعالة للنهوض بالعلم المفتوح على المستوى المؤسسي.
3.3. مهارات جديدة في المكتبة:
يمثل هذا العمل إنجازًا مهمًا لجامعتنا. لكن بلوغه تطلّب تطوير مهارات كثيرة داخل المكتبة. فلم يشارك في المشروع إلا شخص واحد من جامعة لورين، هو أمينة مكتبة البيانات، التي لم تكن لديها مهارات سابقة في البرمجة. ولذلك كان تعلم لغة (Python)، واستعمال دفاتر (Jupyter)، والتعرف على بيئة (Git) في الوقت نفسه تحديًا. وقد درّبت نفسها عبر الإنترنت وأتيحت لها فرصة متابعة دورة تدريبية مدتها 12 ساعة في علم البيانات؛ لكن ذلك ليس شائعًا حقًا بين مهارات أمناء المكتبات. ولم يشارك موظفو تقنية المعلومات في الجامعة في المشروع، لأنه كان في البداية مجرد تجربة. وبفضل التبادل المنتظم مع فريق المرصد الوطني، رأى المشروع النور بعد ثمانية أشهر من العمل الشاق.
ولم تكن الصعوبات التي واجهناها تقنية فحسب، بل فكرية أيضًا: ما قواعد البيانات الأنسب؟ وكيف تُنشأ شيفرة مفهومة وقابلة لإعادة الاستعمال؟ وكيف تُعرض النتائج التي لم تكن، في البداية، في أفضل حالاتها؟
وكانت النسخة الأولى من مرصد لورين موضع اهتمام المكتبة وإدارة البحث (Research Department) بالدرجة الأولى. ونُشرت على نطاق واسع بين المجتمعات العلمية. غير أن التعليقات وردود الفعل جاءت في معظمها من الإدارة التنفيذية للجامعة، وبقدر أقل بكثير من العلماء أنفسهم.
4. الخاتمة: أي مستقبل لمرصد لورين للعلم المفتوح؟:
أُعيد استعمال الشيفرة على نطاق واسع، ويمكن قياس نجاحها بتزايد عدد المؤسسات التي تنشر نسختها الخاصة.
غير أنها تتطلب من جامعة لورين موارد كبيرة. فحتى مع وجود ملف تعريفي (readme) وتعليمات دقيقة، ولأن أمناء المكتبات المكلفين بهذا الموضوع لا يملكون في أغلب الأحيان مهارات في البرمجة، ما زالت هناك أسئلة كثيرة يجب الإجابة عنها. وكان لا بد من جدولة دورات تدريبية كثيرة، فضلًا عن إدخال تحسينات على الشيفرة نفسها للمؤسسات ذات قواعد البيانات المختلفة.
والنسخة التالية من المرصد الوطني للعلم المفتوح، بفضل عمل بالغ الأهمية من الفريق المكلف بتطويرها في الوزارة والتبادل المستمر مع جامعة لورين، توفر وظيفة مدمجة للحصول على رسوم بيانية على المستوى المؤسسي مباشرة. وستبسط هذه النسخة الجديدة توليد الرسوم البيانية وتقلل كثيرًا عبء العمل اللازم لإعداد مرصد محلي.
ولم تكن النسخة الأولى من مرصد لورين مرتبطة بالمرصد الوطني، وإن أُعيد استعمال بعض أجزاء شيفرة المرصد الوطني. أما النسخة الثانية فمختلفة في هذا الشأن. إذ لم يعد على المؤسسات الآن سوى جمع قوائم معرّفات (DOI) الخاصة بها (باستعمال شيفرة مرصد لورين) وإرسالها إلى الوزارة. ويمكن للوزارة عندئذ تحديث قاعدة بياناتها لإسناد كل معرّف (DOI) إلى المؤسسة الصحيحة؛ ثم يمكن لكل مؤسسة توليد الرسوم البيانية مباشرة على موقع المرصد الوطني. وهذه المنهجية مفصلة بدقة (Bracco et al., 2022). ولذلك فهي تمثل عملًا أقل للمكتبات، لأن الرسوم البيانية تُعرض بسهولة على موقع ويب، وتحسينًا للبيانات الوصفية الواردة في المرصد الوطني.
وهكذا مهّد مرصد لورين للعلم المفتوح الطريق لاستعمال واسع لهذه المؤشرات الجديدة الخاصة بالعلم المفتوح.
وبوصفها أول مؤسسة تعيد استعمال الشيفرة الوطنية، طلبت الوزارة من جامعة لورين إدارة المرصد الوطني التالي، بالتعاون مع فريقها ومع المعهد الوطني للبحث في علوم الحاسوب والأتمتة (Inria). وسيتضمن هذا المرصد الجديد، الذي سيُطوَّر بين 2021 و2023، مؤشرات عن بيانات البحث والبرمجيات أيضًا.
المراجع:
- French National Plan for Open Science: https://www.enseignementsup-recherche.gouv.fr/sites/default/files/content_migration/document/SO_A4_2018_EN_01_leger_982501.pdf
- HAL-UL: https://hal.univ-lorraine.fr/
- Alstete, J. W., Beutell, N. J., & Meyer, J. P. (Eds.). (2018). Evaluating scholarship and research impact: history, practices, and policy development. Emerald. https://doi.org/10.1108/9781787563872
- Bracco, L. (2020). Baromètre lorrain de la Science Ouverte. [Source code]. HAL-UL. https://hal.univ-lorraine.fr/hal-03450104v1
- Bracco, L., L’Hôte, A., Jeangirard, E., & Torny, D. (2022). Extending the open monitoring of open science: A new framework for the French Open Science Monitor (BSO). [Preprint]. HAL-UL. https://hal.archives-ouvertes.fr/hal-03651518
- Cagan, R. (2013). The San Francisco declaration on research assessment. Disease Models & Mechanisms, 6(4), 869–870. https://doi.org/10.1242/dmm.012955
- Gingras, Y. (2014). Les dérives de l’évaluation de la recherche. Du bon usage de la bibliométrie, Raisons d’agir.
- Jeangirard, E. (2019, June 4). Monitoring Open Access at a national level: French case study [conference presentation]. ELPUB 2019 23rd edition of the International Conference on Electronic Publishing, Marseille, France. https://dx.doi.org/10.4000/proceedings.elpub.2019.20
بيانات المصدر الأصلي
Bracco, L. (2022). Promoting Open Science through bibliometrics: a practical guide to build an open access monitor. LIBER Quarterly, 32(1). https://doi.org/10.53377/lq.11545.
اقتبس هذا المقال
لايتيسيا براكو (2023). «تعزيز العلم المفتوح بالقياسات الببليومترية: دليل عملي لبناء مرصد للوصول المفتوح». مجلة المعلوماتية، العدد 81، ص 19 - 27. https://informaticsjournal.net/?p=53215