1. مقدمة:
يتصور كثير من الناس المكتبات أماكن مليئة بالكتب وقاعات مطالعة صامتة، مع أن إعارة الكتب في المكتبات تراجعت تراجعًا حادًا خلال العقد الماضي (Cohen, 2019). فالكتب رموز واضحة للمعرفة والتعلم والفضول لدى مستخدمي المكتبات (Crema, 2022). وكما اكتشفنا خلال ورش العمل واستطلاعات وسائل التواصل الاجتماعي التي سبقت تجديد المكتبات، يذكر الطلاب الكتب دائمًا عندما يُسألون عن الشكل الذي ينبغي أن تكون عليه مكتبتهم. وفي الثقافة الأوسع، يتوافد الناس على المقاهي التي تسودها أجواء غرفة الجلوس المشتركة الدافئة، وكثيرًا ما توجد مجموعة كتب في هذه الأماكن. فضلًا عن ذلك، قد تثير مشروعات التنقية (weeding) في المكتبات الأكاديمية والعامة لإزالة الكتب المادية من مجموعاتها ردود فعل عاطفية قوية لدى المجتمع (Cohen, 2019).
ويشير ذلك كله إلى أن للكتب أهمية كبيرة لدى الناس، على الرغم من اكتمال التحول الرقمي. فالمكتبة الجامعية الحديثة تدعم دعمًا كاملًا البحث العلمي الرقمي والتعلم الرقمي. ومع ظهور الإنترنت والكتب الإلكترونية، تنبأ البعض بانقراض المكتبات في مطلع الألفية الثالثة، لكن هذه التنبؤات ثبت خطؤها (Bodnick, 2012). فعلى مدى السنوات الماضية، تطورت المكتبات من مستودعات للكتب إلى أماكن تجمع المجتمعات والكتب والأفكار. كما تقدم المكتبات البحثية خدمات جديدة مثل دعم إدارة البيانات، وتوفر أدوات مبتكرة للتعليم والتعلم (Brosz, 2022).
ومع ذلك، تواجه مكتبات كثيرة معضلة بسبب التركيز الغالب في الماضي على تخزين الكتب. فهي كثيرًا ما تدير مجموعة كبيرة من الكتب يتراكم عليها الغبار في معظمها، داخل جامعات تزداد فيها المساحة ندرة. ولا يُنصف مجرد إخراج هذه الكتب من المكتبة عبر مشروعات تنقية واسعة النطاق ثراءَ هذه المجموعات التي بناها المكتبيون بعناية على مدى عقود. وبالنسبة إلى مكتبة جامعية معاصرة، يمثل التوازن بين الحفظ الدائم والاستخدام الأمثل للمجموعة ولفضاء المكتبة في الحاضر مهمة صعبة. وتؤمن مكتبة جامعة فريه أمستردام بالأهمية البالغة لحفظ الكتب للأجيال القادمة. غير أن التركيز على حفظ المجموعة وصيانتها ينبغي ألا يعيق الاستخدام الحيوي والإبداعي لها في الحاضر.
2. مشروع (Re:Booking): رؤية جديدة لقيمة الكتب واستخدامها في الحرم الجامعي:
تتولى مكتبة جامعة (VU) رعاية مجموعة من الكتب تشغل أكثر من 30 كم من الرفوف. وعلى الرغم من قلة الضغط من قيادة الجامعة لبدء مشروعات تنقية، تريد مكتبة الجامعة التأكد من أن المجموعة تخدم الجامعة المعاصرة على أفضل وجه ممكن. فمعظم المجموعة مخزن في قاعات مخازن مغلقة ونادرًا ما يُعار، في حين يقدّر طلاب الجامعة بوضوح أن تحيط بهم الكتب. فكيف يمكننا أن نمنح مجموعات كتبنا حياة ثانية، مع صون رسالتنا في حفظ الكتب المهمة والنادرة في الوقت نفسه؟ وكيف يمكننا أن نفتح مجموعات كتبنا قدر الإمكان، فنجعل مجموعتنا تجسيدًا مرئيًا لالتزامنا بالعلم المفتوح (Open Science)؟
ولمعالجة هذه الأسئلة الصعبة، بدأنا مشروعنا التجريبي (Re:Booking)، جامعين خبرات من أقسام مختلفة في المكتبة، منها اختصاصيو المجموعات وخبراء البيانات الوصفية وإدارة المشروعات والاتصال، إلى جانب منسق الفعاليات لدينا. ويمتد المشروع ثلاث سنوات، من 2021 إلى 2023. ولكي تتمكن المكتبة من تنفيذ هذا المشروع، تقدمت بطلبات تمويل من الموارد الاستراتيجية للجامعة، وموارد العمليات التشغيلية، وجمعية (VU) (VU Society). وبلغت ميزانيتنا الإجمالية 860,550 يورو، وتقدمنا بطلبات تمويل بلغ مجموعها 522,600 يورو.
وعنوان المشروع، (Omboeken) بالهولندية، إشارة إلى المصطلح الهولندي (Omdenken)، وهو طريقة في التفكير المختلف في مشروع ما. ويجسد هذا العنوان جوهر مشروعنا الذي يهدف إلى مقاربة مجموعة الكتب غير المستخدمة في معظمها («مشكلتنا») بطرق جديدة. كما يُترجم (Re:Booking) بالهولندية إلى «عن الكتب». ونأمل أن يلهم هذا المشروع المكتبات الأخرى للاستفادة من قيمة الكتب المادية بطريقة تلائم جامعة حديثة. فإذا تجرأت المكتبات على إلقاء نظرة جديدة وغير تقليدية على مجموعات كتبها، أمكنها توظيف إمكاناتها لتطوير شراكات قوية مع الطلاب، وأن تصبح شريكًا موثوقًا ومبدعًا لمجتمعات الطلاب، وأن تجعل الحرم الجامعي مكانًا أكثر إلهامًا.
3. مشروعات التنقية التقليدية في مقابل أساليبنا في الانتقاء الإيجابي:
نُفذت مشروعات تنقية في كل مكتبة تقريبًا. والغرض من استبعاد الكتب عادةً هو إفساح المجال لعناوين جديدة أو لأماكن الدراسة. وقد صُممت قاعات التخزين في مكتبة جامعة (VU) لغرض وحيد هو تخزين الكتب، ولا يمكن استخدامها لأي شيء آخر، مما يعني أن مشروعات التنقية لدينا تكاد تكون دائمًا بمبادرة منا. ومع ذلك، نواجه المشكلات نفسها التي تواجهها معظم المكتبات، إذ تراجعت أرقام الإعارة لدينا أيضًا تراجعًا مطردًا خلال السنوات الأخيرة. ومن الحقائق المزعجة أن إحصاءات الإعارة تُظهر أن غالبية كتبنا إما أُعيرت مرة واحدة أو لم تُعر قط. وهذا ليس غريبًا في المكتبات الأكاديمية. فقد وجدت دراسة لمؤشر (SCS Monographs Index) شملت 179 مكتبة أكاديمية أمريكية تضم أكثر من 70 مليون مجلد أن 41 في المائة من الكتب، في المتوسط، لم تُعر قط منذ اقتنائها (Lugg, 2016).
غير أننا نرى أن هذه الإحصاءات لا تقدم في الحقيقة فهمًا كافيًا للقيمة الفعلية لهذه الكتب أو باستخدامها المحتمل. فكثير من الكتب يُكتشف بمصادفتها «عرضًا». ومبدأ المصادفة السعيدة (serendipity) هذا معروف جيدًا لدى المكتبيين. لكن على المكتبيين أن يهيئوا بفاعلية الظروف التي تحدث فيها هذه المصادفات السعيدة. وقد حاولنا تهيئة هذه المصادفات بطرق عدة. فخلال الفعاليات الاجتماعية، سألنا الطلاب والموظفين عن الكتب التي تثير اهتمامهم، ثم أنشأنا مكتبات موضوعية يتولى انتقاءها الطلاب والأكاديميون وموظفو المكتبة. وفي تجربتنا، يولّد أسلوب «الانتقاء الإيجابي» هذا طاقة أكبر من سؤال أعضاء هيئة التدريس عن الكتب التي ينبغي إبقاؤها وتلك التي ينبغي حذفها من المجموعة. ونتيجة لهذا الأسلوب، نشأت فرص كثيرة للمكتبة لتصبح جزءًا نابضًا بالحياة من النسيج الاجتماعي للحرم الجامعي. وقد ركز الممولون أساسًا على الجانب الاجتماعي للمشروع، ولا سيما بعد الإغلاقات المرتبطة بجائحة كوفيد-19 والرغبة في إنعاش الحياة في الحرم الجامعي.
وبدأت سلسلة الفعاليات الاجتماعية بـ«رحلة سفاري للكتب» لمجموعة من الطلاب، كانت مهمتهم العثور في مخازننا المغلقة على كتب تلفت انتباههم. وفي أثناء جمع الكتب، صادفوا عناوين ما كانوا ليبحثوا عنها بأنفسهم في الفهرس قط. وبينما كانوا يقرؤون ويكتشفون المواد في مخازننا، ضاق بهم الوقت؛ وقد فاجأنا حماسهم. ثم حدد فريقنا ما إذا كانت الكتب المختارة تتضمن كتبًا نادرة أو لا يمكن تعويضها. غير أن معظمها وُضع في مكتبات مجانية صغيرة (little free libraries) في ساحة الحرم الجامعي، صمم الطلاب بعضها بأنفسهم خلال ورشة عمل. ولما كانت هذه المكتبات الصغيرة تتيح للناس أيضًا إيداع كتب من مجموعاتهم الخاصة، فإنها توفر وسيلة حيوية وممتعة لكتب تأتي من المجتمع ومن المكتبة على السواء. ولما لم تعد المعرفة نادرة، صارت المكتبات تربط الناس بالمعلومات، بدلًا من أن تشغل موقع المزود والمدير الوحيد للمعرفة. ويتجلى ذلك على نحو ملموس في هذه المكتبات الصغيرة سهلة الوصول المنتشرة في أرجاء الحرم الجامعي.
ومن الأنشطة الاجتماعية الأخرى التي نظمناها «موعد مع كتاب مجهول» (Blind Book Date) في عيد الحب، حيث جمعنا بين الطلاب بحسب كتاب أو كاتب معين. كما تعاونّا مع طلاب ينظمون أمسيات شعرية ونوادي كتب، وعرضنا مجموعاتنا في هذه الفعاليات. وبالتعاون مع الجمعيات الطلابية في العلوم الإنسانية، نظمنا «ليلة في المكتبة» في ديسمبر 2022، وهي ليلة حافلة بالفعاليات وحفل «ديسكو صامت» في المكتبة. وقد أتاحت لنا هذه الشراكات المثمرة، التي أدى فيها فريق المشروع دور الميسّر، التواصل مع مجموعات جديدة من الطلاب. وعُيّن مدير للمجتمع (community manager) لتعميق هذه الصلات وجعلها مستدامة. وقد أثبتت مجموعة كتبنا أنها نقطة انطلاق مفيدة للتواصل مع الطلاب بطرق جذابة ومبدعة. كما زاد ذلك من ظهور المكتبة وخدماتها.
4. الكتب أداةً لتيسير التواصل وبناء الهوية لدى المجتمعات:
إلى جانب تنظيم الأنشطة الاجتماعية حول المجموعة، اكتشف فريقنا أن الكتب أدوات ممتازة للمجموعات في الحرم الجامعي التي تسعى إلى تقوية مجتمعاتها. ولذلك عملنا مع عدة مجموعات لإنشاء مكتبات خاصة بها. ولتوضيح هذه المقاربة، سنعرض في هذه الورقة خمسًا من هذه المكتبات الجديدة التي أنشأناها، أو نحن بصدد إنشائها، مع مجتمعات الحرم الجامعي.
وقد أرست الشراكة مع قسم الدراسات الكلاسيكية قبل عدة سنوات الأساس لهذا الأسلوب. إذ قرر هذا القسم أن مكتبة مخصصة ستكون مكانًا مثاليًا يلتقي فيه الطلاب ويتفاعلون مع أعضاء هيئة التدريس. ونتج عن ذلك «غرفة الباحثين للدراسات الكلاسيكية» (Researchers Room for Classics)، حيث تعاونّا مع الطلاب وأعضاء هيئة التدريس لانتقاء كتب مهمة في مجال دراستهم. فضلًا عن ذلك، ملأنا هذه الغرفة بأعمال فنية وتراثية مرتبطة بالتاريخ القديم. وما زالت هذه الغرفة تعمل، من نواحٍ كثيرة، بوصفها مكتبة كلية تقليدية.
غير أن أول مكتبة مواضيعية أُنشئت في أثناء مشروع (Re:Booking) لا تركز على مجتمع أكاديمي. ففي عام 2020، تواصل معنا مجتمع (VU Pride) متسائلًا عما إذا كان بإمكانه بناء مكتبته الخاصة، المليئة بكتب مهمة لمجتمع الميم (LGBTQ +). وتمكّنهم مكتبة الفخر في (VU) (VU Pride Library) الآن من الحضور المادي والتواصل في الحرم الجامعي، ومن دعوة الطلاب الآخرين للتفاعل مع مجتمعهم وتصفح مجموعة كتبهم.
وبعد افتتاح مكتبة الفخر، تواصل المكتب الأخضر في (VU) (VU Green Office) مع المكتبة للمساعدة في إنشاء مكتبة خضراء (Green Library) تضم مجموعة كتب متعددة التخصصات عن الاستدامة. وبالتعاون مع أعضاء المكتب، بحث مكتبيونا في المجموعة للعثور على أكبر عدد ممكن من الكتب المثيرة للاهتمام المتصلة بهذا الموضوع. ويضم المكتب الأخضر الآن مكتبة ترحب بالزوار فيه ليتعلموا ويوسعوا نظرتهم إلى الاستدامة.
ومختبر إنهاء الاستعمار في (VU) (VU Decolonisation Lab) هو رابع مكتبات (Re:Booking)، ونعمل على إنشائه مع مكتب التنوع (Diversity Office). وستوفر هذه المكتبة مكانًا مخصصًا في الحرم الجامعي لمناقشة الاستعمار. وتهدف مكتبتنا إلى تعزيز روح المجتمع، وتشجيع القراءة، وتعزيز الحوار. ومن المدهش أن نتمكن من توظيف المجموعة المطبوعة قليلة الاستخدام لهذه الأغراض.
ومكتبة التأمل الواعي في (VU) (VU Mindful Library) هي المكتبة الجديدة الخامسة التي توضح الطرق التي نقارب بها مجموعتنا المطبوعة ونوظفها في فضاءات مكتبتنا. فبالتعاون مع جمعية أمستردام الطلابية للتأمل (Amsterdam Student Meditation Society)، نصمم فضاءً للتأمل يكون مكتبة لكتب التأمل والروحانية واليقظة الذهنية، ومساحة لممارسة جلسات التأمل الموجَّه وفترات الاسترخاء للطلاب في آن معًا. فللكتب القدرة على إنشاء فضاءات جميلة تبعث على التأمل، وتمثل مكتبة التأمل الواعي قلب شبكة متنامية من الطلاب والموظفين الذين يدركون أهمية التأمل للرفاه. فضلًا عن ذلك، تبرز هذه التجربة ما يمكن أن تقدمه المكتبة لروادها من استرخاء وصمت وفضاءات للتأمل. فالصمت خدمة طالما قدمتها المكتبات، لكن أهميتها تتزايد لدى رواد المكتبات الذين يعيشون في مدن مزدحمة (Meilleur, 2022).
وأخيرًا وليس آخرًا، أنشأنا مجموعات موضوعية في موقع مكتبتنا المركزية. ومن بينها مجموعة «كتب مهمة» (Books that Matter). فقد طلبنا من أساتذتنا المبتدئين والكبار من تخصصات مختلفة أن يخبرونا بالكتب التي أثرت تأثيرًا عميقًا في مجالات دراستهم وتوجهاتهم المهنية ورؤيتهم للعالم. وتشكل هذه الكتب الآن أبرز مجموعات المكتبة ظهورًا. كما طورنا مجموعاتنا المواضيعية الخاصة بأهداف التنمية المستدامة (Sustainable Development Goals, SDG) لتشجيع الطلاب على التعرف إلى التحديات المجتمعية، وإعدادهم ليكونوا مواطنين منخرطين في مجتمعهم. والقصد من هذه المجموعات أن تحل محل المجموعة المرتبة حسب التخصصات قليلة الاستخدام في فضاء المكتبة المركزية. وحول هذه المجموعات، نظمنا سلسلة من الفعاليات الاجتماعية المخصصة لأهداف مختلفة من أهداف التنمية المستدامة. وبهذه الطريقة، نوفر للطلاب والموظفين فضاءً غير رسمي يتبادلون فيه الأفكار ويلهم بعضهم بعضًا للإسهام في مجتمع أكثر استدامة وصحة وعدلًا.
وقد أوجد التعاون مع الشركاء في الحرم الجامعي لإنشاء مكتبات موضوعية شراكات جديدة ومفاجئة أحيانًا. فعلى سبيل المثال، نعمل بمساعدة الكتب على إنشاء فضاء اجتماعي حيوي ومبدع لحاضنة الشركات الناشئة في الجامعة. كما أبدت كلية الحقوق وكلية العلوم الاجتماعية اهتمامهما بمكتبة مواضيعية في مراكزهما الاجتماعية. ويمكن أن نرى هنا منعطفًا مثيرًا في تاريخ المكتبات. فقد كانت لهذه الكليات مكتباتها الخاصة، لكنها اختفت إلى حد كبير مع ظهور البحث العلمي الرقمي. وفي البيئة الأكاديمية اليوم، تعود مكتبات الكليات في شكل جديد. وفي هذه المكتبات المعاصرة، الكتب أكثر من ناقلات للمعرفة؛ فهي عنصر من عناصر التفاعل الاجتماعي والإبداعي. وقد ساعدت هذه الشراكات الإبداعية التي بدأت في أثناء مشروع (Re:Booking) المكتبة على أن تصبح شريكًا موثوقًا لمجموعات نادرًا ما عملت مع المكتبة. وهذه نتيجة ثانوية للمشروع، لكنها حاسمة مع ذلك.
5. كتب للحرم الجامعي بأكمله:
ومن الطرق الأخرى لاكتشاف قيمة الكتاب استكشاف حضوره المادي. فالطلاب يحبون أن يكونوا محاطين بالكتب، وقد أدركت مكتبات كثيرة ذلك فوضعت الكتب في أماكن الدراسة لغرض وحيد هو تهيئة بيئات تدعم التعلم والفضول والتركيز. ولذلك نسعى إلى توزيع مجموعة كتبنا في أرجاء الحرم الجامعي على أوسع نطاق ممكن. ويتوقف نوع الحماية المطلوب لهذا الطموح على نوع الكتاب. فبالنسبة إلى كتب المقررات الدراسية كثيرة الاستخدام، لدينا مجموعة محمية تخضع لإشراف مباشر من الموظفين. أما الكتب التي لا تزال مستخدمة في التدريس والبحث فقد وُضعت في مكان محمي لكن دون إشراف مباشر. غير أنه لإتاحة الانتشار الواسع للكتب، نعمل الآن أيضًا بمجموعات من الكتب غير الخاضعة للإشراف ودون أي حماية، لكنها تظل ضمن مجموعة المكتبة. وأخيرًا، لدينا كتب بلا حماية أخرجناها أيضًا من مجموعة مكتبتنا. وتوضع هذه الكتب، على سبيل المثال، في العدد المتزايد من المكتبات المجانية الصغيرة في الحرم الجامعي.
ويخدم ذلك هدف مكتبتنا في دمج الكتب في كثير من فضاءات الحرم الجامعي. فالطلاب يميلون إلى تسمية جميع أماكن الدراسة «المكتبة». وسيحوّل الانتشار الواسع للكتب غير الخاضعة للإشراف أماكن الدراسة هذه إلى مكتبات حقيقية. وسيُرصد بانتظام أثر الوضع غير المحمي في عدد الكتب المفقودة أو الموضوعة في غير مكانها. غير أننا نتعمد المخاطرة في هذا الشأن. فإذا فُقد كتاب مطلوب من إحدى هذه المجموعات اللامركزية أو سُرق، فسنطلب نسخة جديدة منه. ويعكس اتباع هذه المقاربة الاعتقاد بأن المعلومات لم تعد نادرة. فعصرنا يتسم بوفرة المعلومات المتاحة. ومن ثم سيصبح جمع الكتب وتخزينها حتمًا أقل صرامة مما كانا عليه في الماضي. ونحن حريصون على التحقق مما إذا كانت كتب معينة نادرة أو لا يمكن تعويضها. غير أننا، بروح العلم المفتوح، نود أن نفتح مجموعاتنا قدر الإمكان.
6. الكتب فنًّا:
إلى جانب استكشاف الكتاب بوصفه زينة فكرية في الحرم الجامعي، نكتشف قيمة الكتب في صنع الفن. فأول عمل كلّفنا بإنجازه في إطار مشروع (Re:Booking) هو عمل تركيبي من الخشب والكتب بعنوان «البانثيون. ليس السؤال ما تنظر إليه، بل ما تراه…» (“Pantheon. The question is not what you look at, but what you see…”) للفنان الهولندي هنك شوت (Henk Schut). وقد استلهم الفنان في هذا العمل رؤية المعماري الهولندي في القرن التاسع عشر هندريك بيتروس برلاخه (Hendrik Petrus Berlage) لإنشاء «بانثيون للإنسانية» يحتفي بالمعرفة البشرية. ويبرز بانثيون هنك شوت الحضور المادي للكتب، والعمل التركيبي تجربة متعددة الوسائط تجمع بين الكتب والمشاهد الصوتية وقصص الطلاب والموظفين. ففي هذا العمل الفني، يتعرف الناس إلى كتب ما كانوا ليختاروها بأنفسهم قط، ويسمعون كيف أثّرت في طالب أو موظف آخر. فضلًا عن ذلك، من المخطط أيضًا دمج الكتب والدوريات في أقواس كتب مرحة ترحب بالناس في قاعات الدراسة.
7. منهجيات جديدة للتصنيف والانتقاء:
استنادًا إلى الوظائف المختلفة للكتاب التي عرضناها في هذه الورقة، يمكن أن يندرج كل كتاب في مجموعتنا ضمن إحدى الفئات الآتية: 1) الكتب النادرة؛ 2) الكتب المستخدمة في البحث والتعليم؛ 3) كتب للإلهام والهوية والحوار؛ 4) كتب للفن والزينة. واقتضى هذا التصنيف مقاربة جديدة للانتقاء والتنقية. وفي عمليات الانتقاء الجديدة، تتمثل مهمتنا في إيجاد أفضل استخدام لكل كتاب. ولذلك طورنا مجموعة من فئات الانتقاء أوسع من مجرد فائدة الكتاب المحتملة بوصفه مصدرًا للبحث أو التعليم.
وفي هذه العملية عناصر من التنظيم العقلاني وعناصر من الذاتية. وتعني العناصر الموضوعية في عملية الانتقاء النظر في مؤشرات مثل إحصاءات الإعارة والتداول السابقة، والاستخدام المطلوب في التعليم والبحث. ولتوجيه عمليات الانتقاء، وضعنا لذلك مجموعة الأسئلة الآتية: 1) هل يستخدم أي مقرر دراسي في الجامعة هذا الكتاب؟ 2) هل أُعير الكتاب أكثر من ثلاث مرات؟ 3) هل أُعير الكتاب خلال السنوات العشر الأخيرة؟ فإذا كانت الإجابة عن الأسئلة الثلاثة جميعها بالنفي، أمكن استخدام هذه الكتب لأغراض جديدة. وقد عُرضت أعلاه عدة عناصر ذاتية في عملية الانتقاء هذه، منها رحلات السفاري للكتب، واستبانات «كتب مهمة»، وتطوير المكتبات الموضوعية.
وفي أثناء عمليات الانتقاء، يتحقق اختصاصيو المجموعات في فريق المشروع مما إذا كانت الكتب المختارة متاحة في مكتبات أكاديمية أخرى في البلاد، لأننا لسنا ملزمين بالاحتفاظ بنسخة من كتاب معين عندما توجد نسختان منه في مكان آخر. وتيسّر هذه الاتفاقات منظمةُ شبكة وطنية تُسمى (UKB)، وهي تعاون بين المكتبة الوطنية والمكتبات الجامعية. وعندما تكون الكتب متاحة في مكتبات قريبة، نرى أن علينا أن نعمل معًا بدلًا من أن نقتني جميعًا النسخ نفسها ونهدر مساحة ثمينة في الحرم الجامعي. وهولندا، بوصفها بلدًا صغيرًا فيه جامعات كثيرة ومكتبات أكاديمية زاخرة، مناسبة على نحو خاص لهذا المسعى.
واكتشفنا أن إجراء تنبؤات دقيقة بشأن ما إذا كانت الكتب مطلوبة، وما إذا كانت نسخ منها متاحة في مكان قريب، يتطلب كثيرًا من البيانات، وأن هذه البيانات كثيرًا ما يصعب الحصول عليها. فلجأنا إلى وحدة ذكاء الأعمال (business intelligence) في مكتبتنا للاستعلام عبر واجهة برمجة التطبيقات (application programming interface, API) لفهرس (WorldCat) للحصول على المعلومات اللازمة. غير أن الفحص البشري الضروري، إلى جانب العدد المحدود من الكتب الذي يستطيع قسم الخدمات اللوجستية لدينا التعامل معه، يجعل إعادة التقييم الواسعة النطاق للمجموعة أكثر تعقيدًا واستهلاكًا للوقت مما كنا نأمل في البداية. ولكي نتمكن من البدء بمشروعات إبداعية وفنية بالكتب، بدأنا بمجموعتنا من الدوريات الأكاديمية. واتضح أن التعامل مع الدوريات بكميات كبيرة أسهل. ومع ذلك، أرسى المشروع مسارات عمل جيدة لاستبعاد الكتب (deselection) ستستمر بعد انتهاء المشروع، إذ ما زلنا نهدف إلى مراجعة جزء كبير من مجموعة الكتب وإعادة توظيفه خلال السنوات القادمة.
ويصبح مشروع بهذا الحجم أقل إثارة للقلق بكثير عندما تتوفر بيانات جيدة، إذ يشعر المرء بالأمان والسيطرة. ولا تُجرى تقييمات واسعة النطاق للمجموعات المطبوعة كثيرًا، ويرجع ذلك في الغالب إلى ضخامة حجمها وإلى الشكوك التي تصاحبها معًا. وقد تطورت الخبرة في إدارة البيانات في كثير من أقسام المكتبات. ويمكن لإدارة المجموعات أيضًا أن توظف هذه المهارة لتحقيق أهدافها ومشروعاتها الخاصة.
8. التحديات والمخاطر المحتملة:
ينطوي مشروع مثل (Re:Booking)، يخرج عن الطرق التقليدية في التعامل مع مجموعات الكتب، على مخاطر متوقعة وأخرى غير متوقعة. ومن المخاطر الواضحة أن تُطلب بعض الكتب المستبعدة مجددًا في المستقبل، أو أن نعيد توظيف كتب لا تزال ذات معنى لأصحاب المصلحة. ونحن نتعمد المخاطرة بعدم السماح لأعضاء هيئة التدريس بمراجعة قوائم الكتب، لأن هذا عمل يستهلك وقتًا طويلًا جدًا. وبدلًا من ذلك، نراجع قوائم الكتب مع مراعاة الملامح البحثية للكليات. وهذا الأسلوب ليس خاليًا من المخاطر، فقد نحتاج إلى إعادة شراء هذه الكتب لاحقًا. غير أن ذلك يظل أكثر جدوى من حيث التكلفة من ترفيفها وصيانتها في مجموعة المكتبة.
ومن المخاطر الأخرى إثارة استياء أعضاء هيئة التدريس وأصحاب المصلحة. وللتخفيف من ذلك، أعلنّا عن مقاربتنا وأساليب الانتقاء لدينا في موقع إلكتروني مخصص، ومن خلال نشرة إخبارية، وفي اجتماعات الكليات. وحتى الآن، وهو ما فاجأنا إلى حد ما، تلقينا في الغالب ملاحظات إيجابية على المشروع، ولا سيما أن الرسالة الأساسية ليست التخلص من الكتب، بل منحها حياة ثانية. ويلقى ذلك صدى لدى المجموعات في الجامعة التي ما زالت تستخدم الكتب المطبوعة وتعتز بها. كما اكتشفنا أن الكليات ومجالات الدراسة التي نادرًا ما تستخدم الكتب تُفاجأ حين تدرك كثرة الاستخدامات الأخرى التي يمكن أن تؤديها الكتب إلى جانب التعبير عن المعرفة العلمية.
9. الاستنتاجات:
أكد إغلاق جائحة كوفيد-19 قيمة العالم المادي، وصارت الفضاءات الجميلة للتواصل مع الآخرين أكثر أهمية. ويمكن لمجموعات الكتب الموضوعة في أماكن مدروسة أن تساعد المكتبات على إنشاء هذه الفضاءات للتواصل. ويبرهن ذلك على أهمية الكتب بما يتجاوز أغراضها التعليمية والبحثية.
ومع مشروع (Re:Booking)، انطلقت مكتبة جامعة (VU) في رحلة لإيجاد طرق إبداعية لمنح مجموعات الكتب حياة ثانية. وبسبب الطبيعة المبتكرة للمشروع، لم تكن لدى فريق (Re:Booking) مجموعة واضحة من الأهداف من حيث زيادة الإعارة أو تقليص المجموعة بعدد محدد من الكتب. وكانت بعض الجوانب، مثل إرساء عمليات جديدة للانتقاء والاستبعاد، أكثر استهلاكًا للوقت وأكثر اعتمادًا على التجربة والخطأ مما كان مقصودًا. غير أن فريق المشروع هيأ الظروف لمقاربة جديدة في إدارة المجموعات. وسيعود ذلك على المكتبة بفائدة كبيرة في السنوات القادمة.
وقد أدى مشروع (Re:Booking) إلى استخدام أكثر حيوية وإبداعًا لمجموعات المكتبة. فقد أُنشئ عدد من المكتبات الموضوعية من خلال تعاوناتنا، وهي موجودة الآن في مواقع مختلفة من الحرم الجامعي، وتعكس الاستدامة والشمول والرفاه والمسؤولية الاجتماعية بوصفها قيمًا جوهرية للجامعة. ومع سلسلة فعالياتنا، طورت المكتبة شراكات مع كثير من أعضاء هيئة التدريس الجدد ومجموعات الحرم الجامعي.
وتستغرق عملية اكتشاف قيمة الكتب وإمكاناتها مع مجتمعات الحرم الجامعي وقتًا. ومن المهم ألا ننتظر حتى تخصص قيادة الجامعة مخازن الكتب لغرض آخر، لأن ذلك سيولّد ضغطًا غير مرغوب فيه. فمعظم المكتبيين ملتزمون بإظهار قيمة مجموعة الكتب التي جمعها أسلافهم على مدى سنوات طويلة. وينبغي ألا تظل هذه الإمكانات مخبأة خلف أبواب المكتبات الموصدة، في انتظار اكتشافها يومًا ما. فالناس لا يزالون يقدّرون الكتاب بوصفه أثرًا ثقافيًا ذا معنى رمزي عميق. واليوم، لدى المكتبات فرصة فريدة لإبراز قيمتها إلى جامعات القرن الحادي والعشرين.
المراجع:
- Bodnick, M. (2012, October 2). Will public libraries become extinct? Forbes. https://www.forbes.com/sites/quora/2012/10/02/will-public-libraries-become-extinct/
- Brosz, J. (2022). Supporting the research experience: Creating a hub for interdisciplinary collaboration. In H. T. Hickerson, J. K. Lippincott, & L. Crema (Eds.), Designing libraries for the 21st century (pp. 353–364). Chicago: Association of College and Research Libraries.
- Cohen, D. (2019, May 26). The books of college libraries are turning into wallpaper. The Atlantic. https://www.theatlantic.com/ideas/archive/2019/05/college-students-arent-checking-out-books/590305/
- Crema, L. (2022). From collections to connections: Rethinking the print presence and use of space on campus. In H. T. Hickerson, J. K. Lippincott, & L. Crema (Eds.), Designing libraries for the 21st century (pp. 161–174). Chicago: Association of College and Research Libraries.
- Lugg, R. (2016, May 10). Benchmarking print book collections: A beginning. OCLC. https://blog.oclc.org/next/benchmarking-print/
- Meilleur, S. (2022). Serving the broad needs of community through a patron-centered, partnership-focused, inclusive approach. In H. T. Hickerson, J. K. Lippincott, & L. Crema (Eds.), Designing libraries for the 21st century (pp. 384–398). Chicago: Association of College and Research Libraries.