مجلة المعلوماتية مجلة المعلوماتية
حيث تلتقي المعرفة بالتقنيةمجلة فصلية في علوم المعلومات والمكتبات والتقنية

أزمة مصانع الأوراق البحثية إنذار خطير للعلم: ماذا يستطيع المكتبيون أن يفعلوا؟

العددالعدد 88
تاريخ النشر
عدد القراءات0
اقتباس
مشاركة

الملخص:

يتناول هذا المقال أزمة مصانع الأوراق البحثية التي تلوّث الأدبيات العلمية بمقالات زائفة، وأدت إلى أعداد قياسية من المقالات المسحوبة، ولا سيما لدى ناشر (Hindawi). ويرجع المؤلفان الأزمة إلى حوافز مختلّة في تقييم البحث القائم على المقاييس الكمية، وفي نماذج الوصول المفتوح القائمة على رسوم معالجة المقالات التي تكافئ كثرة المنشور، إلى جانب الأعداد الخاصة. ويستعرضان جهود الناشرين ومبادرات مثل (STM Integrity Hub) و(United2Act)، ودور (Retraction Watch) و(PubPeer) و(NISO) والمتحرّين المستقلين. ثم ينتقدان غياب المكتبيين عن مواجهة الأزمة، ويقترحان عليهم أدوارًا عملية: إدراج اشتراطات نزاهة النشر في اتفاقيات الوصول المفتوح، والمشاركة في بناء عملية سحب متكاملة، ودعم نماذج غير قائمة على الرسوم مثل (Subscribe to Open)، ومساندة مكاتب نزاهة البحث في المؤسسات، والانضمام إلى المتحرّين، حفاظًا على الثقة بالعلم.

الكلمات المفتاحية: مصانع الأوراق البحثية، نزاهة النشر، سحب المقالات، المكتبات الأكاديمية، الوصول المفتوح

محتويات المقالة
  1. نزاهة النشر: دور للمكتبيين:
  2. المراجع:

في 5 يناير 2021، أعلنت دار النشر العلمي (Wiley) استحواذها على ناشر الوصول المفتوح سريع النمو (Hindawi). وبحسب برايان نابَك (Brian Napack)، الرئيس التنفيذي لـ(Wiley) آنذاك، كانت (Hindawi) رائدة في النشر ساعدت الباحثين على إيصال «اكتشافاتهم المحكّمة التي تغيّر الحياة إلى العالم بسرعة وكفاءة أكبر».[1] ولسوء حظ (Wiley)، جاءت سرعة النشر الفائقة لدى (Hindawi) على حساب التدقيق، مما جعلها هدفًا مفضلًا لمصانع الأوراق البحثية. فالمقالات الصادرة عن مصانع الأوراق البحثية مقالات زائفة. وتكسب الشركات التي تدير هذه المصانع المال ببيع صفة التأليف في مقالات زائفة لباحثين يبحثون عن طريقة سهلة للنشر.[2] وقد كان نمو مصانع الأوراق البحثية وأثرها في السنوات الأخيرة مذهلًا. فحتى وقت كتابة هذا المقال في أبريل 2024، أدى تحقيق (Wiley) في مصانع الأوراق البحثية إلى سحب أكثر من 11,300 مقال من مقالات (Hindawi).[3] وكان الضرر الذي لحق بسمعة (Hindawi) كارثيًا. فقد أعلنت (Wiley) رحيل نابَك في أكتوبر 2023، وصرّحت في ديسمبر بأنها ستوقف استخدام العلامة التجارية (Hindawi).[4] وتتوقع (Wiley) أن تخسر ما بين 35 و40 مليون دولار أمريكي من الإيرادات وهي تحاول تنظيف الضرر الجسيم الذي خلّفته مصانع الأوراق البحثية في (Hindawi).

غير أن (Hindawi) ليست الناشر الوحيد الذي يصارع حجم أزمة مصانع الأوراق البحثية وثقلها. ففي عام 2023، تجاوز العدد الإجمالي للمقالات المسحوبة التي رصدتها (Retraction Watch) عشرة آلاف مقال، محطّمًا بسهولة الرقم القياسي السابق.[5] وفي حين أن سوء السلوك والأخطاء وسحب المقالات ليست أمورًا جديدة، فإن الجديد هو حجم الأزمة الحالية وتلويث السجل العلمي على نطاق واسع ومنظم. ففي نوفمبر 2023، نشرت (Nature) تقريرًا عن تحليل وجد أن أكثر من 400,000 مقال منشور تتشابه نصيًا مع مقالات معروف أنها صادرة عن مصانع الأوراق البحثية. وقد نُشر 70,000 من هذه المقالات في العام السابق للدراسة.[6] وإذا كان هذا التقدير دقيقًا، فإن المقالات الـ11,300 المسحوبة من (Hindawi) بسبب مصانع الأوراق البحثية ليست سوى قمة جبل جليدي غير مسبوق من المقالات المسحوبة، لا يهدد الثقة في النشر العلمي فحسب، بل الثقة في العلم أيضًا.

ويبرز سؤال بديهي عند التعرف لأول مرة على حجم أزمة مصانع الأوراق البحثية: كيف يمكن أن يحدث شيء كهذا أصلًا؟ فللدوريات، في نهاية المطاف، محررون. والمقالات تخضع للتحكيم العلمي. والتصديق (certification)، أي ضمان جودة المقالات البحثية ونزاهتها، وتمييز الغث من السمين، هو أحد الأسباب الرئيسية لوجود الدوريات والناشرين العلميين. فكيف يجتاز مقال زائف صادر عن مصنع أوراق بحثية طريقه إلى النشر، ناهيك عن آلاف المقالات الزائفة لدى ناشرين كثيرين مختلفين وفي تخصصات كثيرة مختلفة؟

تقع أزمة مصانع الأوراق البحثية عند ملتقى حافزين مختلّين اختلالًا عميقًا في النشر العلمي. يوجد الأول في مجال تقييم البحث. فما زالت المقاييس الكمية البسيطة (معامل التأثير (JIF)، ومؤشر (h)، وعدد الاستشهادات، وعدد المقالات المنشورة، وغيرها) تُستخدم بديلًا عن قياس جودة البحث وأثره وإنتاجيته. ويمكن أن تُربط اشتراطات النشر بتخرّج الطلاب وبترقيات الأطباء الممارسين.[7] وقد يعني قرار شراء صفة التأليف لدى بعضهم الفرق بين العمل والبطالة، وبين دفع الإيجار والعجز عن دفعه. ولا يبرر هذا بأي حال سلوك النشر غير الأخلاقي من جانب المؤلفين. لكنه يُبرز حجم ما على المحك لدى بعض المؤلفين، ومنطق التفكير الذي قد يقود شخصًا ما إلى شراء صفة التأليف في مقال صادر عن مصنع أوراق بحثية.

أما الحافز المختل الثاني الذي يسهم في أزمة مصانع الأوراق البحثية فيعمل في جانب الناشرين. إذ تشجع نماذج النشر بالوصول المفتوح القائمة على رسوم معالجة المقالات (APC) زيادة حجم النشر. فمزيد من المقالات يعني مزيدًا من الرسوم. ومزيد من الرسوم يعني مزيدًا من الإيرادات. وتفسر هذه العلاقة المالية إلى حد كبير الاستراتيجيات القائمة على الحجم لدى عدد متزايد من الناشرين. كما أن تقديم الأرباح قصيرة الأجل على نزاهة النشر هو أيضًا ما يقف وراء الاعتماد المفرط مؤخرًا على الأعداد الخاصة، التي غدت استراتيجية مفضلة لزيادة حجم النشر. وقد بدا أن الأعداد الخاصة في (Hindawi) كانت قائمة خارج نطاق الرقابة المعتادة على النشر وضبط الجودة. فلم يُتحقق من المحررين تحققًا كاملًا. وربما جرى التحكيم العلمي وربما لم يجرِ. بل ربما قُرئت الأوراق وربما لم تُقرأ أصلًا. ومن دون رقابة، كان يمكن اختطاف أعداد خاصة بأكملها وملؤها بمقالات زائفة تنتجها مصانع الأوراق البحثية.[8] وبحسب تحليل أجراه كريستوس بيترو (Christos Petrou) في (The Scholarly Kitchen)، ظهر 53% من مقالات (Hindawi) لعام 2022 في أعداد خاصة. وكانت (MDPI) و(Frontiers) أكثر اعتمادًا على نهج الأعداد الخاصة، إذ بلغت النسبة لديهما 65% و70% على التوالي.[9] ولحسن الحظ، لم يعلن أيّ منهما عن مشكلات بحجم مشكلات (Hindawi)، لكن ليس من الواضح أننا بلغنا ذروة سحب المقالات الناجمة عن الأزمة.

ولكن على الرغم من سوء أثر الأعداد الخاصة على نزاهة النشر كما ثبت، فإن نموذج رسوم معالجة المقالات هو الذي يتحمل المسؤولية الكبرى عن تشويه الحوافز وتضليل الناشرين والمؤلفين. فمصانع الأوراق البحثية موجودة لأن الناشرين، في ظل نموذج الرسوم، يكسبون المال حين يقول المحررون «نعم». وقد ذكر الضغطَ لزيادة حجم المقالات أشخاصٌ شاركوا في الانشقاقات الأخيرة لهيئات التحرير وتمرّدات المؤلفين، مثل ما حدث في (The Journal of Political Philosophy).[10] ولا ينبغي أن يكون مفاجئًا أن تقديم نمو الإيرادات قصير الأجل المدفوع بالرسوم على الجودة قد يثبت أنه مُفسد لنزاهة النشر.

ويُحسب لكثير من الناشرين أنهم أدركوا الضرر الواقع، وتصدّوا له بجهود فردية ومشتركة. فعلى المستوى الفردي، يتخذ الناشرون خطوات لتشديد ضبط الجودة. فقد وُسّعت فرق نزاهة البحث.[11] وقُدّم للمحررين مزيد من التدريب والدعم. ويجري توظيف تقنيات جديدة للمساعدة في فحص الأوراق الاحتيالية أو الإشكالية وتحديدها. وبالعمل المشترك، أطلق الناشرون مبادرات مثل (STM Integrity Hub)[12] و(United2Act).[13] ويسعى (STM Integrity Hub) إلى كشف المخطوطات الإشكالية «من خلال مزيج من البيانات والخبرات المشتركة، ومن خلال تسخير الابتكار التقني». وقد جمعت (United2Act) الناشرين وغيرهم من أصحاب المصلحة في اجتماع عام 2023 خُصّص تحديدًا لمعالجة أزمة مصانع الأوراق البحثية. ويُبرز بيان الإجماع الذي صدر عنه خطوات محددة يمكن للمنظمات والأفراد اتخاذها للمساعدة في معالجة الأزمة. كما يعمل الناشرون والمحررون معًا من خلال (COPE)، أي لجنة أخلاقيات النشر (Committee on Publication Ethics)، التي تقدم إرشادات بشأن ممارسات النشر الأخلاقية.

وإلى جانب إجراءات الناشرين، أدّت (Retraction Watch) و(PubPeer) و(NISO) والمتحرّون المستقلون المعنيون بالنزاهة دورًا بالغ الأهمية في معالجة أزمة مصانع الأوراق البحثية. فالمتحرّون، عاملين معًا أو كلٌّ بمفرده، يحددون الأوراق الإشكالية، ويتبادلون ما توصلوا إليه على (PubPeer) ومع الناشرين.[14] وقد أصبح (PubPeer)، وهو موقع للتحكيم اللاحق للنشر (post-publication peer review)، مركزًا رئيسيًا لتحديد المشكلات المحتملة في المقالات ومناقشتها.[15] وحتى وقت قريب، كانت (Retraction Watch) تحتفظ بأشمل قاعدة بيانات للأوراق المسحوبة. وفي سبتمبر 2023، بيعت قاعدة بيانات (Retraction Watch) إلى (Crossref). وستعمل المنظمتان معًا على تحديثها بوصفها أكبر مجموعة بيانات مفتوحة من المقالات المسحوبة.[16] وفي الوقت نفسه، تعمل (NISO) على ممارسات موصى بها لسحب المقالات تصف «الأطراف المعنية، إلى جانب مسؤولياتها وإجراءاتها وإشعاراتها، والبيانات الوصفية اللازمة لإبلاغ البحوث المسحوبة عبر أنظمة أصحاب المصلحة».[17] ونأمل أن تؤدي الجهود المشتركة لـ(Crossref) و(Retraction Watch) و(NISO) إلى تحسين تتبع المقالات المسحوبة والإبلاغ عنها في منظومة الاتصال العلمي بأكملها.

ومع أن استجابة الناشرين وغيرهم من أصحاب المصلحة للأزمة أمر مرحّب به وعلامة إيجابية، فإنها لم تكن كافية، حتى وقت كتابة هذا المقال، لمعالجة مشكلة مصانع الأوراق البحثية. ومما يزيد المشكلة تفاقمًا أن الذكاء الاصطناعي التوليدي (generative AI) يضاعف بالفعل إنتاج الأوراق الزائفة بسرعة هائلة.[18] فلا يزال من غير الواضح ما إذا كنا قد بلغنا ذروة سحب المقالات الزائفة التي تلوّث الأدبيات بالفعل، في حين يُتوقع مزيد من الأوراق الزائفة المُعدّة بمساعدة الذكاء الاصطناعي. وبالنظر إلى حجم أزمة مصانع الأوراق البحثية، والضرر الذي تلحقه بالنزاهة العلمية وبالثقة، والتهديد المستمر الذي تمثله للتحول إلى الوصول المفتوح، كيف يتحرك المكتبيون، بوصفهم من أصحاب المصلحة الرئيسيين في الاتصال العلمي، للمساعدة في معالجة الأزمة؟

من المؤسف أن المكتبيين اختاروا إلى حد كبير الوقوف خارج هذه الأزمة، ملتزمين الصمت على الهامش بينما تتكشف فوضى مصانع الأوراق البحثية من حولهم. ويبدو أن الرأي السائد في مجتمع المكتبات هو أن أزمة مصانع الأوراق البحثية مسألة تتعلق بنزاهة البحث، ومن ثم فهي مشكلة شخص آخر. وربما كان لهذا معنى في الأزمنة التي سبقت مصانع الأوراق البحثية المدفوعة برسوم معالجة المقالات. فعلى المستوى المؤسسي، يتحمل مكتب نزاهة البحث، لا المكتبة، المسؤولية عن سوء السلوك البحثي. وبالمثل، اعتمد المكتبيون على جهود الناشرين في مجال نزاهة البحث للتعامل مع سوء السلوك في عملية النشر. وحين يتعلق الأمر بالفئة الأوسع لنزاهة البحث، كان رد الفعل المعتاد للمكتبيين هو الاكتفاء بحدود اختصاصهم.

غير أن حجم أزمة مصانع الأوراق البحثية والضرر الذي ألحقته جعلا هذا الموقف أقل قابلية للدفاع عنه. فصحيح أن أزمة مصانع الأوراق البحثية مسألة تتعلق بنزاهة البحث، لكنها، بمعنى أضيق، مسألة تتعلق بنزاهة النشر. والنشر أمر يهتم به المكتبيون اهتمامًا عميقًا. وبوصفهم شريكًا رئيسيًا في النشر العلمي، أصبح المكتبيون منخرطين فيه اليوم على نحو أعمق من أي وقت مضى، بدءًا من إدارة عملياتهم الخاصة للنشر وصولًا إلى توجيه الإنفاق نحو شراء خدمات النشر بالوصول المفتوح. وفيما يخص اتفاقيات الوصول المفتوح، تجدر الإشارة إلى أن المكتبيين يتحملون أيضًا قدرًا من المسؤولية عن الأزمة الحالية. فالنمو الأخير في الوصول المفتوح هو إلى حد كبير نتيجة لمطالبة المكتبات والجهات الممولة الناشرين ببدائل للوصول المفتوح عن نموذج الاشتراك التقليدي. والمكتبيون هم من يرخّصون ويموّلون نماذج الوصول المفتوح القائمة على رسوم معالجة المقالات نفسها، التي أوجدت لدى الناشرين الحافز القائم على الحجم. ولكي نكون واضحين، فإن نزاهة النشر تقع بوضوح ضمن اختصاص المكتبيين. وكما أسهمت الإجراءات غير المدروسة من جانب المكتبيين وتقاعسهم في أزمة مصانع الأوراق البحثية، فإن الإجراءات المدروسة والاستباقية من جانبهم يمكن أن تساعد في إنهاء الأزمة وتسريع تنظيف الفوضى التي خلّفتها.

نزاهة النشر: دور للمكتبيين:

فيما يلي أفكار للعمل والمناصرة ينبغي للمكتبيين النظر فيها لتعزيز نزاهة النشر والمساعدة في معالجة أزمة مصانع الأوراق البحثية. وهذه الأفكار ليست شاملة، وينبغي عدّها نقطة انطلاق. فبيئات عمل المكتبات تتباين تباينًا كبيرًا، وكذلك ستتباين الطرائق التي تسهم بها في دعم نزاهة النشر.

ومن نقاط الانطلاق البديهية والمهمة للمكتبيين وضعُ توقعات ومسؤوليات تتعلق بنزاهة النشر وإدراجها في اتفاقيات الوصول المفتوح. إذ يمكن إضافة صياغات إلى التراخيص تحدد أفضل الممارسات في نزاهة النشر، ومتطلبات التدقيق، وتوقعات الشفافية والإبلاغ. كما يمكن إضافة صياغات تحدد مصير رسوم معالجة المقالات المسحوبة. فعلى سبيل المثال، أعلنت (IOP Publishing) (IOPP) مؤخرًا أنها ستتبرع برسوم معالجة مقالاتها المسحوبة لمبادرة (Research4Life).[19] ويضيف هذا الالتزام حافزًا جديدًا للناشرين لفعل الصواب، إذ يفرض عقوبة مالية فوق العقوبة المتعلقة بالسمعة التي تنجم عن سحب المقال. وحتى الآن، (IOPP) هي الناشر الوحيد الذي يفعل ذلك. ويستطيع المكتبيون الضغط على ناشرين آخرين لفعل الشيء نفسه في أثناء مفاوضات التراخيص، بالمطالبة بصياغات تجعل التبرع برسوم المقالات المسحوبة شرطًا. ولتيسير إضافة صياغات نزاهة النشر إلى التراخيص ودعمها، سيكون من المفيد جدًا أن يضع مجتمع المكتبات صياغات نموذجية يستخدمها المكتبيون. وهذا عمل يمكن أن تقوده اتحادات المكتبات (library consortia) مثل (Lyrasis) و(Jisc) و(CAPES).

ومن المجالات الأخرى التي يمكن للمكتبيين، بل ينبغي لهم، أن يؤدوا فيها دورًا فاعلًا ضمانُ عملية سحب متكاملة من البداية إلى النهاية، تكون شاملة وفي الوقت المناسب. فلا يمكن عدّ المقال مسحوبًا سحبًا كاملًا إذا كان لا يزال بالإمكان العثور على نسخته الأصلية في منظومة الاتصال العلمي. وفي حين قد يكون من السهل نسبيًا إضافة إشعار سحب إلى المقال على موقع الناشر، فليس من السهل إضافة الإشعار نفسه في كل قاعدة بيانات ومستودع آخر قد يوجد فيه المقال. وينبغي للمكتبيين أن يتعاونوا مع (Crossref) والناشرين و(NISO) و(Retraction Watch) للمساعدة في تطوير عملية سحب متكاملة من البداية إلى النهاية. كما أن المكتبيين في موقع جيد للمساعدة في رصد ما إذا كانت العملية تعمل فعلًا، وإخطار أصحاب المصلحة الآخرين عند اكتشاف مشكلات، والمطالبة بالتحسينات والإصلاحات حيثما لزم.

إن نماذج الوصول المفتوح ومقارباته القائمة على رسوم معالجة المقالات تحفّز الناشرين على السعي وراء الحجم، مطاردين الكمّ على حساب الجودة. وللمساعدة في تعزيز نزاهة النشر، يمكن للمكتبات أن تدعم وتناصر اعتماد الناشرين نماذج للوصول المفتوح متوافقة مع نزاهة النشر، مثل (Subscribe to Open). فالنماذج غير القائمة على الرسوم، مثل (Subscribe to Open)، تزيل حافز الحجم لأن الإيرادات لا ترتبط مباشرة بقبول المقالات. ومشكلة مصانع الأوراق البحثية هي مشكلة رسوم معالجة المقالات. وينبغي للمكتبات أن تعمل مع الناشرين للمضي قدمًا بوصول مفتوح غير قائم على الرسوم، متوافق مع نزاهة النشر، ومحصّن من مصانع الأوراق البحثية.

وللمكتبيين أيضًا دور يؤدونه داخل الحرم الجامعي. فبوصفهم خبراء معلومات يتشاركون بانتظام مع المؤلفين والناشرين، فإنهم في موقع جيد لتقديم الخبرة والمشورة، عند الحاجة، بشأن التعامل مع عملية السحب. بل قد يطلب المؤلفون أو العاملون في مجال نزاهة البحث من المكتبات المساعدة. وحين تُشرَك المكتبات في العملية، من الضروري أن تحافظ على الحياد، وأن تضيف القيمة والمساعدة حيثما كان ذلك مناسبًا فيما قد يكون عمليات معقدة وعالية المخاطر. فعلى سبيل المثال، يمكن للمكتبيين مساعدة مكتب نزاهة البحث في أثناء عملية جمع المعلومات بجمع الحقائق المتعلقة بالتأليف والأدوار وتبادلها. وقد يشمل ذلك تحليل سجل منشورات المؤلف بحثًا عن قفزات غير عادية في عدد المنشورات، أو المساعدة في تحليل مقال ما بحثًا عن مشكلات واضحة. كما يمكن للمكتبيين أن يفيدوا مكتب نزاهة البحث بتقديم السياق والخلفية المتعلقين بمسوّغات الناشر للسحب. فكثير من المكتبيين تابعوا أزمة مصانع الأوراق البحثية والتزايد الكبير في سحب المقالات عن كثب، لأنها قد تؤثر في مفاوضات الوصول المفتوح وأسعاره واستراتيجيته. ومعرفة ما إذا كان سحب ما حالة معزولة أم جزءًا من عمليات سحب جماعية ناتجة عن نشاط مصانع الأوراق البحثية قد تكون مفيدة جدًا للعاملين في مكتب نزاهة البحث.

وعلى المستوى الفردي، ينبغي للمكتبيين أيضًا النظر في الانضمام إلى صفوف المتحرّين المعنيين بنزاهة النشر. فمع أن بعض الاحتيال البحثي لا يمكن كشفه إلا على أيدي من يملكون خبرة موضوعية وتقنية كافية، فإن كثيرًا من الأوراق الزائفة شديدة الرداءة إلى حد أن غير المتخصصين أنفسهم يستطيعون اكتشاف مشكلاتها. فقد حدد ديفيد بليملر (David Blimler) أكثر من 800 ورقة مشبوهة في الكيمياء من خلال تتبع مراجع زائفة، وهو عمل يستطيع معظم المكتبيين أيضًا القيام به.[20] بل إن المقالات التي لم تصدر عن مصانع الأوراق البحثية تتضمن أحيانًا أخطاء واضحة. ويمكن لما يضيفه المكتبيون من ملاحظة وتدقيق إلى التحري عن النزاهة أن يساعد في الصمود دفاعًا عن نزاهة النشر، وأن يسهما في تنظيف السجل العلمي وصيانته. وتقدم برامج المكافآت الناشئة حديثًا، مثل (Research Bounty Program) في الهند و(Estimating the Reliability) & (Robustness of Research)، مقابلًا ماليًا لتحديد المقالات الإشكالية والإبلاغ عنها.[21] وإذا أثبتت برامج المكافآت أنها رادع فعال، فقد يقرر المكتبيون الانضمام إلى صفوف صائدي المكافآت، أو ربما تقديم الدعم من خلال رعاية هذه البرامج.

هذه ليست سوى بعض الطرائق التي يمكن بها للمكتبيين أداء دور أكثر فاعلية في معالجة أزمة مصانع الأوراق البحثية. ولا شك أن ثمة طرائق أخرى كثيرة، مثل مواصلة المناصرة لأساليب العلم المفتوح (open science)، التي تجلب الشفافية وتسلّط الضوء على الممارسات البحثية. وينبغي للمكتبيين أن يتحركوا حيث يشعرون أنهم سيُحدثون أكبر أثر، وحيث يرون توافقًا مع أولويات مؤسساتهم وثقافتها.

يقول كارل ساغان (Carl Sagan): «العلم أبعد ما يكون عن أداة كاملة للمعرفة. إنه فقط أفضل ما لدينا».[22] ومن المؤسف أن أزمة مصانع الأوراق البحثية جاءت في وقت عصيب للعلم. فالثقة في العلم والعلماء آخذة في التراجع.[23] غير أن التحديات التي تواجه المجتمع، من تغير المناخ إلى الصحة العامة، لا تزداد إلا نموًا. وسجل علمي ملوّث بمقالات زائفة لن يؤدي إلا إلى مزيد من تآكل ثقة الجمهور في العلم. وستُنظر إلى نتائج البحوث مستقبلًا على خلفية المقالات المسحوبة العشرة آلاف القياسية التي وثّقتها (Retraction Watch) في عام 2023، وتلك التي ستأتي في عام 2024. وفي عالم ما بعد الحقيقة الطافح بالمعلومات المضللة، نحتاج إلى العلم وإلى الثقة في العلماء أكثر من أي وقت مضى. وإذا استعرنا تعبير ساغان، فإننا نحتاج إلى أن يظل العلم شمعتنا في الظلام. لقد حان الوقت لأن يؤدي المكتبيون دورًا أكثر فاعلية في مناصرة نزاهة النشر واستدامتها، ومناصرة العلم واستدامته. فقد يتوقف على ذلك التحول المفتوح وكثير مما نهتم به.

المراجع:

بيانات المصدر الأصلي

Brundy, C., & Thornton, J. B. (2024). The paper mill crisis is a five-alarm fire for science: what can librarians do about it? Insights, 37, 11. https://doi.org/10.1629/uksg.659.

اقتبس هذا المقال

كيرتس برندي، جويل ب. ثورنتون (2024). «أزمة مصانع الأوراق البحثية إنذار خطير للعلم: ماذا يستطيع المكتبيون أن يفعلوا؟». مجلة المعلوماتية، العدد 88. https://informaticsjournal.net/?p=53243

مقالات ذات صلة