مقدمة:
للمعلومات دورها المهم والحيوي في جميع النشاطات العلمية والعملية. فهي الأساس لكافة أشكال اتخاذ القرارات في الحياة اليومية. وهي بالطبع تُعد موردًا جيدًا للبحوث أو لإنجاز الأعمال والوظائف الحيوية اليومية. لذلك كانت الحاجة المعلوماتية عملية مهمة وديناميكية للحصول على المساعدة في حل الإشكالات. ومما لا شك فيه أن عصرنا الحالي يعتبر عصر المعلومات حيث أصبحت المعلومات سلعة ووسيلة لخدمة جميع القطاعات الحيوية في المجتمع كالسياسة والاقتصاد والصناعة والتعليم وغيرها. لذلك نجد أنه أصبح للمعلومات علم خاص بها يُدرس ويُطبق ويتفرع منه مجالات تتعلق بحقول المعلومات وطريقة جمعها ومعالجتها واسترجاعها ونشرها.
علم المعلومات علم حديث ارتبط بمختلف العلوم الأخرى لأهميته، حيث نجد أنه يرتبط ويستفيد من أساليب تلك العلوم وأدواتها وفروعها. فهو يستفيد من الأساليب الرياضية والإحصائية في علمي الرياضيات والإحصاء وغيرها من العلوم بالإضافة إلى اللغويات وعلم الاجتماع في إنجاز دراساته النظرية وهذا ما سنتناوله ونتطرق إلىه من خلال هذا البحث.
المعلومات واللغويات:
تظهر أهمية علم اللغويات في أنه ليس فقط لدراسة لغة أخرى وإنما لمعرفة طبيعة اللغة ودورها في حياتنا، وأثرها على المجتمع، وكيف يخدم احتياجاتنا. علم اللغويات اكتسب تعريفات عدة، عرفته موسوعة (Britannica) علمياًبأنه:
” دراسة لطبيعة وبنية اللغة. ويشمل ذلك عادة الدلالات، والتركيب، وعلم الأصوات. الدراسات اللغوية تهدف لوصف اللغة كما هي موجودة في وقتها، وإعداد دراسات مرتبطة بالزمن لتتبع التطور التاريخي للغة.”
علاقة المعلومات باللغويات تكون واضحة عند نقل المعلومات وتداولها واسترجاعها سواء كان ذلك بين البشر أأنفسهم أو عند استخدامهم للتكنولوجيا الحديثة. فعند تداول المعلومات وجب على الطرفين أن يكون بينهما حلقة وصل أو لغة تواصل يتم من خلالها فهم الرسالة أو المحتوى بهدف إيصال تلك المعلومة. وبشكل آخر عند تطبيق نظرية المعلومات يجب أن تكون لغة مشتركة بين الطرفين (المرسل والمستقبل) حتى تصل الرسالة وتحقق الهدف المرجو من عملية النقل. وبسبب اختلاف اللغات حول العالم، حيث يبلغ حاليا عدد لغات العالم الحية حسب موسوعة “(Ethnologue) ” 6.909 لغة. وحيث لا يتفق علماء اللغة على عدد محدد للغات المتحدث بها في العالم الآن ووضعوا لها أرقامًا مختلفة, احتجنا لأن نعيد هيكلة مصادر المعلومات سواء كانت تلك المصادر رقمية كمحركات البحث أو غير رقمية لتتناسب مع تعدد اللغات بهدف أرشفة ونشر المعلومات أو تداولها بالشكل الذي يؤدي دورها في سد حاجات المجتمع وفهمها واتخاذ القرارات الصائبة.
اللغويات واسترجاع المعلومات:
لغة استرجاع المعلومات عرفها شكري العناني بأنها تشير إلى مجموعة المصطلحات المنظمة أو التمثيلات للعناصر و المفاهيم في مجموعة من الوثائق. ويمكن تقسيم لغات الاسترجاع إلى قسمين رئيسيين وهما: أ- اللغة الطبيعية الحرة (Natural Language):هي اللغة التي تجدها في الوثائق وغيرها، دون أي تعديل عليها. عرفها ولفرد لانكستر: ” هي اللغة الطبيعية أو النص الحر أو الكلمات المفتاحية التي لا تنطوي على أية قيود لغوية أو مفردات معينة أو مصطلحات تفرض على المكشف أثناء عملية التكشيف أو المستفيد أثناء عملية البحث “.
ب- اللغة الاصطناعية (المقيدة): هي لغة من الحروف أو الأرقام أو الاثنين معًا، ذات بناء وهيكل اصطناعي (Artificial Retrieval Language)، صُممت للاستخدام في نظم الاسترجاع. ويعرفها يونس الخاروف بأنها «اللغة المحكمة التي يتم تعيينها لمحتويات الوثائق خلال التحليل والاسترجاع».
نظام استرجاع المعلومات يهدف إلى تحليل ومعالجة وتخزين مصادر المعلومات واسترجاع النتائج التي تناسب استعلام المستخدم باستخدام إما اللغة الطبيعية الحرة التي سيكون فيها تفاعل بين لغة مصدر المعلومات ولغة المستفيد من المعلومة وهي متفاوتة أو تكون باستخدام اللغة المقيدة حيث باستخدام الرموز والكلمات المفتاحية للدلالة على موضوع معين. المعالجة الطبيعية للغة تعتبر فرعًا من فروع الذكاء الاصطناعي واللغويات. في الآونة الأخيرة تطور هذا المجال بشكل كبير حتى تولد الكثير من المعلومات النصية مع الفاعلية الجيدة حتى أصبحنا نرى هذا التطبيق في أبرز التقنيات على شبكة الإنترنت، ألا وهي محركات البحث.
أما بالنظر إلى النموذج اللغوي لنظام استرجاع المعلومات فتحدث عنه (E. Herrera-Viedma) بقوله:
ويعرض الباحث نموذجًا لغويًا ضبابيًا ترتيبيًا لتمثيل الغموض والذاتية اللذين يظهران في تفاعل المستفيد مع نظام استرجاع المعلومات (IRS). ويستخدم النموذج مفهوم المتغيرات اللغوية الضبابية في صياغة استعلامات المستفيد واستجابات النظام؛ إذ يقبل استعلامات منطقية يمكن ترجيح شروطها آنيًا بقيم لغوية ترتيبية، وفق ثلاث دلالات محتملة: العتبة المتماثلة، والكمية، والأهمية.
في الحقيقة وجد هذا النظام عدة مشاكل مع اللغة من أبرزها: الترادف والغموض بمعنى أنه يوجد للكلمة أكثر من تفسير أو يكون للتفسير الواحد أكثر من كلمة تدل عليه بالتالي نجد احتمالية أن عملية استرجاع المعلومات قد لا تفي بجميع النتائج المرغوبة أو تكون النتائج لا تمت للاستعلام بصلة وهو ما يسمى بالضوضاء (noise).
المعالجة الحاسوبية للغة:
برزت لغويات الحاسوب لمعالجة مشكلات الترادف والغموض وتيسير استرجاع المعلومات. وهي علم يستخدم الحاسوب لمعالجة نصوص اللغة الطبيعية وتحليلها، ومن أبرز مجالاته تطوير برامج تساعد على فهم لغة البشر. وتوضح موسوعة (Britannica) أن اللغويات الحاسوبية تتناول التحليل اللغوي باستخدام الحواسيب الإلكترونية، بما يشمل معالجة كميات كبيرة من البيانات اللغوية، وإعداد الكشافات السياقية، وحساب تكرارات الأصوات والكلمات وأجزاء الكلمات، إلى جانب أنواع أخرى من التحليل. كما تشير إلى تراجع الدعم لأبحاث الترجمة الآلية بعد اتضاح أن إنتاج ترجمات آلية عالية الجودة أصعب مما كان متوقعًا، وإلى تطور تقنيات اللغويات الحاسوبية عند تطبيقها في مجالات أخرى.
وبهذا نكون قد تطرقنا بإيجاز شديد إلى علاقة المعلومات بعلم اللغويات. ننتقل إلى الجزء الثاني من هذا البحث وهو عن علاقة علم المعلومات بالعلوم الاجتماعية وكيف يكون التفاعل بين المعلومات وأفراد المجتمع وعناصره في مجتمع المعلومات.
علم المعلومات والعلوم الاجتماعية:
بالنظر إلى جميع العلوم الاجتماعية بشكل عام فهي تلك التي تدرس السلوك الاجتماعي البشري و تدرس القضايا الاجتماعية من خلال عمليات التفاعل الاجتماعي وسلوكيات أفراد تلك المجتمعات. أيضا العلوم الاجتماعية المتنوعة تشمل جميع التخصصات الأكاديمية التي تتعامل مع الناس في بيئاتهم الاجتماعية تلك. لذلك نجد أن العلوم الاجتماعية هي مجموعة من التخصصات العلمية التي تدرس النواحي الإنسانية للعالم والحياة. ارتبط بالعلوم المعرفية المتعددة ومن بينها علم المعلومات وشكل منها ارتباطا تطور عبر الأيام الماضية إلى يومنا الحالي حتى شهدنا نشوء ما يسمى بمجتمع المعلومات. وشهدنا تفاعل البشر أي أفراد المجتمع بشكل خاص مع المعلومات للتحكم في المعلومات وتجميعها وتخزينها ومعالجتها واسترجاعها واستخدامها. أيضا لا يخفي علينا دور المعلومات في تقديم الخدمات للمجتمع، مثالا على ذلك، مجال الصحة “حيث يمكن أن تلعب تكنولوجيا المعلومات دوراً مهماً في نشر الوعي الصحي وإتاحة الخدمات الطبية للمناطق الريفية والبدوية وإقامة الخرائط الصحية والمخططات الأخرى للصحة الوقائية”. لذلك استجدت الحاجة لدمج تكنولوجيا المعلومات مع جميع العلوم الاجتماعية كما قال د. (Anttiroiko) في حديثه خلال ورشة عمل في جامعة كارلسكرونا 1999 ” هناك حاجة لدمج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وغيرها من التكنولوجيات في مختلف مجالات العلوم الاجتماعية. على مستوى عام جدا هو لتطوير الأدوات المفاهيمية والنظرية الجديدة لفهم هذا المجتمع الناشئ على الأقل من ثلاثة جوانب: تجاربنا وسبل نحن نصوغ الممارسات الاجتماعية، والتغيرات في الظروف المعيشية والجوانب المادية في العلاقات الاجتماعية؛ وترابطها من العناصر الذاتية والموضوعية للواقع الاجتماعي؛ مثل التحولات التي طرأت على دور المؤسسات. “.
التفاعل بين الإنسان والمعلومات:
التفاعل الاجتماعي هو العملية التي نقوم فيها بالفعل ورد الفعل تجاه من حولنا. فأفراد المجتمع يتفاعلون مع ما يدور في مجتمعهم من تغيرات و تحولات. لذا كانت دراسة التفاعل بين البشر والمعلومات في مجتمع حدثت فيه ثورة المعلومات ودخلت تكنولوجيا المعلومات في المؤسسات الإنتاجية والخدمية ومنظمات الأعمال لإنجاز مهامها ونشاطاتها وزيادة الإنتاج. بالطبع، إن هذه الدراسة لم تكن إلا حصيلة تجارب واجتماع بين نظريات وتطبيقات علم المعلومات وعلم الاجتماع على وجه التحديد. فتم دراسة أنماط البشر واستخدامهم لتقنيات المعلومات بشكل عام كما ذكرنا من تنظيم وانتقال ونشر واسترجاع وغيرها وأثرها على حياتهم الاجتماعية وتعزيز الحاجات الإنسانية للمعلومات. ولما شاهدناه من تطور في التفاعلات البشرية مع المعلومات وانفجار المعلومات وتوفرها بالشكل الذي أدى إلى حدوث ثورة معلوماتية ظهر خلالها مجتمع المعلومات أو ما يسمى بالمجتمع المعلوماتي.
مجتمع المعلومات:
مجتمع المعلوماتية هو مجتمع يملك أفراده القدرة على التعامل مع معطيات ذلك المجتمع حتى تنقضي فيه الأمية وعدم المعرفة. وحتى يكتسب المجتمع صفة أنه مجتمع معلوماتي عليه أن يعمل وفق استراتيجية تقف ضد الأمية المعرفية. لذلك نجد أن قطاع المعلومات يعد المصدر الرئيسي للدخل القومي والعمل والتحول البنائي لهذا المجتمع. وعليه قامت نهضة هذا المجتمع من الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والإعلام وغيرها على هذا القطاع، ولكن هذا لا يعني إلغاء أو تجاهل نهضة المجتمعات السابقة ولكنها تعتبر الأساس لمجتمع المعلومات والدعائم الأساسية التي يعتمد عليها في التطوير.
الخاتمة:
بهذه النقطة نكون قد تكلمنا وبإيجاز عن المعلومات واللغويات والعلاقة بينهما، أيضا أهميتها في نقل وتبادل المعلومات واسترجاعها سواء على مستوى البشر أو في البيئة الرقمية. كذلك، ناقشنا علاقة علم المعلومات بالعلوم الاجتماعية وكيف كان التفاعل بين البشر والمعلومات في عصر حدث فيه انفجار وثورة معلوماتية أدت لظهور مجتمع معلوماتي يعتمد بشكل أساسي في جميع مجالاته على قطاع المعلومات.
المراجع:
- . د. الحكيم، زياد (2009). كم عدد لغات العالم؟. (موسوعة دهشة): http://www.dahsha.com/viewarticle.php?id=33509
- شكري عبد السلام العناني.- لغات تكشيف المعلومات واسترجاعها.-عالم الكتب، مج17، ع1، يناير – فبراير 1996 ص4
- . عفاف سامي حسن. استثمار النظم الهجينة في خزن واسترجاع المعلومات باللغة الحرة و المقيدة مجلة المعلوماتية: (جمادى الأولى 1427، يونيه 2006).- ص 42 – 47
- – ولفرد، لانكستر، نظم استرجاع المعلومات. ترجمة حشمت قاسم. القاهرة، مكتبة غريب، 1981، ص11-17.
- يونس إسماعيل الخاروف.- التكشيف.- رسالة المكتبة، م31، ع3، أيلول 1996، ص15
- عساف، ياسر، المعلوماتية والتنمية الاجتماعية. الحوار المتمدن – العدد: 1203. 2005 / 5 / 20. استرجعت من الرابط http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=37716
- د. بوحليقة، إحسان علي. مجتمع المعلوماتية واقتصاد المعرفة في سوق تقنية المعلومات السعودية. صحيفة الحياة. 29 فبراير 2004
- linguistics. (2009). In Encyclopædia Britannica. Retrieved December 06, 2009, from Encyclopædia Britannica Online: http://www.britannica.com/EBchecked/topic/342418/linguistics
- Ethologue Encyclopedia. (2009). Retrieved December 10, 2009, from http://www.ethnologue.com/
- Baeza-Yates, R. and Ribeiro-Neto, Berthier. (1999). Modern information retrieval. Addison-Wesley Longman.
- E. Herrera-Viedma. (2001). Modeling the Retrieval Process for an Information Retrieval System Using an Ordinal Fuzzy Linguistic Approach. JOURNAL OF THE AMERICAN SOCIETY FOR INFORMATION SCIENCE AND TECHNOLOGY, issue 52(6):460–475, 460.
- computational linguistics. (2009). In Encyclopædia Britannica. Retrieved December 06, 2009, from Encyclopædia Britannica Online: http://www.britannica.com/EBchecked/topic/130425/computational-linguistics
- D. Anttiroiko. 15-16 April 1999. Notes on the relationship between the social sciences and information technology and communications. a workshop in University of Karlskrona / Rönneby, and Sweden.