تحيط بنا المعلومات في كل وقت؛ نتلقاها بالكلمة والصورة، ونستدل عليها من ملاحظاتنا وتجاربنا. لكن السؤال عن المعلومات لا يعني الشيء نفسه في جميع التخصصات؛ فالمهندس الذي يهتم بنقل الإشارة يطرح أسئلة تختلف عن أسئلة الباحث في معنى الرسالة أو أثرها في المتلقي.
تتناول نظرية المعلومات الرياضية، التي ارتبط تأسيسها بعمل كلود شانون، قياس المعلومات وسعة قنوات الاتصال والترميز. وهي تساعد على دراسة نقل الرسائل في وجود الضوضاء وحدود إمكان استعادتها. غير أن القياس الرياضي لا يخبرنا وحده عن صدق الرسالة أو قيمتها العلمية أو الأخلاقية؛ فهذه أسئلة تتجاوز نطاقه المباشر.
أما في دراسات الاتصال، فينصب الاهتمام على المرسل والمتلقي والرسالة والقناة والسياق، وقد تتضمن النماذج التغذية الراجعة أيضًا. فقد تصل الكلمات دون خطأ، ومع ذلك يفهمها المتلقي على غير مراد صاحبها، بسبب اختلاف الخبرات أو غموض التعبير أو غياب سياق ضروري.
وفي علم المعلومات تتسع الأسئلة لتشمل إنتاج المعلومات وتنظيمها وحفظها واسترجاعها واستخدامها. فنجاح النظام لا يقاس بقدرته على تخزين الوثائق وحدها، بل بمدى مساعدته المستفيد على العثور على ما يلائم حاجته وفهمه والانتفاع به.
ولنأخذ مثالًا بسيطًا: قد يصل تقرير إلى المسؤول كاملًا عبر قناة اتصال سليمة، لكنه يظل قليل الفائدة إذا لم يوضح مصدر الأرقام أو الفترة التي تمثلها أو علاقتها بالقرار المطلوب. هنا نجح النقل تقنيًا، ولم يكتمل النجاح المعلوماتي؛ لأن الإتاحة تحتاج إلى تنظيم وتفسير وسياق.
إن اختلاف هذه الزوايا لا يجعلها متعارضة، بل يكشف تعدد الأسئلة التي يثيرها مفهوم المعلومات. وما نحتاج إليه هو أن نعرف أي سؤال نعالج وأي إطار يناسبه؛ حتى لا نخلط بين سلامة انتقال الرسالة، وفهم معناها، وصحة مضمونها، وقيمتها لمن يستخدمها.