أحيانًا أتساءل ونحن نشاهد التغيرات المتسارعة في طرق الحصول على المعلومات والمعرفة: إلى أين يتجه تعليمنا؟ وهل تتطور أساليب تعليم أبنائنا بما يناسب حاجاتهم، أم تتسع المسافة بين ما يعيشونه خارج المدرسة وما نقدمه لهم داخلها؟
نشأ كثير من طلاب اليوم في بيئة تختلف عن البيئة التي تعلمنا فيها. تتعدد أمامهم مصادر الشرح، ويستطيعون البحث والمشاهدة والسؤال، والعودة إلى المادة متى احتاجوا إليها. لكن سهولة استخدام الأجهزة لا تعني بالضرورة أنهم يحسنون التعلم بها؛ فقد يصل الطالب إلى إجابة بسرعة، دون أن يعرف مدى صحتها أو يفهم معناها.
وهنا يبرز دور التعليم، لكن بأي صورة نريده أن يؤدي هذا الدور؟ هل نكتفي بنقل المقرر إلى شاشة، أم نراجع طريقة تنظيم التعلم، وما نطلبه من الطالب، وكيف نعرف أنه فهمه؟
خذ مثلًا درسًا يشرح فيه المعلم مفهومًا جديدًا. قد يفهمه بعض الطلاب سريعًا، ويحتاج آخرون إلى مثال إضافي أو تدريب أطول. فهل نتيح لهم مسارات تساعد كلًّا منهم على التقدم، أم نمضي بالسرعة نفسها لأن علينا الانتهاء من المقرر؟ لا يعني ذلك أن نعد درسًا منفصلًا لكل طالب، وإنما أن نعطي اختلاف حاجاتهم مساحة في التخطيط والتنفيذ.
والأمر نفسه ينطبق على التقويم. فقد نحتاج إلى اختبار يقيس معرفة أساسية دون الاستعانة بالمصادر، ونحتاج في موقف آخر إلى مهمة يقارن فيها الطالب بين مصادر، أو يفسر نتيجة، أو يناقش حلًّا. وأرى أن السؤال الأهم هو: ما القدرة التي نريد قياسها، وهل تكشف عنها الطريقة التي اخترناها؟
ولا أقصد أن المدرسة أو المعلم أو الكتاب فقدت قيمتها. فالمدرسة بيئة للتربية والتفاعل وبناء العلاقات، والمعلم يلاحظ تعثر الطالب، ويناقشه، ويوجهه، ويعينه على ما قد لا ينتبه إليه بنفسه. لكن هذه الأدوار تحتاج إلى وقت وإعداد ودعم، ولا يكفي أن نطالب المعلم بتغيير طريقته، ثم نبقي عليه الأعباء والقيود نفسها.
كما أن تطوير التعليم لا يتحقق بمجرد إدخال أداة جديدة. فقد نستخدم أحدث الأجهزة بالطريقة القديمة نفسها، فيتغير شكل الدرس دون أن تتغير خبرة الطالب. ولعل البداية الأجدى أن نجرب تغييرات محددة، ونستمع إلى المعلمين والطلاب، وننظر فيما تحقق من تعلم، ثم نوسع ما تثبت فائدته.
إن ما يشغلني ليس اختلاف جيل عن جيل، بل قدرتنا على مراجعة ما اعتدناه حين تتغير حاجات المتعلمين وظروف تعلمهم. ولا أعتقد أن هذه مسؤولية المعلم وحده؛ فهي تبدأ من أهداف التعليم ومناهجه وتنظيمه، وتمتد إلى إعداد المعلمين وأساليب التقويم.
قد ننشغل بإضافة موضوعات جديدة إلى المقررات، بينما نحتاج أيضًا إلى سؤال أعمق: هل نتيح لأبنائنا أن يفهموا ويسألوا ويجربوا ويتعلموا باستقلال؟ وهل نعدهم للعالم الذي سيعيشون فيه، أم نكتفي بتكرار الطريقة التي تعلمنا بها نحن؟