أتذكر عندما كنا طلابًا في المرحلة الابتدائية، كيف كان المعلمون يشددون في منع استخدام الآلة الحاسبة في الواجبات والاختبارات. كنا نحفظ جداول الضرب، ونتدرب على العمليات الحسابية، وكان المعلم يريد أن يتأكد من أننا نستطيع إجراء الحساب بأنفسنا، دون الاعتماد على أداة تنجزه عنا.
ومع مرور السنوات تغيرت النظرة إليها، وأصبحت أداة مألوفة، بل ومطلوبة في بعض الاختبارات. فلم يعد المطلوب في كل مسألة أن يجري الطالب الحساب يدويًا، وإنما أن يعرف العملية المناسبة، ويحسن استخدام الآلة، ويفهم النتيجة التي توصل إليها.
تذكرت ذلك وأنا أتابع الجدل حول استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي في حل الواجبات وإعداد البحوث. فبعض المعلمين وأساتذة الجامعات يرفضون الاستعانة به، وينشغلون بمحاولة اكتشاف ما إذا كان الطالب قد كتب ما قدمه بنفسه، أم تولت الأداة كتابته عنه.
ولهذا القلق ما يبرره؛ فالطالب الذي يطلب بحثًا كاملًا، ثم يقدمه باسمه دون فهم أو مراجعة، لم يحقق الغرض من التكليف. لكن هل يكفي المنع لمعالجة المشكلة؟ أم نحتاج إلى مراجعة ما نطلبه من الطالب، وكيف نتأكد من أنه تعلمه؟
أعتقد أن هناك وجه شبه بين الموقفين، مع اختلاف كبير في قدرات الأداتين. فالآلة الحاسبة تنفذ عمليات محددة، بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي إنتاج نصوص وحجج تبدو مقنعة، وقد تتضمن أخطاء أو مراجع لا وجود لها. ولذلك يحتاج استخدامه إلى معرفة بالموضوع، وقدرة على الفحص، لا إلى مهارة كتابة الطلب وحدها.
ولعل هذا يدعونا إلى إعادة النظر في بعض الواجبات التي تطلب جمع المعلومات وإعادة صياغتها، ثم تقوّم العمل بعدد صفحاته وحسن عرضه. فإذا استطاعت الأداة إنجاز المهمة، فماذا نريد أن نعرف عن قدرة الطالب نفسه؟
يمكن، مثلًا، أن نطلب منه فحص إجابة أنتجها الذكاء الاصطناعي، ومقارنتها بمصادر موثوقة، وتصحيح أخطائها، ثم مناقشته فيما توصل إليه. وقد نطلب منه أداء مهمة دون مساعدة حين يكون الهدف قياس مهارة أساسية. فطريقة الاستخدام تتحدد بما نريد تعليمه وتقويمه، مع وضوح ما يسمح به وما يجب الإفصاح عنه.
إن الاستفادة من التقنية لا تعني الاستغناء عن الحساب أو القراءة أو الكتابة؛ فهذه المهارات هي التي تعين الطالب على فهم ما تقدمه الأداة والحكم عليه. وما نحتاج إليه أن نعلم أبناءنا متى يستعينون بها، ومتى يعتمدون على أنفسهم، وكيف يتحملون مسؤولية ما يقدمونه.
وربما يصبح السؤال في بعض المواقف التعليمية: كيف استعنت بالذكاء الاصطناعي، وماذا تعلمت من استخدامه؟ وعندها تكون العبرة بما يستطيع الطالب فهمه وشرحه ومناقشته، لا بمجرد قدرته على تسليم إجابة مرتبة.