الملخص:
يستكشف المقال تزايد مشاركة المكتبات في تقديم خدمات نشر للمخرجات الأكاديمية غير الرسمية، التي تعرف تقليديًا بالأدبيات الرمادية. وبالنظر إلى البنية التحتية للمستودع المؤسسي بوصفها منصة نشر، تستطيع المكتبات إدخال وقائع المؤتمرات والتقارير التقنية والدوريات المتخصصة في نطاق ضيق والأوراق البيضاء وغيرها من المواد التي يصعب الحصول عليها إلى مسار التداول الرئيس.
ويناقش الفرص التي يتيحها هذا التوجه للباحثين والمكتبات ودور النشر الجامعية المنفتحة على التعاون، ويقترح اتجاهات للتوسع، منها نشر الإنتاج العلمي الطلابي وتطوير منتجات أكثر رسمية ترتبط بالأدبيات الرمادية.
نشاط نشر يتجاوز الكتاب والدورية:
يجري في الحرم الجامعي قدر كبير من النشر، ولا يظهر كله، أو معظمه بالضرورة، في صورة كتاب تقليدي أو مقال بدورية. ففي عام 2006 رصد فريق عمل للنشر الجامعي في جامعة كاليفورنيا، برئاسة مشتركة من قيادتي دار النشر ومكتبة كاليفورنيا الرقمية، أكثر من 300 جهة لها برامج نشر في فروع الجامعة العشرة، وكانت معظمها تعمل منعزلة [1].
ورغم أن حجم منظومة كاليفورنيا استثنائي، ولا يبدو أن مؤسسات تعليم عالٍ أخرى أجرت حصرًا رسميًا مماثلًا، يتضح لكثير من الناشرين الموجودين داخل الجامعات أنهم محاطون بنشاط نشر واسع يعمل خارج الشبكات التقليدية.
مم يتكون هذا النشاط؟ رصد حصر كاليفورنيا برامج متطورة تنشر كتبًا علمية ودوريات محكمة، لكن المخرجات الأقل رسمية أكثر شيوعًا. فوقائع المؤتمرات والتقارير التقنية والأوراق البيضاء والدوريات ضيقة التخصص أمثلة مألوفة لما يسميه المكتبيون الأدبيات الرمادية.
ويظل هذا المحتوى تحديًا دائمًا للاقتناء: يفتقر إلى المعرّفات التي تيسر اكتشافه، ويصعب الحصول عليه من سلسلة التوريد التقليدية، وكثيرًا ما لا يوجد إلا مطبوعًا أو يستضاف على خوادم تتغير عناوينها باستمرار.
قد تكون بعض الأدبيات الرمادية هامشية، لكن هذه الفئة تتضمن أيضًا أعمالًا مهمة كثيرة. ففي الولايات المتحدة لا تعرض نتائج أبحاث تمول اتحاديًا بمئات الملايين من الدولارات إلا في تقارير تقنية أحيانًا. وفي مجالات التقنية التطبيقية خاصة، قد تكون وقائع المؤتمرات أول مكان يتعرف فيه الباحثون إلى مقاربات أو اكتشافات جديدة.
ولا يكافأ الباحثون على منشوراتهم الرمادية بما يناسب الوقت المستثمر فيها، جزئيًا لأنها تقع عمومًا خارج الكشافات التي تستخدمها الجامعات لقياس إنجاز أعضاء هيئة التدريس، مثل تقارير الاستشهاد التابعة لتومسون رويترز.
المستودع المؤسسي منصة للنشر:
أدرك المكتبيون مشكلة الأدبيات الرمادية منذ زمن، ويجد عدد متزايد منهم، خاصة في أمريكا الشمالية، فرصًا غنية لإعادة توظيف البنية التي استثمروا فيها للمستودعات المؤسسية، لتصبح منفذًا للنشر. فكثيرًا ما غُطيت تكاليف نشر التقارير والأوراق البيضاء والوقائع أصلًا من المنح أو رسوم التسجيل بالمؤتمرات.
ولذلك لا يمثل افتقار معظم برمجيات المستودعات، مثل DSpace وFedora وDigital Commons، إلى نظم متينة لإدارة الاشتراكات أو تحصيل الأموال مشكلة؛ إذ يمكن إتاحة هذه المواد بالوصول المفتوح. وتعالج الأسس القائمة لنظم المستودعات تحديات الاكتشاف والتنظيم والاستضافة المستقرة والحفظ.
كما يتوافق الاهتمام المتزايد بالمقاييس البديلة داخل مجتمع المستودعات مع رغبة مؤلفي الأدبيات الرمادية في إظهار أثر يتجاوز معامل التأثير. فهذه المقاييس تقيس الاستخدام خارج الحدود الضيقة للأوساط الأكاديمية، وتستطيع أنظمة مثل Altmetric.com وImpactStory وPlum Analytics تتبع الإشارات على الويب المفتوح ومنشورات التواصل والصحف الكبرى والمدونات [2].
يبين الإصدار الأول من دليل النشر المكتبي، الصادر عام 2014، أن المكتبات الـ115 المدرجة فيه تستضيف إلكترونيًا مئات الآلاف من التقارير التقنية؛ ولا يقل هذا العدد إلا قليلًا عن الرسائل والأطروحات الإلكترونية، التي يرجح أنها أكبر كتلة محتوى في المستودعات [3]. وتشمل المخرجات الأخرى التي يذكرها الناشرون المكتبيون الدوريات ضيقة التخصص والأوراق البيضاء ووقائع المؤتمرات.
ونوقش توسع هذه الكتلة من الأدبيات الرمادية القابلة للاكتشاف بإسهاب في الاجتماع الأول لتحالف النشر المكتبي، المنعقد في كانساس سيتي بولاية ميزوري في مارس 2014 [4].
إظهار قيمة المحتوى الخفي: تجربة بوردو:
قد يصعب إدراك أهمية نمو النشر الأصلي عبر المستودعات بالنظر الإجمالي؛ فما يزال نشر المكتبات جزءًا صغيرًا من الإنتاج البحثي السنوي. لكن إحياء هذه المجموعات الخفية ذات الصلة قد يحدث أثرًا هائلًا في مجتمعات معينة من الباحثين والممارسين، كما يوضح مثال استخدام أدبيات النقل الآتي.
رقمن مكتبيون في جامعة بوردو بويست لافاييت بولاية إنديانا، بالتعاون مع موظفي دار النشر الجامعية، أكثر من 1,500 تقرير تقني لبرنامج أبحاث النقل المشترك JTRP، وأنشؤوا سير عمل لمراجعة نحو 30 تقريرًا جديدًا وإنتاجها وتوزيعها كل عام [5].
وُضعت المنشورات في Purdue e-Pubs، وهو مستودع مؤسسي قائم على منصة Digital Commons التابعة لـBerkeley Electronic Press، ويوفر قدرات متقدمة لإدارة المخطوطات وقياس النشاط. وتظهر إحصاءات متوافقة مع معيار COUNTER أن تقارير البرنامج نُزلت أكثر من 250,000 مرة عام 2013، بواسطة مستخدمين من أكثر من 200 دولة، مع نمو مطرد للاستخدام.
ويشير انتشاره الدولي إلى أن هذه الأبحاث ذات صلة عالمية رغم تركيز المنشورات على حل مشكلات النقل في إنديانا [6]. ويتلقى البرنامج أكثر من 5 ملايين دولار أمريكي سنويًا، مصدر معظمها تمويل اتحادي يوزع عبر جهات الولاية.
وقدمت مقاييس المستودع أدلة قيّمة على العائد من الاستثمار، كما أن سهولة اكتشاف التقارير القديمة عبر خدمات مثل Google Scholar تقلل خطر ازدواج البحث الذي أثار قلق مسؤولين كبار في الإدارة الأمريكية.
ويعرض الشكل الأول في الأصل تنزيلات التقارير التقنية للبرنامج من Purdue e-Pubs، منذ بدء المجموعة في نهاية أكتوبر 2006 إلى نهاية أبريل 2014. أُثبت نطاق الشكل هنا دون إعادة رسم بياناته.
طيف متصل من خدمات النشر:
كان نجاح تجربة البرنامج من أهم دوافع إنشاء قسم نشر موحد تابع للمكتبات في بوردو عام 2012؛ إذ وسع نشاط دار النشر الجامعية ليشمل خدمة مبادرات النشر داخل الحرم. وأصبح المسؤولون عن Purdue e-Pubs يتبعون شخصًا واحدًا يحمل مسمى «مدير دار نشر جامعة بوردو ورئيس خدمات النشر العلمي بمكتبات جامعة بوردو».
ورغم طول المسمى وصعوبة نطقه، فإنه يصف بدقة مسؤوليتَي القسم ويمنع تآكل هوية العلامة والالتباس. فمن جهة، يخصص اسم دار النشر للكتب والدوريات المحكمة التي تختارها هيئة تحرير رسمية، وتنشر بتدخل تحريري وتصميمي كبير يهدف إلى تطوير المعرفة في مجتمعات تخصصية معينة.
ومن جهة أخرى تقدم خدمات النشر العلمي خيارًا يعمل تحت اسم الجهة المستفيدة، للمراكز التي تريد الاحتفاظ بعلاماتها الخاصة مع إسناد عملية النشر إلى طرف آخر. ويوضح الشكل الثاني بالأصل هذا الطيف من الخدمات المقدمة تحت اسمي دار نشر بوردو وخدمات النشر العلمي [7]؛ ولم يُنقل الرسم هنا.
إلى جانب نفعها للمراكز والأقسام والباحثين الذين يعهدون بالنشر إلى هذه الخدمات، تفيد شراكة المكتبة ودار النشر الطرفين. فتقدم الدار منافع أكثر ملموسية لمؤسستها، وتعزز المكتبات سمعتها بوصفها مقدمة خدمات لأعضاء هيئة التدريس، إلى جانب رعايتها للمجموعات المشتراة والمرخصة.
في أمريكا الشمالية لا يوجد سوى نحو 100 دار نشر جامعية لخدمة أكثر من 2,500 كلية ذات برامج أربع سنوات. ووجود دار نشر داخل الجامعة ليس أمرًا مفترضًا ولا شرطًا لتطور النشر فيها. لكن إشراك موظفي الدار يسرع اكتساب المهارات وبناء الإجراءات والعلاقات المطلوبة.
وبات أكثر من 27% من أعضاء رابطة دور النشر الجامعية الأمريكية الذين يصفون أنفسهم بدور نشر جامعية يتبعون رؤساء المكتبات؛ وهي نسبة ارتفعت كثيرًا خلال السنوات الخمس السابقة للمقال. وتتيح معالجة مشكلة الأدبيات الرمادية فرصة خاصة لهذه الشراكات.
الإنتاج العلمي الطلابي:
يتزايد اهتمام الناشرين المكتبيين بالإنتاج العلمي للطلاب. فالجامعات البحثية تشدد أكثر على تعريض طلاب المرحلة الجامعية المبكر لتجارب العالم الفعلي، وتستثمر في تحسين فرص توظيفهم. وينشأ محتوى أصيل من أنشطة مثل البحث الجامعي والتعلم الخدمي، ويحتاج إلى فرص للنشر.
يستطيع الناشرون المكتبيون تقديم مخرجات ملموسة لاستثمار الطلاب في تعليمهم، تفيد في عرض إنجازهم على برامج الدراسات العليا وأرباب العمل. ويستطيع المكتبيون، في الوقت نفسه، دمج التثقيف بالوعي المعلوماتي والاتصال العلمي في عملية النشر، لتشجيع باحثي الغد على التفاوض الواعي بشأن العقود والالتزام بأخلاقيات التأليف.
وأظهرت التقييمات السنوية لأثر دورية Journal of Purdue Undergraduate Research منذ عام 2011 مكاسب تعلم كبيرة للطلاب المشاركين بالمشروع [8]. عنوانها: http://www.jpur.org
ثورة أكثر هدوءًا:
بالتزامن مع حصر احتياجات النشر في كاليفورنيا المذكور أول المقال، كان باحثو مؤسسة إيثاكا يعملون على ما أفضى إلى تقرير «النشر الجامعي في العصر الرقمي» المؤثر الصادر عام 2007 [9]. ودعا التقرير إلى العمل، مؤكدًا حاجة ملحة وعاجلة إلى تنشيط دور الجامعة وقدراتها في النشر بهذا العصر.
ورأى مؤلفوه أن تجديد الالتزام بالنشر بأوسع معانيه يمكن أن يمكّن الجامعات من تحقيق الأثر العالمي المحتمل لبرامجها الأكاديمية بصورة أكمل، وتعزيز سمعة مؤسساتها، والاحتفاظ بصوت قوي في تحديد ما يعد إنتاجًا علميًا مهمًا ومن يستحق التقدير من الباحثين، وخفض التكاليف في بعض الحالات.
لكن شيئًا من خيبة الأمل نشأ لدى المكتبات في السنوات التالية بشأن نجاح الاستثمارات الأولى في برامج النشر. فمع أن 55% من المكتبات الأمريكية الشمالية المستجيبة لمسح عام 2012 أفادت بأنها تطور برامج نشر أو تنفذها، كانت غالبيتها صغيرة للغاية [10].
نشأت برامج النشر المكتبي الأولى عادة بأهداف طموحة وغير محددة جيدًا لإعادة هيكلة منظومة الاتصال العلمي كلها، وغالبًا ما ارتبطت بتحدي الهيمنة التجارية على سوق الدوريات. ولأنها لم تحقق هذا الوعد، توارى نشاطها نسبيًا عن الأنظار.
لكن يمكن القول إن ثورة أكثر هدوءًا كانت تحدث بالفعل، وأكثر توافقًا مع احتياجات الباحثين ومجتمعات الحرم الأخرى إلى حل مشكلات الأدبيات الرمادية. ومع أن النشاط يكمل حاليًا أدوار بقية منظومة النشر، فإن علاقات الثقة التي تنشأ داخل الجامعة عند التعامل مع التقارير التقنية ووقائع المؤتمرات وغيرها تتيح للناشرين المكتبيين، وخاصة المتعاونين مع دور النشر الجامعية، إمكانات مهمة للارتقاء في سلسلة القيمة.
وسيكون نشر الكتب والدوريات وغيرها من الأشكال الأكثر رسمية، مع روابط غنية إلى الأدبيات الرمادية التقليدية ومجموعات البيانات التي لاقت إهمالًا مشابهًا، امتدادًا منطقيًا للنشاط الراهن. وربما يكون زمن الجامعة بوصفها ناشرًا قد اقترب أخيرًا.
مراجع الأصل:
1. Candee C H Withey L, Publishing Needs and Opportunities at the University of California. Report of the SLASIAC Task Force, 2007, Los Angeles: University of California: http://libraries.universityofcalifornia.edu/groups/files/slasiac/docs/Publishing_Task_Force_DRAFT_18_Oct_07.pdf (accessed 21 May 2014).
2. Konkiel S Scherer D, New Opportunities for Repositories in the Age of Altmetrics, Bulletin of the American Society for Information Science and Technology, 2013, 39(4), 22–26: http://dx.doi.org/10.1002/bult.2013.1720390408
3. Lippincott S, Library Publishing Directory 2014, 2014, Atlanta, Library Publishing Coalition: http://www.librarypublishing.org
4. The proceedings of the conference will be reported in Davis-Kahl S Schlosser M, eds. Library Publishing, Special Issue of the Journal of Librarianship and Scholarly Communication, forthcoming November 2014.
5. Newton M P Bullock D M Watkinson C Bracke P J Horton D K, Engaging New Partners in Transportation Research, Transportation Research Record, 2012, 2291(1), 111–123: http://dx.doi.org/10.3141/2291-13
6. A short video created by the Joint Transportation Research Program illustrates the global impact of their reports compellingly, http://dx.doi.org/10.5703/1288284315344 (accessed 21 May 2014).
7. Scherer D Purple K, The Best of Both Worlds: Creating a Continuum of Publishing Services for Purdue University. Poster presented at the Library Publishing Forum, Kansas City, MO, March 2014: http://dx.doi.org/10.7710/2162-3309/lpf.1016 (accessed 21 May 2014).
8. Weiner S A Watkinson C, What Do Students Learn from Participation in an Undergraduate Research Journal? Results of an Assessment, Journal of Librarianship and Scholarly Communication, 2(2), 2014: http://dx.doi.org/10.7710/2162-3309.1125 (accessed 22 May 2014).
9. Brown L Griffiths R J Rascoff M Guthrie K, University Publishing in a Digital Age, 2007, New York, Ithaka: http://www.sr.ithaka.org/research-publications/university-publishing-digital-age (accessed 21 May 2014).
10. Mullins J L Rust C M Ogburn J L Crow R Ivins O Mower A Watkinson C, Library Publishing Services: Strategies for Success: Report on a Research Project Conducted by the Libraries of Purdue University, Georgia Institute of Technology, and University of Utah, 2012 Washington, DC, Scholarly Publishing and Academic Resources Coalition. Accessible at: http://docs.lib.purdue.edu/purduepress_ebooks/24/ (accessed 21 May 2014).
البيانات الببليوجرافية للمقال الأصلي:
Watkinson, Charles. (2014). The university as publisher revisited. Insights, 27(2), 181–185. https://doi.org/10.1629/2048-7754.131
تاريخ نشر الأصل: 2014-07-07. ترجمة عربية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي ضمن استكمال أرشيف المجلة. حقوق الأصل للمؤلفين المذكورين. ترخيص النص والترجمة: المشاع الإبداعي نَسب المصنَّف (CC BY 4.0). تُرجم النص كاملًا وحُفظت المراجع العشرة. أُثبت مضمونا تعليقي الشكلين نصيًا دون نقل الرسمين، ولم تُكرر الاقتباسات الجانبية أو صورة المؤلف. العناوين الفرعية العربية تنظيم تحريري لا يغير ترتيب المتن.
https://creativecommons.org/licenses/by/4.0/