مقدمة:
تهدف هذه المقالة في حولية ThinkEPI إلى تأمل الفرص المتاحة لاختصاصيي المعلومات والتوثيق بعد إقرار المواصفة الجديدة «ISO 9001:2015 نظم إدارة الجودة: المتطلبات». ففي السنوات المقبلة، يتعين على أكثر من مليون شركة في 187 دولة التكيف مع المتطلبات الجديدة إذا أرادت الاحتفاظ بشهادة المطابقة للمواصفة الفنية للجودة. ولدينا الكثير لنقدمه في بندين منها: 7.1.6 الخاص بإدارة المعرفة، و7.5 المتعلق بالمعلومات الموثقة.
شاركت، في الربع الأول من 2016، في مشروع لتكييف نظام إدارة الجودة لشركة هندسية متعددة الجنسيات مع المواصفة الجديدة. وتستند ملاحظاتي إلى هذه التجربة؛ إذ أتاحت الظروف السابقة وعمل فريق متعدد التخصصات اجتياز التدقيق بنجاح والحصول على الشهادة خلال ثلاثة أشهر.
1. إدارة المعرفة التنظيمية لا تتحقق بين يوم وليلة
يعد البند 7.1.6 الخاص بإدارة المعرفة التنظيمية أكثر جوانب ISO 9001:2015 جدة؛ لأنه لم يرد في الإصدارات السابقة (ISO, 2015a). وتتحدد متطلباته في ثلاث نقاط (Aenor, 2015b): تحديد المعارف اللازمة لتشغيل عمليات أعمال الشركة ولمطابقة منتجاتها وخدماتها؛ وإدارة تلك المعارف للمحافظة عليها وإتاحتها لمن يحتاجونها داخل المنظمة؛ ووضع آليات، تراعي السياق المتغير، لتحديث المعارف القائمة والحصول على المعارف الإضافية المطلوبة.
أتاحت الخطوات التي سبق أن قطعتها الشركة توثيق امتثالها لهذه المتطلبات بهذه السرعة. وكانت مفاتيح النجاح كما يأتي.
دعم الإدارة: في 2013، دفع مدير بعيد النظر إلى إدخال إدارة المعرفة في المنظمة وقادها بمنهج عملي. وكانت الشركة تملك بالفعل نظام إدارة متكاملًا، وحصلت على شهادات ISO 9001:2008 للجودة، وISO 14001 للإدارة البيئية، وISO 50001 لإدارة الطاقة، وOHSAS 18001 للوقاية من المخاطر المهنية.
ضغط السوق: أصبحت إدارة المعرفة في السنوات الأخيرة عاملًا تنافسيًا؛ إذ تشترط مناقصات المشروعات الكبرى الدولية أن تقدم الشركات المتنافسة ممارساتها في هذا المجال وتثبتها. كذلك كانت أعمال المراجعة التي تنفذها اللجنة الفنية ISO/TC 176/SC2/N1284 تنبئ بالأهمية التي سيكتسبها هذا الجانب في عائلة ISO 9000 الجديدة. وسهّل هذا الضغط استيعاب المنظمة لأهمية إدارة المعرفة.
تحديد المسؤوليات بوضوح: أُنشئت في 2013 وحدة تنظيمية خاصة بإدارة المعرفة على المستوى الإداري، وبدأ اختيار من يتولى مسؤوليتها. وقد ظل نوع الاختصاصي الذي ينبغي أن يقود إدارة المعرفة محل تنازع: أهو من اختصاصيي الموارد البشرية، أم الحوسبة، أم إدارة المعلومات والتوثيق؟ في الشركة محل التجربة، أُعطيت الأولوية لمشاركة المعرفة المتاحة بربط المعلومات بالوسائل التقنية والأشخاص، فأسندت قيادة المشروع إلى اختصاصي معلومات مؤهل.
تعريف نموذج وخطة عمل: شُكّل فريق من موظفين داخليين، بدعم مستشارين خارجيين، عمل منذ البداية على تعريف استراتيجية لإدارة المعرفة تتسق مع أهداف الأعمال وتصحبها خطة تنفيذ. وتمثل التحدي، من ناحية، في إشراك المستفيدين النهائيين وفهم احتياجاتهم ونقلها إلى مسؤولي تقنية المعلومات لتطبيق الأدوات اللازمة؛ ومن ناحية أخرى، في إدماج الإسهام والمشاركة عنصرًا ضمن إدارة الموارد البشرية وتقييمها.
إدارة التغيير والتدريب: اتضح أن التطبيق الفعال لإدارة المعرفة يحتاج إلى قدر كبير من التدريب والتوعية ومساندة المستفيدين في البداية. واستندت الإجراءات هنا أيضًا إلى التقنية، ونُسقت مع إدارة الموارد البشرية، وأُدرجت في إطار سياسة الشركة للتدريب والحوافز.
حين اتُخذ قرار تكييف نظام الإدارة القائم مع ISO 9001:2015 في 2016، كان العمل الأساسي قد أُنجز. ولم يبق إلا توثيق الموجود، وتنظيم المؤشرات، وترتيب أدلة الإجراءات المنفذة لتيسير إتاحتها للمدققين.
ولعل هذه التجربة لا تمثل الممارسة العامة؛ فالشركات الكبيرة التي طبقت نظم إدارة المعرفة عمليًا قليلة. أما معظم المشروعات الصغيرة والمتوسطة فعليها البدء من الصفر للامتثال الحقيقي. ويعني الامتثال الحقيقي ألا تقتصر على كتابة إجراء «وهمي» لاجتياز التدقيق، بل اتخاذ ما يلزم لتصبح إدارة المعرفة ممارسة منتظمة في المنظمة، كما يوضح Fry (2015).
ويتطلب ذلك أن تدرك الإدارة أهمية المعرفة موردًا رئيسًا للشركة، ومن ثم ضرورة إدارتها وتحديد المسؤوليات عنها؛ وتصميم نموذج لإدارة المعرفة وتعريفه؛ وتنفيذ إجراءات لإدارة المعرفة تنفيذًا فعليًا موجّهًا إلى النتائج.
ينبغي أن يتولى إدارة المعرفة اختصاصيون مؤهلون. ويمكن لاختصاصي المعلومات أن يكون عنصرًا أساسيًا في الجوانب الاستراتيجية لتعريف نماذج الإدارة، وفي التواصل بين المستفيدين وقطاعات تقنية المعلومات والاتصالات، وفي مساندة إدارة التغيير.
2. المعلومات الموثقة أفضل مع نظام للوثائق
شهدت طريقة توثيق نظام إدارة الجودة تغيرًا مهمًا أيضًا في ISO 9001:2015؛ إذ استُبدل بالبندين السابقين «ضبط الوثائق» و«ضبط السجلات» البند 7.5 «المعلومات الموثقة».
وهذا التغيير في التسمية مهم؛ لأنه يوضح الحدود الملتبسة بين document وrecord المستخدمين في المواصفات السابقة. ويشكّل تعريف المعلومات الموثقة بأنها «المعلومات التي يتعين على المنظمة ضبطها والمحافظة عليها، والوسيط الذي يحتويها» جزءًا من الهيكل عالي المستوى HLS المشترك بين مواصفات نظم إدارة ISO، المعروفة باختصار MSS. ويصحب التعريف في البند 3.8 من ISO 9000:2015 إيضاحان.
الإيضاح الأول: يجوز أن تكون المعلومات الموثقة بأي شكل وعلى أي وسيط، وأن تأتي من أي مصدر.
الإيضاح الثاني: قد تشير المعلومات الموثقة إلى نظام إدارة الجودة، بما فيه العمليات ذات الصلة؛ أو المعلومات المنشأة لتشغيل المنظمة، أي الوثائق؛ أو الأدلة على النتائج المحققة، أي السجلات.
وفي الدليل الذي أصدرته ISO لتيسير الانتقال إلى 9001:2015 (ISO, 2015b)، تؤكد المنظمة أن المواصفة تتطلب «نظامًا موثقًا لإدارة الجودة»، ولا تتطلب «نظامًا لإدارة الوثائق». ومعنى ذلك أن على كل منظمة تحديد المعلومات الموثقة اللازمة لإثبات فعالية تخطيط عملياتها وتشغيلها وضبطها، وتنفيذ نظامها والتحسين المستمر لفعاليته.
ومع ذلك، تتطلب المعلومات الموثقة في الممارسة إدارة وضبطًا للمحافظة على إتاحتها وملاءمتها للاستخدام حيثما ومتى احتيج إليها، وضمان حمايتها من فقدان السرية أو السلامة أو الاستخدام غير الملائم.
تبيّن لي عمليًا أن إدارة الوثائق في الشركات، حين تُعالج بطريقة منتظمة ومهنية، تجعل المحافظة على متطلبات المعلومات الموثقة أسهل كثيرًا. أما إنشاء أقسام وثائقية معزولة لاستيفاء تدقيق الجودة، فيعرقل الوصول إلى المعلومات والمعرفة، ويسهم في تعدد النسخ ونشوء صوامع معلومات تطبق عليها منهجيات ومعايير متباينة.
في الشركة المرجعية، كانت الوثائق والسجلات اللازمة للمحافظة على المطابقة في تدقيق نظام الإدارة المتكامل مضبوطة. لكن ذلك لم يحل الاحتياجات العامة لإدارة المعلومات الموثقة لعمليات الأعمال. ولذلك تقرر تطبيق نظام مؤسسي لإدارة الوثائق، يؤدي دور المستودع الواحد للمنظمة كلها.
وتولت وحدة إدارة المعرفة قيادة الإدارة الوثائقية، فعرّفت نموذجًا يستند إلى خريطة عمليات المنظمة، وأعطت الأولوية لالتقاط المعلومات الموثقة للمشروعات التي تمثل جوهر معلومات الشركة ومعارفها. واستلزم حجم الوثائق الكبير خطة أولويات. وحين بدأ الانتقال إلى ISO الجديدة في 2016، لم يكن الهدف النهائي لتطبيق النموذج الوثائقي على الشركة كلها قد تحقق بنسبة 100% بعد.
لذلك لزم، في بعض الحالات، الإبقاء على المعلومات الموثقة لنظام الجودة منفصلة. لكن ما أُنجز من تنظيم وهيكلة وتوحيد في نظام إدارة الوثائق كان شديد الفائدة في التكيف مع المتطلبات الجديدة. وأسهم التعاون الوثيق بين اختصاصيي المعلومات والقطاع القائد لنظام الإدارة المتكامل في نجاح التدقيق وسرعة الحصول على الشهادة الجديدة.
3. على اختصاصيي المعلومات تقديم قيمة
إذا أردنا، نحن اختصاصيي المعلومات، أن يكون لنا حضور في هذا التجديد الذي ستشهده الشركات للتكيف مع المواصفة الجديدة، فعلينا تقديم ثلاث قيم مهمة.
نحن خبراء في المادة التي تتناولها إدارة المعرفة: تشير ISO 9001:2015 إلى أن المعرفة قد تستند إلى مصادر داخلية، كالبراءات والدروس المستفادة ونتائج العمليات والتحسينات والتقاط المعارف غير المصرح بها؛ وإلى مصادر خارجية، كالمواصفات والمنشورات ومعارف الموردين. وهذه هي المادة الأساسية التي طالما عمل عليها اختصاصيو المعلومات.
لا يصح التعامل مع تطبيق إدارة المعرفة في الشركات بوصفه مشروعًا تقنيًا فقط، ولا من منظور الموارد البشرية وحده. فهو يحتاج إلى إسهامنا بمنهج استراتيجي ومنهجيات لمعالجة المعلومات وإدارتها، مع التحالف الضروري مع قطاعي التقنية والموارد البشرية. ولا شك في أن التقنية يجب أن تكون سندًا أساسيًا للوصول إلى المعارف ومشاركتها وإدارتها؛ وأن تدمج قطاعات الموارد البشرية جوانب التدريب والتقييم والمكافأة والتطور المهني المرتبطة باستراتيجية إدارة المعرفة في الشركة.
نحن خبراء في إدارة الوثائق: تتيح نظم إدارة الوثائق دمج المعلومات الموثقة لجميع عمليات المنظمة تحت ممارسات حوكمة ومنهجيات عمل مشتركة، وخدمة جميع العمليات أو ما يدخل منها ضمن نطاق نظم الإدارة الخاضعة للتدقيق. ويوفر تطبيق هذه النظم سندًا قويًا لاستيفاء متطلبات نظم الإدارة المتكاملة، ويسهم في تقليص صوامع المعلومات وتحقيق التغير في الممارسات المعلوماتية الذي يتطلبه أي تحول رقمي.
نحن نتحدث لغة نظم الإدارة: لدينا خبرة طويلة في تطبيق نظم إدارة الجودة في المكتبات ودور الأرشيف ومراكز التوثيق. ومنذ 2011، لدينا مواصفة من مواصفات نظم الإدارة لإدارة الوثائق هي ISO 30301 (Aenor, 2015a). ولذلك نستطيع مخاطبة مسؤولي الجودة أو نظم الإدارة المتكاملة بالشركة باللغة نفسها، وتقديم منهج يجمع بين احتياجات إدارة المعلومات والمعرفة ومتطلبات ISO 9001:2015 أو غيرها من مواصفات الإدارة (Lloveras, 2014).
وختامًا، ينبغي أن نكون قادرين، في إدارة المعلومات الموثقة وإدارة المعرفة معًا، على تقديم أفضل الممارسات المهنية؛ وفهم المنظمات وكيفية عملها بعمق؛ ومعرفة ممارسات مواصفات نظم إدارة ISO ومتطلباتها؛ والحفاظ على التواصل مع قطاعات الأعمال المختلفة وفيما بينها؛ والفهم العميق للمتطلبات التقنية لإدارة المعلومات والمعرفة؛ والعمل الجماعي؛ وحل الصعوبات؛ والإقناع والتيسير عند مساندة موظفي المنظمة المحتاجين لذلك.
يزيد التحول الرقمي الحاجة إلى اعتماد ممارسات إدارة المعرفة والمعلومات الموثقة. ويمثل اعتماد المواصفات والمعايير الدولية للإدارة، مثل ISO 9001:2015، رافعة تسرّع التغيير. والتحدي هو مجاراة هذه التحولات بإيقاع متطلبات الأعمال، الأمر الذي يستلزم تعاونًا أوثق بين جميع الأطراف. وعلينا، نحن اختصاصيي المعلومات، الانتباه الشديد لنكون حاضرين في هذا التحول.
المراجع
- إليسا غارثيا موراليس، Inforárea، garcia-morales@inforarea.com.
- Aenor (2015a). Guía para implementar el apartado “información documentada” usando los procesos y controles de ISO 30301:2011 sistemas de gestión para los documentos. ISO/TC46/SC11. http://www.iso30300.es/wp-content/uploads/2016/03/ISO-TC46-SC11-WG8_Documento_explicativo_Informacion_documentada_ES_vf.pdf
- Aenor (2015b). Sistemas de gestión de la calidad. Requisitos. UNE-EN ISO 9001:2015. http://www.aenor.es/aenor/normas/normas/fichanorma.asp?tipo=N&codigo=N0055469#.WDlVn6LhAUF
- Fry, Ian (2015). “Knowledge Management and ISO 9001:2015”. Systems thinking, 14 October. https://realkm.com/2015/10/14/knowledge-management-and-iso-90012015/
- ISO (2015a). Correlation matrices between ISO 9001:2008 and ISO 9001:2015. ISO/TC 176/SC2/N1286. www.iso.org/tc176/sc02/public
- ISO (2015b). Guidance on the requirements for Documented Information. ISO/TC 176/SC2/N1286. www.iso.org/tc176/sc02/public
- Lloveras, María-Rosa (2014). “Cómo cumplir los requisitos de control de la información documentada (documentos) de los sistemas de gestión ISO a partir de la norma ISO 30301:2011 de gestión para los documentos”. Forum calidad, n. 256, pp. 6-13, noviembre. https://goo.gl/R4lr33