مقدمة:
ازدهرت البرمجيات المفتوحة المصدر منذ التسعينيات، وتسارع انتشارها حتى أصبحت من التيار السائد. وصار فهمها عالميًا أوسع من أي وقت مضى. ويسميها بعضهم البرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر لإبراز الحرية. وفي مؤتمر OSCON عام 2014، بحسب افتتاحية الأصل، برز الحديث عن «المصدر الداخلي»، أي استخدام مبادئ المصدر المفتوح داخل الشركة. وأثار ذلك أسئلة: ما أوجه التشابه والاختلاف، وما الأدوار المؤسسية المرتبطة بهما، وهل يسحب المصدر الداخلي الطاقة من المصدر المفتوح؟ ولأن مؤسستنا تمارس النهجين وتشارك في الحركتين، أريد مشاركة رؤيتي للمطورين والشركات ومحبي المصدر المفتوح.
لنجاح المصدر المفتوح عنصران رئيسان. أولهما التراخيص التي تدعم توزيع الشفرة المصدرية مع الملفات التنفيذية بحرية، ليستعملها الناس في الأغراض التي يريدونها. وتصف الكاتبة انتشار رخصة غنو العمومية في التسعينيات بأنه ثوري: البرنامج متاح دون مقابل، ومصدره معه، دون قيود على أغراض الاستخدام. وساعد ذلك على انتشار مشروعات مثل لينكس وسرعة الابتكار.
والعنصر الثاني المهم هو طريقة نمو البرمجيات وتطويرها داخل مجتمع لا ينتمي أفراده عادة إلى مؤسسة واحدة أو موقع جغرافي واحد، بل يجتمعون لإيمانهم بحل المشروع أو رسالته. ولأنهم يأتون من ثقافات تطوير مختلفة، اضطروا إلى تطوير قواعد للتواصل واتخاذ القرارات ومراجعة المساهمات الجديدة. وتقنين عمل فرق متباعدة دون انتمائها إلى المؤسسة نفسها أمر فريد وقوي، ويُسمى «التطوير التعاوني».
ليست جميع المجتمعات فعالة، لكن الناجحة في التعاون تشترك غالبًا في عناصر. أولها الحوكمة: تحديد القرارات والأدوار والمراجعات والاجتماعات والرسالة والميزانيات والهياكل التنظيمية. وثانيها التواصل عبر المناطق الزمنية والثقافات والمؤسسات؛ مثل توثيق القرارات في قائمة بريدية بدل الاكتفاء بنقاش مباشر، ومنح المشاركين 24 إلى 48 ساعة للمراجعة والرد، مراعاة لاختلاف ظروف العمل والتوقيت.
وثالثها الأدوات المشتركة، فالمراجعة والتواصل ضروريان، وتدمج أدوات مثل GitLab وGitHub ممارسات تسهّل العمل بين الفرق. ورابعها المعمارية: تقسيم المشروع إلى مكونات وواجهات برمجة وأنظمة فرعية بما يزيد المشاركة؛ فلا يحتاج الجميع إلى معرفة كل شيء، ولا يؤدي كل تعديل إلى تغيير المشروع بأكمله.
واستجابة للتحديات الرقمية وتوقعات العملاء المتغيرة، غيّرت المؤسسات، وخصوصًا خارج قطاع موردي التقنية، طريقة بناء منتجاتها وخدماتها والتعامل مع العملاء. ومع جائحة 2020 انتقل كثير منها إلى العمل الافتراضي، وسرّع خطط التحول لتلبية احتياجات السوق والعملاء، أو لاقتناص فرص جديدة والتكيف مع تغير استخدام الخدمات. ووجدت الفرق التي اعتمدت على القرب المكاني وأحاديث الممرات أنها تحتاج إلى تغيير عملها. وأدرك كثير منها إمكان الاستفادة من نموذج المصدر المفتوح في التعاون البعيد الفعال.
وحتى قبل الجائحة، كانت خطط التحول المبكرة قد دفعت الشركات إلى تبني المصدر المفتوح وفهم فوائد الابتكار المفتوح. وأدت الحاجة إلى السرعة وخفض التكلفة وكسر العزلة بين الوحدات وإعادة الاستخدام بدل إعادة الاختراع إلى توسيع التطوير التعاوني والمجتمعي داخل جدران الشركة.
ويمكن تطبيق فوائده في التعاون بين الجهات المتباعدة، وإنشاء ثقافة مؤسسية أكثر انفتاحًا وتعاونًا، وبناء مجتمعات حول الاهتمامات والمشكلات المشتركة.
وتختلف طريقة التطوير التقليدية داخل الشركات كثيرًا عن النموذج التعاوني المفتوح. فبسبب الميزانيات والهياكل والحوافز، تعمل الفرق منعزلة بتوجيه من أعلى، ودون حافز للمشاركة عبر المؤسسة. وغالبًا تتبع الفرق وحدة واحدة، فيضعف توثيق القرارات والاستفادة من الخبراء الموجودين في بقية الشركة.
وقد جربت مؤسسات كثيرة التطوير التعاوني منذ مدة. ففي كومكاست سُمّي «المصدر المؤسسي». وتذكر الكاتبة أن تيم أورايلي، مؤسس دار أورايلي ورئيسها التنفيذي وناشرها، صاغ مصطلح المصدر الداخلي عام 2001. وتروي المقابلة المشار إليها معه كيف صاغه، وكيف رأى أن قابلية تجزئة الشفرة والوصول إليها حافز كبير للتعاون، ربما أكبر من الترخيص نفسه، وسماه «معمارية المشاركة».
وتذكر كذلك أن دانيس كوبر، التي كانت تدير مكتب برامج المصدر المفتوح في باي بال، عرضت المصطلح في OSCON عام 2015، وشرحت ما فعلته الشركة لكسر الحواجز وتشجيع التعاون. وأُنشئت مؤسسة InnerSource Commons غير الربحية لتبادل التجارب والأنماط والممارسات الجيدة.
ويعرّف كتاب «تبني المصدر الداخلي» الصادر عن أورايلي المفهوم بأنه تكييف لممارسات المصدر المفتوح مع شفرة تظل احتكارية ولا تُرى إلا داخل مؤسسة واحدة أو مجموعة صغيرة من المؤسسات المتعاونة؛ فهو تطور يستند تاريخيًا إلى حركة المصدر المفتوح واتجاهات برمجية أخرى.
أكبر التشابهات يتعلق بنموذج التطوير التعاوني. فالعمل بين فرق المؤسسة على شفرة مشتركة تغيير ثقافي للمؤسسات التقليدية، ويحتاج النهجان إلى رعاية ودعم من الإدارة العليا للازدهار.
وأكبر الاختلافات هو الدافع إلى بدء المشروع. فكثيرًا ما يبدأ المشروع المفتوح لأن شخصًا يريد حل مشكلة تقنية تؤرقه. أما المصدر الداخلي فقد ينطلق لسبب مؤسسي أشمل، مثل تمكين فريق آخر من العمل بكفاءة على منصة، أو تقليل ازدواج الجهد. وتفتح بعض المؤسسات جميع مستودعاتها افتراضيًا لمن في الشركة للاطلاع والاستخدام والتعاون. ومن الدوافع المهمة أيضًا تجربة المشروع داخليًا قبل فتحه للجمهور، لصقل استراتيجية التعاون وممارساتها.
ويعجبني نموذج باي بال الذي جمع النهجين داخل وحدة تنظيمية واحدة، لما بينهما من ممارسات ومهارات وأدوات مشتركة. وفي كومكاست يوجد الاثنان في مكتب برامج المصدر المفتوح. وأنشأ فريق المصدر الداخلي رابطة تضم ممثلين للمعمارية والأمن والقيادة لتطوير الممارسة وحوكمة المشروعات. ويمكن الاستماع إلى بريتاني إستينيس، مديرة برامج المصدر المفتوح وقائدة المصدر الداخلي في الشركة، وهي تشرح تجربة الرابطة والتوسع، في قمة InnerSource Commons لخريف 2020.
ومع أن بعضهم ينتقد الحركة باعتبارها تشتت الانتباه عن المصدر المفتوح، فإنها في الواقع سرّعت انتشار ممارساته التعاونية داخل المؤسسات. فمعظم الشركات تستخدمه، لكن قليلًا منها انخرط عميقًا في المجتمعات أو فهم التعاون المفتوح. وأدى تطبيق النموذج على العمل التنظيمي والمنتجات في كومكاست إلى فهم أعمق وممارسات أفضل. وأرى مسارًا طبيعيًا نحو مزيد من المساهمات والانخراط في المجتمعات المفتوحة، كلما اكتسبت الفرق الثقة بالتعاون الداخلي.
وأيًا كان الاسم، فزيادة التعاون داخل الشركة أمر جيد، وهي تؤدي غالبًا مباشرة إلى تحسين التطوير والتوثيق وتهيئة المنضمين والإرشاد. ولمزيد من المعلومات، يقدم innersourcecommons.org محاضرات لشركات تطبق النهج، ومنها كومكاست. وأعتقد أن المصدر الداخلي هو المرحلة التالية من تطور المصدر المفتوح.
ملاحظة تحريرية: يذكر الأصل 2014 في افتتاحيته و2015 عند وصف عرض OSCON لاحقًا؛ أُبقيت النسبتان مع التنبيه إلى عدم اتساقهما، دون اعتماد أيهما تاريخًا محققًا لأول ظهور للمفهوم. كما أن إتاحة المصدر داخليًا لا تجعل ترخيصه مفتوح المصدر للجمهور، وهو تمييز أساسي في المقال.
المراجع
- https://www.redhat.com/en/services/training/rh024-red-hat-linux-technical-overview?intcmp=7016000000127cYAAQ
- https://www.youtube.com/watch?v=2HR0D8_tKoA&t=573s
- https://www.youtube.com/watch?v=r4QU1WJn9f8
- https://innersourcecommons.org/
- https://www.oreilly.com/library/view/adopting-innersource/9781492041863/ch01.html
- https://www.youtube.com/watch?v=RenQ8B7aX84
- https://innersourcecommons.org