مجلة المعلوماتية مجلة المعلوماتية
حيث تلتقي المعرفة بالتقنيةمجلة فصلية في علوم المعلومات والمكتبات والتقنية

كيف تختار ترخيص برمجيتك العلمية؟ دليل للباحثين المبرمجين

A Quick Guide to Software Licensing for the Scientist-Programmer

العددالعدد 41
تاريخ النشر
عدد القراءات1
اقتباس
مشاركة

الملخص:

يشرح المقال أهم خيارات ترخيص البرمجيات العلمية، من التراخيص الاحتكارية إلى البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر والترخيص الهجين. ويوضح الفروق بين التراخيص المتساهلة وتراخيص الحقوق المتروكة، ومسائل توافق التراخيص، وعلاقة الانفتاح بالاستغلال التجاري. كما يقدم خطوات لاختيار الترخيص وتطبيقه بالتعاون مع مكتب نقل التقنية في المؤسسة، مع بيان دور حقوق المؤلف وبراءات البرمجيات.

الكلمات المفتاحية: تراخيص البرمجيات، البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر، الحقوق المتروكة، مكاتب نقل التقنية، البرمجيات العلمية

محتويات المقالة
  1. لماذا تُعد تراخيص البرمجيات مهمة:
  2. ترخيص البرمجيات في البيئات الأكاديمية والبحثية:
  3. أنواع تراخيص البرمجيات:
  4. الترخيص الاحتكاري:
  5. ترخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر:
  6. الترخيص الهجين:
  7. مصطلحات ومفاهيم وأمثلة مفيدة لفهم تراخيص البرمجيات:
  8. المصدر المفتوح مقابل المصدر المغلق:
  9. المتساهلة مقابل الحقوق المتروكة:
  10. توافق التراخيص وتعددها واتجاه استخدامها:
  11. التراخيص المعيارية والتراخيص المصممة خصيصًا:
  12. البرمجيات الهجينة ومتعددة التراخيص:
  13. تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر والاستغلال التجاري:
  14. اختيار ترخيص البرمجيات:
  15. تطبيق ترخيص على برمجيتك:
  16. تعقيد براءات البرمجيات:
  17. ترخيص البرمجيات والثقافة المفتوحة للعلم:
  18. تعليق تحريري:
  19. المراجع:

تدخل الحوسبة في جميع مجالات البحث العلمي، وتتيح البرمجيات للعلماء الاستفادة من قدرات الحواسيب، وكثير منها يصممه باحثون ويطورونه. لكن تطوير البرمجية العلمية لا ينتهي بنشر النتائج التي أنتجتها؛ إذ إن إتاحتها للباحثين الآخرين لفحصها واستخدامها ضرورية لإعادة إنتاج النتائج والتحكيم العلمي والبناء على الأعمال السابقة [1]، [2]. ولذلك يحتاج الباحث المبرمج، إلى جانب كفاءته العلمية والبرمجية، إلى فهم الخيارات القانونية لترخيص عمله. وقد تربك تعقيدات الترخيص حتى المبرمجين المتمرسين. وتساعد مكاتب نقل التقنية ((technology transfer offices)، (TTOs)) في المؤسسات على معالجة هذه المسائل، لكن اختلاف التوقعات أو تفاوت المعرفة المتخصصة قد يحد من فاعلية التعاون بين الباحثين وموظفيها.

ومن واقع عملنا في الحوسبة العلمية وقانون التقنية، لمسنا ما يحيط بترخيص البرمجيات العلمية من التباس وصعوبات. فشبكة (SBGrid.org) تجمع مطوري البرمجيات العلمية ومستخدميها في مئات مختبرات البحوث الطبية الحيوية حول العالم، ونساعد من خلالها على نشر البرمجيات واستخدامها، والربط بين مطوريها ومستخدميها. كما تعمل عيادة صامويلسون للقانون والتقنية والسياسات العامة مع المطورين وغيرهم من المبدعين في قضايا الترخيص، وخصوصًا ما ييسر الوصول المفتوح إلى المواد العلمية والتقنية والإبداعية. ونقدم هنا دليلًا يركز على احتياجات الباحث مطور البرمجيات، لمساعدته على التعاون مع مكتب نقل التقنية في مؤسسته عند اختيار الترخيص المناسب.

لماذا تُعد تراخيص البرمجيات مهمة:

يحدد ترخيص البرمجيات الشروط التي يجوز بموجبها استخدام البرنامج وتعديله وتوزيعه. وهو يستند إلى الحماية التي يمنحها حق المؤلف تلقائيًا للأعمال الأصلية، ويتكون أساسًا من أذونات رسمية يمنحها صاحب الحق، وقد تقترن بشروط للاستخدام. ويشكل الترخيص جزءًا مهمًا من الاتفاق الملزم قانونًا بين مؤلف البرنامج، أو مالك حقوقه، والمستخدم النهائي.

ومن دون اتفاقية ترخيص، قد تبقى البرمجيات في حالة من عدم اليقين القانوني، لا يعرف فيها المستخدمون المحتملون القيود التي قد يرغب المالكون في فرضها، وقد يعرّض فيها المالكون أنفسهم لدعاوى قانونية أو يجدون صعوبة في التحكم في كيفية استخدام أعمالهم. ويصدق هذا بالقدر نفسه على البرمجيات التي تُسوَّق تجاريًا وتُعرض مقابل رسوم، والبرمجيات التي تُتاح للآخرين دون مقابل. وبينما كثيرًا ما ينفر المستخدمون النهائيون من تراخيص البرمجيات المفرطة في التقييد، فإن عدم اليقين الناجم عن غياب أي ترخيص قد يثبط أيضًا من يرغبون في استخدام شفرة ما. ومن المهم ملاحظة أن التراخيص يمكن أن تُستخدم لتيسير الوصول إلى البرمجيات كما يمكن أن تُستخدم لتقييده.

ترخيص البرمجيات في البيئات الأكاديمية والبحثية:

لا يصح منح الترخيص إلا ممن يملك حقوق الملكية الفكرية للعمل. وفي معظم المؤسسات الأكاديمية والبحثية، لا يملك الباحث الذي يطور برمجية بالضرورة كامل حقوقها؛ فغالبًا ما تملك المؤسسة هذه الحقوق أو تشارك فيها. وتختلف السياسات المؤسسية، لكن المؤسسة تكون في أغلب الحالات الجهة التي تمنح الترخيص المختار. ومع أن كثيرًا من تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر يسهل فهمها وتطبيقها دون تخصص قانوني، فإن استشارة مكتب نقل التقنية في المؤسسة تظل ضرورية عمومًا قبل اعتماد الترخيص. وسنوضح لاحقًا كيفية التعاون مع المؤسسة في ذلك.

يمثل المثال المعروض النص الكامل لترخيص (BSD) ثنائي البنود [8] مع بيان حق المؤلف (في الأعلى، بين علامتي تنصيص). ونص الترخيص باللون الأسود. والنص المظلل بالأحمر هو الموضع الذي يُدرج فيه صاحب حق المؤلف الذي يطبق الترخيص بياناته الخاصة. ولا يتطلب تطبيق هذا الترخيص وكثير من تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر سوى تضمين نص الترخيص (عادة باسم «(License.txt)») في المجلد الذي يحتوي على الملف التنفيذي للبرنامج الموزَّع و/أو شفرته المصدرية.

أنواع تراخيص البرمجيات:

يمكن تقسيم استراتيجيات ترخيص البرمجيات، بصورة عامة، إلى ثلاث فئات: تراخيص احتكارية، وتراخيص حرة مفتوحة المصدر، وتراخيص هجينة تجمع بين الفئتين.

الترخيص الاحتكاري:

هذه الاستراتيجية مألوفة من اتفاقيات «النقر للموافقة» التي تحكم حزم البرمجيات التجارية. والغرض الأساسي من ترخيص البرمجيات الاحتكاري هو تقييد استخدام البرمجيات وفق استراتيجية العمل لمالك الحقوق. ونتيجة لذلك، كثيرًا ما تكون التراخيص الاحتكارية شديدة التقييد للمستخدمين النهائيين. فهي عادة لا تسمح باستخدام البرمجية إلا للغرض المعلن لها، وغالبًا على حاسوب واحد فقط، وتمنع المستخدمين من نسخ العمل أو إعادة توزيعه أو تغييره، وتحظر تحديدًا إنشاء أعمال مشتقة باستخدام أجزاء منه. والأهم أن البرامج الخاضعة لتراخيص احتكارية توزَّع عادة في صورتها الثنائية فقط، وتحظر فحص شفرة البرنامج أو الهندسة العكسية لأي جزء منه. وفي البيئات الأكاديمية، قد تُتاح الشفرة المصدرية لبرمجيات احتكارية أحيانًا «لأغراض الفحص فقط» بسبب متطلبات النشر العلمي والتحكيم العلمي (الجدول 1).

الجدول 1. ملخص لسمات مختارة لأنواع التراخيص المذكورة.

الفئة الاسم أحدث إصدار الحقوق المتروكة منح البراءة (أ) يسمح بربط الشفرة (ب) تستخدمه (ج)
البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر (BSD) 2-(Clause) لا لا نعم (Gabedit), (Chemkit), (SciPy)
(MIT) 1.0 لا لا نعم (Weblogo), (APBS)
(ECL) 2.0 لا نعم نعم (RCrane), (Sakai Project)
(Apache) 2.0 لا نعم نعم (Imagemagick), (Autodock Vina), (GenMAPP)
(MPL) 2.0 جزئي نعم نعم (Firefox), (Thunderbird)
(LGPL) 3.0 ضعيف نعم نعم (ClustalW/X), (IMP), (BioJava), (Taverna Workbench)
(GPL) 3.0 قوي نعم لا (R Project), (Perl), (Coot), (OpenBabel), (GROMACS)
الاحتكارية «المفصّل» التقليدي (د) — لا يتفاوت يتفاوت أغلب البرمجيات التي ينشئها العلماء
«للفحص فقط» (هـ) — لا يتفاوت يتفاوت يستوفي الحد الأدنى من متطلبات النشر والتحكيم العلمي
التجاري — لا لا لا (MS Windows), (iTunes), (Acrobat)
الهجينة أي تركيبة أي تركيبة يتفاوت يتفاوت يتفاوت (Pymol), (MySQL), (BDB), (Phenix)

لاحظ أن القيم الواردة في الجدول ليست سوى ملخص عام لكل سمة من سمات الترخيص، وقد لا تعكس التفاصيل الخاصة بكل ترخيص عكسًا كاملًا. (أ) يصف نص الترخيص صراحة كيفية التعامل مع البراءات المتعلقة بالبرمجية. (ب) يسمح بربط شفرات حاسوبية خاضعة لتراخيص مختلفة. (ج) أمثلة مختارة لبرمجيات شائعة تستخدم هذه التراخيص. (د) يشير إلى طائفة من التراخيص المفصّلة حسب الطلب التي تستخدمها المؤسسات الأكاديمية والبحثية تقليديًا. (هـ) ترخيص «مفصّل» تقليدي يتيح أيضًا الشفرة المصدرية لأغراض الفحص فقط.

ترخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر:

تمثل البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر (free and open source software, FOSS) نهجًا مختلفًا جذريًا في ترخيص البرمجيات. فالغاية الأساسية منها توسيع الانفتاح وتقليل العوائق أمام استخدام البرمجيات ونشرها والابتكار اللاحق عليها. وثمة طائفة واسعة من تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر الشائعة [3]، يختلف كل منها عن الآخر في بعض الجوانب المهمة، لكنها جميعًا تمنح وصولًا حرًا (بمعنى الحرية) ومفتوحًا وغير تمييزي، وحقوقًا في تعديل البرمجيات المرخصة والشفرة المصدرية المرتبطة بها. ومن المفاهيم الخاطئة الشائعة أن البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر مرادفة لـ«غير التجارية». والواقع أنه، كما يرد في أكثر تعريفين تأثيرًا للبرمجيات الحرة مفتوحة المصدر [3]، [4]، فإن «غير التمييزي» يعني أنه لا يجوز حظر أي فئة من المستخدمين أو الموزعين، بما في ذلك الكيانات التجارية الربحية. ومن ثم يمكن استغلال البرمجيات المرخصة ترخيصًا حرًا مفتوح المصدر تجاريًا، وهو ما يحدث بانتظام. ومن الفوائد المذكورة لاستراتيجية البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر الانتشار الواسع، وإسهامات المستخدمين، وسهولة التعاون [5]. ثم إن هذه التراخيص، بحكم طبيعتها المفتوحة وغير التمييزية، يمكن أن تيسر استمرار التطوير والتعاون حين ينتقل الباحثون بين المؤسسات، وحين يتعاونون عبر المؤسسات. ويمكن أن تساعد أيضًا على إطالة العمر المفيد للبرمجية إلى ما بعد مشاركة منشئيها المباشرة. ونناقش أدناه بعض الفروق المهمة بين تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر.

الترخيص الهجين:

قد لا تلبي التراخيص الاحتكارية أو الحرة مفتوحة المصدر، كل منها منفردة، احتياجات بعض المطورين. وعندئذ قد يلجؤون إلى الترخيص الهجين، أو الثنائي أو المتعدد، الذي يجمع ترخيصًا حرًا مفتوح المصدر بترخيص احتكاري مغلق. ويختار مالك الحقوق الترخيص المناسب لكل حالة. وعندما تكون الملكية وصلاحيات الترخيص واضحة، يمكن لهذا النهج أن يحافظ على بعض فوائد المصدر المفتوح، ويتيح نماذج عمل متعددة [6]. لكنه يضيف أعباء تطبيق التراخيص وإدارتها وإنفاذها، ولذلك يشيع غالبًا في مشروعات تطوير البرمجيات الكبيرة.

مصطلحات ومفاهيم وأمثلة مفيدة لفهم تراخيص البرمجيات:

المصدر المفتوح مقابل المصدر المغلق:

الشفرة المصدرية هي الصورة المقروءة للإنسان من لغة برمجة الحاسوب. ويشير «المصدر المفتوح» إلى التراخيص التي تشترط إتاحة الشفرة المصدرية للمستخدمين، وأن يتمكن المستخدمون من إعادة استخدام الشفرة وتعديلها وتوزيعها [3]. ومن دون الوصول إلى الشفرة المصدرية لا يستطيع الباحثون فحص الآليات الداخلية للبرنامج أو فهمها أو التعامل معها بفاعلية. وتزداد أهمية إتاحة الشفرة المصدرية في سياق البحث العلمي، حيث يُعد التحكيم العلمي وقابلية إعادة الإنتاج والبناء على الأعمال السابقة جزءًا لا يتجزأ من تقدم العلم. فالوصول إلى الشفرة المصدرية يساعد الباحثين على التعرف بسرعة على الأخطاء البرمجية التي قد تؤدي إلى نتائج زائفة ومعالجتها، وعلى تكييف البرامج أو أجزاء الشفرة لتلائم احتياجاتهم الفردية، ويتيح للمستخدمين الخبراء الإسهام في تطوير الشفرة بصورة غير رسمية. ووجود مجتمع نشط من مستخدمي المصدر المفتوح يشارك في صيانة قاعدة الشفرة وتحسينها يمكن أن يحرر المطور الأصلي للتركيز على التحسينات الكبرى أو الانتقال إلى مشروعات أخرى دون التضحية باستمرار فائدة البرمجية.

المتساهلة مقابل الحقوق المتروكة:

«المتساهلة» (permissive) و«الحقوق المتروكة» (copyleft) مصطلحان يُستخدمان لمقارنة الفلسفات القانونية لتراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر وسماتها بالتراخيص الاحتكارية التقليدية.

التراخيص المتساهلة هي التي تفرض أقل القيود على المستخدمين والمتبنين، وكثيرًا ما لا تشترط إلا نسبة العمل إلى منشئيه الأصليين في أي توزيع أو اشتقاق من البرمجية أو الشفرة المصدرية. فعلى سبيل المثال، يجوز دمج البرمجيات المرخصة ترخيصًا متساهلًا في برامج احتكارية «مغلقة»، دون اشتراط الإفصاح عن الشفرة المصدرية إذا وُزعت البرمجية المدمجة. وتسمى تراخيص المصدر المفتوح المتساهلة أحيانًا أيضًا تراخيص على النمط «البحثي» أو «الأكاديمي»، بسبب نشأتها في المؤسسات الأكاديمية وكثرة استخدامها فيها [7].

ومن أمثلة تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر المتساهلة الشائعة: ترخيص توزيعة برمجيات بيركلي (Berkeley Software Distribution, BSD) [8]، وترخيص (MIT) [9]، وترخيص (Apache) [10]، وترخيص المجتمع التعليمي (Educational Community License, ECL) [11]. وكثيرًا ما يُذكر ترخيصا (BSD) و(MIT) بالتبادل لتشابه صياغتهما وشروطهما تشابهًا كبيرًا يحقق أهدافًا متطابقة إلى حد بعيد. والغاية الأساسية من هذه التراخيص السماح باستخدام شفرتك وتوزيعها وتعديلها لأي غرض، مع ضمان أن تُنسب إليك بصفتك المنشئ. وترخيصا (Apache) و(ECL) مماثلان في أثرهما لترخيصي (BSD/MIT)، لكنهما يتضمنان ترخيصًا للبراءات المتعلقة بالبرمجية (وقد يكون هذا مرغوبًا أو غير مرغوب بحسب الحالة – يُنظر أدناه). ويختلف ترخيص (ECL) عن (Apache) في نطاق أضيق قليلًا للترخيص باستخدام البراءات، مراعاةً لبيئات الملكية الفكرية المعقدة في الغالب في المؤسسات الأكاديمية.

وبالنسبة للمطورين الذين يريدون ضمان الوصول الدائم إلى المصدر المفتوح لأعمالهم، تستخدم بعض التراخيص مفهوم الحقوق المتروكة (copyleft)، وهو تلاعب لفظي بكلمة «حق المؤلف» (copyright). فالحقوق المتروكة تستخدم الإطار القانوني لحق المؤلف لضمان استمرار الوصول المفتوح إلى البرمجية وشفرتها المصدرية. ويتحقق ذلك باشتراط، بوصفه شرطًا من شروط الترخيص، أن تُوزَّع أي أعمال مشتقة بشروط الترخيص نفسها التي يخضع لها الأصل. ويُشار إلى شروط الحقوق المتروكة هذه أحيانًا أيضًا بأحكام المعاملة بالمثل أو «الترخيص بالمثل» (share-alike). وبسبب متطلبات المعاملة بالمثل هذه، تُعد تراخيص الحقوق المتروكة تراخيص «مقيِّدة»، وإن كانت هذه القيود تضمن الوصول المفتوح الدائم.

ومن أمثلة تراخيص الحقوق المتروكة الشائعة: رخصة غنو العمومية (GNU General Public License, GPL) [12]، ورخصة غنو العمومية الصغرى (GNU Lesser General Public License, LGPL) [13]، ورخصة موزيلا العمومية (Mozilla Public License, MPL) [14]. وتراخيص غنو هي الأشهر بين جميع تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر، ولها مجتمع قوي من المؤيدين والمناصرين. ومن بينها، تتضمن رخصة (GPL) أقوى متطلبات المعاملة بالمثل، وتُعد ترخيص حقوق متروكة «قويًا». أما رخصة (LGPL) («(GPL) الصغرى»، في إشارة إلى متطلباتها الأضعف في الحقوق المتروكة) فهي شديدة الشبه برخصة (GPL) المشتقة منها، لكنها تسمح بالربط بشفرة احتكارية في ظروف معينة. وبالمثل، تسمح رخصة (MPL) بتطبيق الحقوق المتروكة على بعض أجزاء الشفرة دون غيرها. وتُعد رخصتا (LGPL) و(MPL) حلًا وسطًا بين الحقوق المتروكة القوية لرخصة (GPL) والتراخيص المتساهلة مثل (BSD/MIT).

توافق التراخيص وتعددها واتجاه استخدامها:

من الأهداف الأساسية للبرمجيات الحرة مفتوحة المصدر تعزيز التبادل الحر للأفكار والتقنية دون خشية التعدي على حقوق الآخرين. ومن الناحية المثالية، ينبغي أن تكون الشفرات المرخصة بشروط متقاربة الروح من تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر قابلة للدمج بحرية لإنشاء منتجات جديدة. والتوافق هو سمة تراخيص البرمجيات التي تتيح دمج شفرات البرامج. ولكي تكون شروط التراخيص متوافقة، يجب أن تخلو من المتطلبات المتناقضة أو المتنافية. وللأسف، تتضمن بعض تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر شروطًا «غير متوافقة» مع تراخيص أخرى من النوع نفسه، مما يضعف القدرة على دمج الشفرات بسهولة.

وقد تفاقم هذا الوضع المؤسف بتكاثر تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر غير المتوافقة، ويختلف كثير منها في جوانب طفيفة فقط. وقد أُنشئت مبادرة المصدر المفتوح (Open Source Initiative, OSI) [15] جزئيًا للحد من تشتت منظومة تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر الناجم عن التراخيص غير المتوافقة والمتكررة. ولذلك تشجع المبادرة بقوة على استخدام ترخيص حر مفتوح المصدر قائم بدلًا من إنشاء ترخيص جديد «مفصّل»، وتقدم تصنيفًا للتراخيص لمساعدة المطورين على تجنب التكرار [16].

وبوجه عام، كلما كان الترخيص أكثر تقييدًا كان أقل توافقًا مع التراخيص الأخرى. فالبرمجيات المرخصة ترخيصًا احتكاري لا يمكن، بحكم تصميمها، دمجها في قواعد شفرات أخرى دون اتفاقية ترخيص يُتفاوض عليها على حدة.

ويتوقف توافق التراخيص أيضًا على اتجاه دمج الشفرة: فترخيص الشفرة المأخوذة من مشروع سابق قد يسمح بإدخالها في مشروع لاحق، من دون أن يسمح بعكس هذه العملية. ويسمى ذلك التوافق في اتجاه المنبع أو المصب. فترخيص متساهل مثل (BSD) يسمح عادة بدمج شفرته في برامج تخضع لأنواع كثيرة من التراخيص، لكنه لا يسمح بأن تخضع الشفرة المستمدة من تراخيص أشد تقييدًا لشروطه المتساهلة. وبالمثل، يمكن لبرنامج مرخص بموجب (GPL) أن يضم شفرة متساهلة أو شفرة أخرى مرخصة بموجب (GPL)، لكن البرنامج الناتج يُرخص بموجب (GPL) وحده.

بوجه عام، الشفرة المرخصة ترخيصًا متساهلًا متوافقة أماميًا مع أي نوع آخر من التراخيص. غير أن التراخيص المتساهلة وحدها، مثل (BSD) و(MIT)، يمكن أن تصب في تراخيص متساهلة أخرى. والتراخيص المقيِّدة مثل (GPL) متوافقة خلفيًا مع نفسها ومع التراخيص المتساهلة، لكن يجب اعتماد الترخيص المقيِّد من ذلك الحين فصاعدًا. ويمكن للتراخيص الاحتكارية أن تدمج من المنبع شفرة مرخصة ترخيصًا متساهلًا، لكنها بحكم تعريفها غير متوافقة مع أي ترخيص آخر في المصب. ويمثل اللون الرمادي الإجراءات غير المسموح بها دون التفاوض على اتفاقية ترخيص منفصلة مع مالك الحقوق.

والاتجاهية سبب مهم يجعلك، إذا كنت تحاول دمج شفرة كتبها آخرون مع شفرتك، حريصًا على معرفة الترخيص الذي تخضع له الشفرة التي تدمجها. وعند محاولة دمج شفرات من مشروعات متعددة يخضع كل منها لنوع مختلف من التراخيص، قد تصبح مسائل التوافق شديدة التعقيد.

التراخيص المعيارية والتراخيص المصممة خصيصًا:

تأتي تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر عادة في صيغ معيارية موحدة، لا يحتاج المطور إلا إلى تطبيقها. ويساعد توحيد الشروط على توافق التراخيص وخفض تكاليف فهمها وإدارتها. أما التراخيص المصممة خصيصًا (bespoke)، فتُعد لكل مشروع على حدة. وهي تمنح تحكمًا أكبر، لكنها تتطلب موارد أكثر للإعداد والإدارة، ويزداد احتمال عدم توافقها مع تراخيص أخرى. وتندرج معظم التراخيص الاحتكارية ضمن هذا النوع.

البرمجيات الهجينة ومتعددة التراخيص:

تختلف هذه النماذج عن الترخيص الأحادي في أنها تتيح لمالكي الحقوق أن يختاروا في كل حالة على حدة التراخيص التي تخدم احتياجاتهم على أفضل وجه. ومن صور الترخيص المتعدد أن يُسمح للمستخدمين والمساهمين بالاختيار من بين تراخيص متعددة يعرضها مالك الحقوق. ومن الأمثلة الأخرى أن يبرم المالكون اتفاقيات «جانبية» منفصلة بعدم إنفاذ أحكام معينة من تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر، وغالبًا مقابل رسوم. وتقييد نطاق تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر على هذا النحو مثير للجدل داخل مجتمع المصدر المفتوح، لما فيه من التفاف جزئي على مبادئ الترخيص بالمثل.

ويُعد (MySQL) [17] و(Oracle Berkeley DB) [18] (BDB) مثالين معروفين على البرمجيات متعددة التراخيص، وكلاهما متاح مجانًا للاستخدام والتوزيع والتعديل بموجب تراخيص مفتوحة المصدر. غير أن كلًا من هذين البرنامجين يُعرض إضافة إلى ذلك مقابل رسوم بموجب تراخيص بديلة أكثر ملاءمة لاستراتيجيات العمل الاحتكارية.

تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر والاستغلال التجاري:

من المفاهيم الخاطئة الشائعة أن استراتيجيات الترخيص الحر مفتوح المصدر تحول دون الاستغلال التجاري. والواقع أن تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر المعتمدة من مبادرة المصدر المفتوح [3] لا يجوز أن تميز ضد الاستخدام التجاري. (وهذا أحد أسباب تفضيل مكاتب نقل التقنية في المؤسسات أحيانًا لترخيص مفصّل «للاستخدام غير الربحي فقط».) ومع أن تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر تمنع فرض رسوم على حقوق الترخيص نفسها، فإن المطورين أحرار في فرض رسوم على خدمات إضافية مثل الدعم الفني، وتطوير الخصائص ذات الأولوية، والاستشارات، وغيرها. وتوفر نماذج الترخيص الهجين (يُنظر أعلاه) سبلًا إضافية للاستغلال التجاري للبرمجيات الحرة مفتوحة المصدر.

اختيار ترخيص البرمجيات:

قد يتطلب تحديد الترخيص الأنسب لك بعض التفكير، وهو لا يتوقف على السمات المحددة لبرمجيتك فحسب، بل أيضًا على أهدافك الخاصة. ومع أن التراخيص الحرة مفتوحة المصدر والاحتكارية تشترط عمومًا النسبة وتتضمن حمايات قياسية مثل إخلاء المسؤولية عن الضمان، فإنها تختلف في جوانب أساسية فلسفية وعملية.

اختيار الترخيص بحسب الهدف

  • …أوسع توزيع وانتشار ممكنين، وأقل القيود على المستخدمين، وشفرة مصدرية مفتوحة وشفافة، وتحكيمًا علميًا، وإسهامات مجتمعية في قاعدة الشفرة، وسهولة دمج الآخرين لشفرتك… فإن ترخيصًا حرًا مفتوح المصدر متساهلًا مثل (BSD/MIT) أو (Apache) أو (ECL) قد يكون مناسبًا. فبسبب قلة المتطلبات المفروضة على المستخدمين، تُعد هذه التراخيص من أسهل التراخيص تطبيقًا وإدارة، وتعزز الدمج غير المقيد لشفرتك في برمجيات أخرى – بما فيها البرمجيات الخاضعة للحقوق المتروكة أو التجارية. وعلى الرغم من تساهلها العام، فإنها تضمن استمرار نسبة العمل إلى المؤلف في جميع عمليات إعادة التوزيع أو الأعمال المشتقة.
  • …ضمان فوائد البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر وانفتاحها في جميع الأعمال المشتقة المستقبلية من عملك، وشفرة مصدرية مفتوحة وشفافة، وتحكيمًا علميًا، وإسهامات مجتمعية في قاعدة الشفرة، وإمكانية دمج شفرتك في أعمال أخرى مرخصة بالحقوق المتروكة… فينبغي أن تنظر في ترخيص حر مفتوح المصدر من تراخيص الحقوق المتروكة مثل (GPL) أو (LGPL) أو (MPL). فهذه التراخيص، باشتراطها على كل من يوزع الشفرة المعدلة أو غير المعدلة أن يوزعها بموجب الترخيص نفسه، تضمن بقاء عملك مفتوح المصدر على الدوام. ولبعض تراخيص الحقوق المتروكة، مثل (GPL)، مجتمعات مطورين قوية على نحو خاص، مما يشجع الإسهامات المجتمعية في برمجيتك. غير أن متطلبات الحقوق المتروكة في هذه التراخيص قد تثني الآخرين أحيانًا عن تبني شفرتك أو دمجها.
  • …القدرة على اتباع نماذج احتكارية على نحو منفصل، مع الاستفادة من التوزيع الواسع والانتشار والإسهامات المجتمعية وغيرها من فوائد البرمجيات مفتوحة المصدر… فقد يكون مخطط الترخيص الهجين أو المتعدد مناسبًا. إذ يمكن للترخيص الهجين أو المتعدد أن يحقق فوائد تراخيص البرمجيات مفتوحة المصدر والاحتكارية معًا. لكن، كما في كل شيء، لهذا الخيار تكاليفه أيضًا. فالتعقيد القانوني والإداري والتنظيمي لإدارة تراخيص متعددة، إلى جانب التكاليف الإدارية الأخرى، كثيرًا ما يحصر نماذج الترخيص المتعدد في مشروعات البرمجيات الكبيرة التي تبرر إيراداتها المتوقعة تكلفة موظفين مخصصين للترخيص. وكما ذُكر أعلاه، فإن هذه الاستراتيجية مثيرة للجدل أحيانًا أيضًا داخل مجتمعات مطوري البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر.
  • …حماية سرية شفرتك المصدرية، والاحتفاظ بأقصى قدر من التحكم في توزيع برمجيتك واستخدامها، وتحقيق إيرادات من الترخيص… فينبغي أن تنظر في ترخيص احتكاري. وتميل مكاتب نقل التقنية في المؤسسات أحيانًا افتراضيًا إلى تطبيق التراخيص الاحتكارية، بسبب ألفة موظفيها الأكبر بها، والرغبة في الحفاظ على ما يُتصور (بغير دقة أحيانًا) أنه أقصى إمكانات الاستغلال التجاري. والمؤسسات التي تتلقى أموالًا عامة ترخص عادة البرمجيات الاحتكارية للمستخدمين الأكاديميين أو غير الربحيين الآخرين دون مقابل، لكنها تشترط رسومًا لترخيصها للمستخدمين الربحيين ومن قطاع الصناعة.

تطبيق ترخيص على برمجيتك:

بعد أن تختار استراتيجية ترخيص لبرمجيتك، تكون الخطوة الأولى المعتادة في تطبيقها التواصل مع مكتب نقل التقنية في مؤسستك. فمع أن كثيرًا من تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر سهلة التطبيق حتى لغير المتخصص في القانون، فإنك بوصفك باحثًا وأكاديميًا لا يُرجح أن تملك شخصيًا جميع الحقوق في عملك. بل تعود هذه الحقوق عادة إلى مؤسستك، أو تشاركك فيها على الأقل. ولذلك يكون من الضروري عادة العمل مع مؤسستك عند تطبيق ترخيص.

تساعدك مكاتب نقل التقنية على اتخاذ قرارات الترخيص وتنفيذها. ويجعل امتلاكك تصورًا واضحًا للتراخيص المتاحة، وللخيار الذي تفضله وأسبابه، الحوار مع موظفي المكتب أكثر فاعلية، ويزيد فرص الوصول إلى نتيجة مناسبة.

وبعد أن تتواصل مع مكتب نقل التقنية، تبدأ العملية عمومًا بمساعدة الموظفين على فهم «من وماذا ولماذا وأين وكيف» فيما يتعلق بعملك: كيف يعمل، ومن قد يهتم به، وما الابتكار فيه، ولماذا أنشأته، ومن أين جاء التمويل، وغير ذلك من الحقائق المماثلة. وبعد أن يكتسب موظفو المكتب هذا الفهم العام، سيناقشون معك نماذج الملكية الفكرية الممكنة – بدءًا من وضع العمل في الملك العام وصولًا إلى إنشاء شركة لاستغلاله تجاريًا. وفي أغلب الأحيان يُفضَّل شكل من أشكال ترتيبات الترخيص. لكن كن مستعدًا. فبعض المؤسسات أشد صرامة من غيرها في فلسفتها تجاه حماية الملكية الفكرية واستغلالها. وقد تحتاج إلى أن تشرح، على سبيل المثال، لماذا لا يحول استخدام ترخيص حر مفتوح المصدر دون الاستغلال التجاري (يُنظر أعلاه)، ولماذا ترى أن الاستغلال التجاري ليس الهدف الأنسب لعملك، أو لماذا يُعد النشر الواسع هدفًا مهمًا لك. وإذا رغبت في اقتراح ترخيص يحد من إمكانية تحقيق الإيرادات أو يتخلى عنها، فقد يتعين عليك أولًا إقناع موظفي المكتب بأن عملك يفتقر إلى قيمة تجارية. ومع أن العملية قد تتخذ أحيانًا طابع التفاوض بعض الشيء، فإن معظم المؤسسات تهتم اهتمامًا كبيرًا بالأثر العلمي والمجتمعي لملكيتها الفكرية، ونجد أن من النادر أن تتصرف مؤسسة على خلاف الرغبات الصريحة لمنشئ العمل. ومعرفة ما تريد ولماذا تريده يساعد كثيرًا على تيسير عملية الترخيص.

تعقيد براءات البرمجيات:

ومن الأسباب الإضافية للتواصل مع مكتب نقل التقنية قبل تطبيق ترخيص براءات البرمجيات. فقد نشأت مكاتب نقل التقنية الحديثة في أعقاب قانون باي–دول (Bayh-Dole Act) لعام 1980، الذي يتيح لمؤسسات البحث الأمريكية تسجيل براءات للاختراعات المطورة باستخدام أموال عامة وترخيص تلك البراءات [19]، [20]. ولأن الغالبية العظمى من الاختراعات الأكاديمية والبحثية لا يُرجح أن تكون ذات قيمة تجارية كبيرة، فإن معظمها لا تُسجَّل له براءة أبدًا، لكن المؤسسات تشترط عادة الإفصاح لمكتب نقل التقنية عن أي اختراع قابل للحصول على براءة. وكثير من تراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر (مثل ترخيصي (BSD) و(MIT)) محايد تجاه البراءات، بينما يتضمن بعضها صراحة ترخيصًا باستخدام البراءات في نص الترخيص (مثل ترخيصي (Apache) و(GPL)) (الجدول 1). وبراءات البرمجيات شديدة التعقيد وتخرج عمومًا عن نطاق هذا الدليل، لكن ينبغي أن تدرك أن مكتب نقل التقنية سيرغب في مناقشة استراتيجية البراءات، إلى جانب حق المؤلف.

ترخيص البرمجيات والثقافة المفتوحة للعلم:

تفرض طبيعة البحث الأكاديمي والممول من المال العام اعتبارات خاصة عند اختيار ترخيص البرمجيات. ففي صناعة البرمجيات، يرتبط الترخيص أساسًا باستراتيجية العمل، بينما قد تكون مصلحة الباحث في نشر ثمار عمله ومشاركتها على أوسع نطاق، بصرف النظر عن قيمتها التجارية. وتشجع الأعراف الأكاديمية تداول المواد والمعلومات البحثية، ومنها الشفرة. وهذا يعني للمبرمجين مشاركة الشفرة المصدرية إلى جانب البرنامج التنفيذي، لتمكين الآخرين من استخدام العمل والتحقق منه وإعادة إنتاجه وتطويره.

وتراخيص البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر، كالتي ذُكرت أعلاه، متسقة مع الثقافة المفتوحة للبحث العلمي والتزاماته، ومع فوائد النسبة والاستشهاد التي أصبح الأكاديميون يعتمدون عليها. وقد تُفضَّل التراخيص المتساهلة لسهولة تطبيقها وتوافقها الشامل في المصب. وقد تكون تراخيص الحقوق المتروكة مفيدة في استيعاب شفرات مقيدة من المنبع، أو يفضلها الباحثون الساعون إلى ضمان الوصول المفتوح الدائم، لكن متطلبات المعاملة بالمثل فيها قد تحد من الخيارات في المصب. أما نماذج الترخيص الهجين، فبسبب تعقيدها الإضافي، تكون فائدتها أكثر محدودية، لكنها، إن كانت ملائمة، يمكن أن تقدم كثيرًا من فوائد النموذجين الاحتكاري ومفتوح المصدر معًا.

وبسبب طبيعتها المغلقة والمقيِّدة، ينبغي على الأرجح تجنب نماذج ترخيص البرمجيات الاحتكارية كلما أمكن ذلك. فكما هو الحال مع نماذج الترخيص المقيِّدة الأخرى، قد يكون العبء الإداري لإدارة الامتثال وتحصيل الإيرادات كبيرًا. ولهذا السبب، إذا لم تكن الإيرادات الإجمالية المتوقعة مرتفعة، فقد يكون من الأنفع للعلماء في كثير من الأحيان أن يستفيدوا من المزايا المتعلقة بالسمعة وزيادة التأثير التي تصاحب الانتشار والنشر الواسعين اللذين تشجعهما نماذج الترخيص المفتوح.

وبصورة أعم، ولا سيما في سياق الانفتاح العلمي والتعاون والتحكيم العلمي، فإن عدم إتاحة الشفرة المصدرية عيب جوهري. فعلى النقيض من الشفرة المفتوحة المصدر، فإن البرامج المغلقة المصدر هي في جوهرها «صناديق سوداء» في سير العمل البحثي [21]، معتمة أمام المحكّمين والمستخدمين على السواء. وقد يضر عدم إتاحة الشفرة المصدرية بالتحقق من النتائج العلمية المستخلصة باستخدام البرمجية وقبولها. ومع أن بعض التراخيص الأكاديمية «المفصّلة» التقليدية تحاول التخفيف من الآثار السلبية للترخيص الاحتكاري بعرض البرمجية «مجانًا للاستخدام غير الربحي» أو بنشر الشفرة المصدرية «للفحص فقط»، فإن ذلك يُبطل كثيرًا من الفوائد المهمة للإسهام المجتمعي والتعاون وزيادة الانتشار التي تصاحب الترخيص مفتوح المصدر.

تعليق تحريري:

أندرياس برليتش (Andreas Prlić)، وهيلمار لاب (Hilmar Lapp)، محررا البرمجيات في مجلة (PLoS Computational Biology)

العلماء «أقزام يقفون على أكتاف عمالقة» (برنار الشارتري، (Bernard of Chartres)). أي إنهم في سعيهم إلى اكتساب معارف جديدة يبنون على أعمال الآخرين. ولكي يكون ذلك ممكنًا، يجب أن تكون المعلومات العلمية الراسخة متاحة على نطاق واسع وقابلة لإعادة الاستخدام. وتتعارض هذه الحاجة إلى الوصول إلى المعلومات مع رغبة أخرى، هي الرغبة في حماية قيمة الابتكار الفكري.

وقد وُضعت قوانين حق المؤلف بهدف حماية حقوق أصحاب حق المؤلف لمدة معينة من الزمن. بل إن قليلًا من القوانين يؤثر في مساعينا المهنية (والشخصية) أكثر من هذه القوانين في عصر المعلومات الذي نعيشه والمعتمد على البرمجيات. فعلى سبيل المثال، في وقت كتابة هذا المقال، يتواجه عملاقا البرمجيات أوراكل (Oracle) وجوجل (Google) أمام القضاء حول مسألة ما إذا كان استخدام جوجل لواجهة برمجة التطبيقات (application programming interface, API) الخاصة بلغة البرمجة جافا يمثل تعديًا على حق المؤلف لأوراكل. وقد يكون لنتيجة المحاكمة أثر في حرية مطوري البرمجيات في استخدام واجهات برمجة التطبيقات، ومن ثم قد تعيق قابلية التشغيل البيني للبرمجيات.

ومن الواضح أن اختيار الشروط التي يمكن بموجبها إعادة استخدام البرمجيات وتوزيعها والبناء عليها اعتبار مهم عند تطويرها. ومع ذلك فإن كثيرًا من العلماء والمطورين العلميين لم يتلقوا إلا قليلًا من التدريب على عواقب الخيارات التي يمكنهم اتخاذها، أو لا يعرفون عنها إلا القليل. وبحسب طريقة استخدام التراخيص، يمكنها إما أن تحمي قدرة الأفراد على الاستفادة من أعمالهم الإبداعية، أو أن تضمن قدرة الجمهور على إعادة الاستخدام. وتختلف التراخيص في موضعها من هذا الطيف. ويقدم هذا المقال، «دليل موجز إلى تراخيص البرمجيات للباحثين المبرمجين»، ملخصًا لطائفة من التراخيص، ويناقش مزاياها وعيوبها. ونأمل أن يساعد هذا الدليل على توضيح خيارات الترخيص المتشابكة وما يترتب عليها، وأن يكون عونًا للعلماء والمطورين في معرفة الترخيص الأنسب في موقف بعينه.

وتدعم مجلة (PLoS Computational Biology) الوصول المفتوح وغير المقيد إلى النشر العلمي والبرمجيات. ولتعزيز ثقافة التبادل المفتوح للبرمجيات وإعادة استخدامها، أنشأنا مؤخرًا فئة جديدة من مقالات البرمجيات. ولكي تُنشر مخطوطة ضمن هذه الفئة في مجلة (PLoS Computational Biology)، نشترط أن تستخدم جميع البرمجيات ترخيصًا معتمدًا بوصفه مفتوح المصدر من مبادرة المصدر المفتوح (OSI). وتؤكد معايير الاعتماد (رابط المصدر) التي وضعتها المبادرة أن شروط التوزيع يجب أن تسمح بإعادة استخدام البرمجيات وإعادة توزيعها وتعديلها بحرية. وتضمن هذه المتطلبات الشفافية وقابلية إعادة الإنتاج، وإذا طُبقت على البرمجيات العلمية فإنها تدفع العلم إلى الأمام بتمكين الباحثين من البناء على الأعمال القائمة.

المراجع:

بيانات المصدر الأصلي

Morin A, Urban J, Sliz P (2012). A Quick Guide to Software Licensing for the Scientist-Programmer. PLoS Computational Biology 8(7): e1002598. https://doi.org/10.1371/journal.pcbi.1002598.

اقتبس هذا المقال

أندرو مورين، جنيفر أوربان، بيوتر سليز (2013). «كيف تختار ترخيص برمجيتك العلمية؟ دليل للباحثين المبرمجين». مجلة المعلوماتية، العدد 41. https://informaticsjournal.net/?p=52971

مقالات ذات صلة