مقدمة:
قال لي أحد أقاربي حين سمع أنني سأتولى منصبًا في المكتبة البريطانية: «بالطبع، لطالما أحببت الكتب». والحق أنني لطالما أحببت الكتب، لكن ما نقوم به أكبر من ذلك بكثير. فالمكتبات البحثية موجودة لتيسير إنتاج المعرفة. وهي تفعل ذلك بإتاحة المعلومات وحفظها للاستخدام في المستقبل. وتاريخيًا، كان ذلك يعني بناء المجموعات، أو ما يعدّه الجمهور، وأقاربي، «كتبًا» (وإن كانت دائمًا أكثر من ذلك). وسأدافع في هذا المقال عن ضرورة أن يتحول تركيزنا أكثر نحو تقديم الخدمات في بيئة معرفة عالمية مفتوحة. ومع أن آرائي تستند إلى العمل الجاري حاليًا في المكتبة البريطانية، فإن كثيرًا من القضايا والمبادئ ينبغي أن تنطبق على المكتبات البحثية عمومًا.
تأملات في البيئة الراهنة للمكتبات البحثية:
لنبدأ بتحليل موجز للبيئة التي تعمل فيها المكتبات البحثية والوطنية.
من الهموم التي تشغل كثيرًا من المكتبات إيجادُ سبيل مستدام لاقتناء المحتوى. فعلى مدى سنوات عديدة ارتفعت تكلفة الاشتراكات في الدوريات بما يفوق التضخم بكثير.[1, 2, 3] ونتيجة لذلك، اضطرت المكتبات إلى اتخاذ قرارات صعبة، منها تقليص ميزانيات الكتب. ويزداد الأمر صعوبة في ظل تخفيضات الميزانيات التي تطال كثيرًا من المكتبات. ففي حالة المكتبة البريطانية، ستكون المنحة الحكومية التي نتلقاها قد تقلصت بنسبة 30% بالقيمة الحقيقية بين عامي 2010 و2019.
وإلى جانب هذا القيد المالي، تشهد المكتبة البريطانية (وأفترض أن المكتبات الوطنية الأخرى كذلك) استخدامًا لمحتوى الدوريات بالاشتراك أقل مما تشهده المكتبات الجامعية: فالباحثون يرتادون المكتبة في زيارات دراسية قصيرة ومكثفة نسبيًا، وقد لا يستخدمون خدماتنا بعدها لأشهر أو سنوات. وكثيرًا ما يتاح للزوار الأكاديميين الوصول إلى الإنتاج العلمي عبر مؤسساتهم، ويركّز بعضهم على مجموعاتنا التراثية، فلا يكون الوصول إلى الدوريات دائمًا من أولوياتهم. ومن التحديات الأخرى أن معظم محتوانا بالاشتراك لا يمكن الوصول إليه، بسبب قيود الترخيص، إلا من داخل مبانينا.
ويمسّ غياب الوصول عن بُعد أيضًا صميم مجموعاتنا: محتوى الإيداع القانوني. فعلى مدى قرون، أُلزم الناشرون في المملكة المتحدة بإيداع منشوراتهم المطبوعة لضمان حفظ الإنتاج المنشور للأمة. وفي عام 2013 دخلت حيز التنفيذ لوائح جديدة تمدّ هذا الإلزام إلى المواد الرقمية.[4] وإضافة إلى عملية الإيداع هذه، نؤرشف بفاعلية المواقع الإلكترونية في نطاق الويب البريطاني عبر أرشيف الويب البريطاني (UK Web Archive).[5] ويرغب الباحثون حول العالم في استخدام هذه المجموعات، لكننا لا نستطيع إتاحتها على الإنترنت. فتماشيًا مع التشريع، يتعين علينا معاملة المحتوى الرقمي معاملة الإيداع القانوني المطبوع: لا يمكن الوصول إليه إلا في مبانينا، حتى لو كان في الأصل محتوى متاحًا وصولًا مفتوحًا (open access – OA)، ولا يمكن إلا لشخص واحد أن يطّلع على مادة بعينها في وقت واحد. ويعني هذا القيد القانوني أننا سنواصل قصر الوصول إلى الإيداع القانوني على مبانينا فقط، مع إدراكنا أن ذلك لا يلبي توقعات المستخدمين. وقد دافعت مكتبات الإيداع القانوني بقوة عن تحسين شروط الوصول إلى أرشيف الويب البريطاني، وعن مواءمة أوسع للوائح الإيداع القانوني لغير المطبوعات مع قانون حق المؤلف المستقر. وحتى وقت كتابة هذا المقال، كانت هذه التوصيات قيد نظر الحكومة البريطانية.
وعلى الجانب الإيجابي، فإن مبانينا تلبي التوقعات بالفعل، إذ تُظهر استطلاعات المستخدمين أن 97% من القراء يقيّمون قاعات القراءة بأنها جيدة جدًا أو ممتازة. ويقدّر قراؤنا البيئة التي نوفرها للدراسة الفردية، لكننا نلحظ أيضًا مزيدًا من الطلبات على مرافق للتعامل مع المجموعات الرقمية على نطاق واسع. وندعم هذا النوع من الاستخدام عبر مشروع مختبرات المكتبة البريطانية (British Library Labs)[6]، لكننا نحتاج إلى الانتقال من مشروع مؤقت إلى خدمة مستدامة وقابلة للتوسع تلبي الطلب المتزايد من المستخدمين.
وبالنظر إلى ما وراء مجموعاتنا، تتأثر المكتبات البحثية أيضًا بالتغيرات في بيئة البحث الأوسع. فعلى سبيل المثال، أدت تدخلات الجهات الممولة، مثل سياسة الوصول المفتوح الخاصة بإطار التميز البحثي (Research Excellence Framework) لما بعد عام 2014، إلى زيادة كبيرة في مواد الوصول المفتوح.[7, 8] كما أجبر الإطار السياساتي لمجلس بحوث الهندسة والعلوم الفيزيائية (Engineering and Physical Sciences Research Council) الجامعاتِ البريطانية على الاستثمار في مسارات عمل لإدارة بيانات البحث (research data management).[9] وإلى جانب الإطار التنظيمي، تتغير مسارات عمل الباحثين بفعل التقنية. ففي استطلاع أُجري عام 2014 على الباحثين في المملكة المتحدة، قال 69% منهم إن بحثهم لن يكون عمليًا بعد اليوم من دون برمجيات البحث.[10] ومواكبة هذه التطورات والحجم الهائل للمحتوى الرقمي تحدٍّ لأي مكتبة بحثية.
ويطرح المحتوى الرقمي الضخم تحديًا آخر، ربما أكثر جوهرية، أمام التفكير في دورنا: فعلى المستوى العالمي، ينمو المحتوى على الإنترنت بمعدل يفوق نمو مجموعاتنا بأضعاف.[11] وهذا يعني أن مجموعاتنا، نسبيًا، آخذة في الانكماش. وإذا عرّفنا أنفسنا فقط من خلال المواد التي نحوزها مباشرة، فعلينا أن نواجه حقيقة أننا سنصبح أقل أهمية للباحثين قليلًا كل عام، لأن ما هو متاح في أماكن أخرى أكثر بكثير.
ولحسن الحظ، تحمل هذه المسألة أيضًا حلًّا: الوصول المفتوح، والعلم والبحث المفتوحين على نحو أعم. فبما أن المحتوى العلمي بات متاحًا مجانًا على الإنترنت على نحو متزايد،[12] فلا تحتاج المكتبات إلى الاشتراك في مواد الوصول المفتوح الكامل لتيسير استخدامها. كما أن عالمًا من محتوى الوصول المفتوح من شأنه أن يلغي البنية المعقدة وغير الملائمة للمستخدم الخاصة بالوصول والتحقق من الهوية. غير أن ذلك يطرح سؤالًا جوهريًا على المكتبات: إذا لم يعد مستخدمونا بحاجة إلينا للوصول إلى المحتوى العلمي، فكيف نظل نضيف قيمة؟ يبدو أن الإجابة الحالية بالنسبة إلى المكتبات الجامعية هي تحول في النموذج: فإلى جانب مساعدة العاملين والطلاب على الوصول إلى المحتوى، باتت تساعد الآن أيضًا في نشر البحوث (على سبيل المثال عبر المستودعات وإدارة مدفوعات الوصول المفتوح).[13] أما بالنسبة إلى المكتبات الوطنية ومكتبات الولايات، بعلاقتنا المختلفة جدًا بقرائنا، فإن الإجابة تتطلب إعادة تفكير أوسع في الخدمات. ومن هذه الخدمات خدمة توريد الوثائق في المكتبة البريطانية،[14] التي خدمت على مدى عقود ملايين المستخدمين في أنحاء العالم. وفي بيئة تسودها الصفقات الكبرى (big deals) والوصول المفتوح وطائفة من مصادر المحتوى الأخرى، التي ليست كلها قانونية دائمًا، بات الطلب على توريد الوثائق أقل الآن. وتحتاج هذه الخدمة إلى أن تعيد ابتكار المواضع التي تستطيع فيها إضافة قيمة، بخلاف مجرد توفير المحتوى في «الذيل الطويل» والأدب الرمادي.
ومع ذلك، أسمعكم تقولون إن القراء يعتمدون علينا في الاكتشاف (discovery). غير أن الاستجابة الافتراضية لكثير من الباحثين في الاكتشاف هي (Google).[15] وبالنظر إلى الجهد الذي تضخه شركات التقنية متعددة الجنسيات في تقنيات البحث، يصعب أن نرى كيف يمكن لذلك أن يتغير جوهريًا لصالح فهارس المكتبات. فكم من الوقت سيمضي قبل أن تتمكن أدوات مثل (Siri) و(Alexa) من الاستجابة على نحو مفيد لطلبات المستخدمين من قبيل: «ابحث عن مقالات علمية تربط بين الاضطرابات الاجتماعية في أوروبا في القرن السابع عشر والعصر الجليدي الصغير، وأتِح بيانات المناخ ذات الصلة على حاسوبي»؟[16]
قد نواجه مستقبلًا يصبح فيه فهرس المكتبة غير ذي أهمية على نحو متزايد، لا يدخل إليه في الغالب إلا من يُضطرون إلى استخدامه للبحث عن مواد فريدة. ويفترض مستخدمونا على نحو متزايد أن ما ليس متاحًا على الإنترنت غير موجود، أو قد لا يكون مهمًا بما يكفي لتسويغ السفر إليه. ومع محدودية الأموال المتاحة لرقمنة المجموعات التراثية والخاصة، يصبح الوصول مصدر قلق إضافة إلى الاكتشاف. فالمواد التي لا يسهل اكتشافها والوصول إليها على الإنترنت معرّضة لخطر أن تصبح غير مرئية، وهذا يمس بوجه خاص المجموعات التراثية التي تقع في صميم المكتبات الوطنية. وقد يؤدي ذلك إلى انحياز البحث نحو المجموعة الفرعية الصغيرة من المجموعات التراثية، فيشوّه منظورنا إلى الماضي وإلى الوضع الإنساني عمومًا.
وإذا لم نواصل الابتكار والتغيير، فإلى أين ستنتهي هذه التطورات بالمكتبات الوطنية في دورها بوصفها مكتبات بحثية بعد عقد أو عقدين؟ هل ستتركها، إن جاز التعبير الاستفزازي، مستودعاتٍ فيها مكاتب مريحة للباحثين والمؤرخين المحليين؟ وبوصفي مؤرخًا، قد أجد في ذلك بعض العزاء، لكننا بوصفنا مكتبة وطنية نحتاج إلى أن نكون قادرين على تقديم شيء ذي قيمة لكل شخص في المملكة المتحدة. وإضافة إلى ذلك، تقع علينا مسؤولية إتاحة مجموعاتنا العالمية للجميع، والعمل مع شركاء حول العالم لتقدم المعرفة.
المكتبات الوطنية في بيئة عالمية مفتوحة:
بوصف المكتبات الوطنية مؤسسات ممولة من المال العام، فإن عليها التزامًا بخدمة الجمهور. وبدلًا من أن نفترض أننا مفيدون لمجرد أننا موجودون، علينا أن نسأل أنفسنا باستمرار أين نستطيع إضافة قيمة. وللإجابة عن هذا السؤال فيما يخص غايتنا البحثية، نحتاج إلى النظر في السمات الأساسية للمكتبات الوطنية: الديمومة، والتحرر من الانحياز (التجاري والسياسي)، والتكليف بخدمة كل من يعبر أبوابنا (بما فيها الأبواب الافتراضية).
وأرى أن هذه السمات تمكّننا من دعم بنية تحتية عالمية مفتوحة للمعرفة. فهي في نهاية المطاف يجب أن تُبنى على نحو دائم يضمن الشفافية والوصول المفتوح إلى المعلومات العلمية. وما دامت جدران الدفع (paywalls) قائمة، فإن للمكتبات دورًا في تيسير الوصول لمن لا تخدمهم مؤسسات أخرى. وللعمل بفاعلية في بيئة البحث الحالية والمستقبلية، نحتاج إلى أن ننتقل تدريجيًا من تعريف أنفسنا أساسًا من خلال مجموعاتنا إلى تعريف أنفسنا من خلال القدرة على مساعدة مستخدمينا على:
- العثور على أنسب المعلومات المتاحة في مجموعاتنا وعلى المحتوى ذي الصلة على المستوى العالمي، والوصول إليها
- استخدام هذه المعلومات بسهولة لإنتاج معرفة جديدة،
- مشاركة هذه المعرفة على نحو دائم ييسر إعادة استخدامها.
استجابة المكتبة البريطانية:
تعمل المكتبات الوطنية في سياقات مختلفة، ولذلك لا توجد بالضرورة إجابة صحيحة واحدة عن التحديات التي عرضتها أعلاه.[17, 18, 19, 20] وفيما يلي سأقدّم منظوري الشخصي للنهج الذي نتبعه في المكتبة البريطانية.
في عام 2016 أنشأت المكتبة البريطانية برنامجًا استراتيجيًا للتغيير سُمّي «كل شيء متاح» (Everything Available)، وقسمًا جديدًا هو قسم الخدمات البحثية (Research Services)، لتحويل خدماتنا المقدمة إلى الباحثين والمؤسسات البحثية. ويسترشد هذا المسار بإعداد استراتيجية خدمات لتحقيق رسالتنا البحثية، هي الأولى في تاريخ المكتبة، وبتحديث استراتيجيتنا للمحتوى.
وتقوم استراتيجية الخدمات الناشئة على رؤية أن تقدّم المكتبة البريطانية خدمة مكتبة بحثية رائدة عالميًا تسهم في بيئة معرفة عالمية مستدامة ومفتوحة ينتفع بها الجميع. ونطمح إلى تمكين الاكتشاف والوصول السلسين إلى معارف العالم، بصرف النظر عن الشكل، وإلى مساعدة المستخدمين على استخلاص معلومات مفيدة من المحتوى. ويتطلب ذلك تحولًا من نموذج المجموعات المحلية إلى نهج نعزز فيه موادنا الفريدة بتيسير الوصول إلى المحتوى على المستوى العالمي والبحث (الحاسوبي) فيه. ومن سبل تحقيق ذلك مساعدة المؤسسات الأخرى على فتح محتواها للبحث، ومساعدتها على الحد من فقدان البيانات ومن تكلفة إدارة المحتوى. ولمعالجة هذه التحديات، نعمل على تطوير خدمات مشتركة لإدارة المجموعات، تشمل الحفظ الرقمي ومرافق لإتاحة المحتوى على الإنترنت. وفيما يتعلق بالمجموعات المادية، فإننا ندعم بالفعل نهجًا تعاونيًا عبر الاحتياطي البحثي البريطاني (UK Research Reserve)، وهو مجموعة بحثية وطنية موزعة تديرها شراكة بين قطاع التعليم العالي والمكتبة البريطانية.[21] ويمكن النظر في مقاربات مماثلة في البيئة الرقمية.
وتقوم استراتيجية الخدمات البحثية الناشئة على رؤية «المعرفة الحية» (Living Knowledge) للمكتبة البريطانية بوصفها «المؤسسة الأكثر انفتاحًا وإبداعًا وابتكارًا من نوعها في العالم».[22] وقد استرشدت بتحليل للوضع الراهن، وستُصقل عبر بحوث المستخدمين المستمرة واستشراف المستقبل. وتقوم الاستراتيجية على ثلاثة أهداف لتحقيق رسالتنا البحثية حددتها «المعرفة الحية»:
- «تطوير خدماتنا للوصول عن بُعد لتصبح موردًا موثوقًا لا غنى عنه لتقصي الحقائق والبحث والتحليل للباحثين في كل مكان».
- «ضمان مواكبة مرافق المكتبة في مقرها وخدمات قاعات القراءة للاحتياجات المتغيرة للباحثين».
- «الاستفادة من مجموعات المكتبة وخبراتها لدفع الابتكار في تحليلات البيانات واسعة النطاق، لما فيه النفع الأوسع للبحث في المملكة المتحدة».[23]
كل شيء متاح:
برنامج «كل شيء متاح» هو الذراع التنفيذية للاستراتيجية. وهو منظّم حول ثلاثة محاور أو مسارات عمل تمضي قدمًا بالأهداف المذكورة أعلاه وبأهداف أخرى ذات صلة. وترتبط المحاور بأنشطة الباحثين والمؤسسات البحثية: «اعثر» (Find) و«استخدم» (Use) و«انشر» (Publish). وبوصفنا مكتبة وطنية، يتجاوز تعريفنا لـ«الباحث» الأكاديميين ليشمل كل من يجري بحثًا على أي مستوى، سواء من منظور تجاري أو أكاديمي أو شخصي، وبصرف النظر عن مجال الدراسة.
اعثر:
يعكس محور «اعثر» التحديات المتعلقة بالاكتشاف: فداخليًا، يطرح حجم مجموعاتنا وتنوعها تحديات كبيرة في الاكتشاف. ويتضاعف ذلك سوءًا على نحو هائل حين نأخذ في الحسبان أن مجموعاتنا ليست سوى جزء صغير من مصادر المعلومات المتاحة عالميًا. وبسبب طوفان المعلومات، لم يعد كافيًا أن نرشد الباحثين إلى المواد، بل يجب أن نحدد المعلومات الواردة فيها، وأن نفهم العلاقات بين المواد. وأخيرًا، وبسبب الطريقة التي يعمل بها الباحثون، لم يعد بوسعنا أن نتوقع أنهم سيأتون إلينا دائمًا للاطلاع على فهارس المكتبة.
ويدرس مسار عمل «اعثر» نهجنا في الاكتشاف في سياق تطورات مثل التنقيب في النصوص والبيانات، والتعلم الآلي، والتمثيل المرئي، وتصميم تجربة المستخدم. وهو يتجاوز المحتوى الذي يُنشر بالمعنى التقليدي ويحظى بظهور مرتفع نسبيًا، مثل مقالات الدوريات. وإلى جانب اكتشاف البيانات، كما ورد في استراتيجيتنا للبيانات التي نُشرت مؤخرًا،[24] نحتاج إلى النظر في كيفية زيادة ظهور مجموعاتنا التراثية المعقدة.
وفي إطار مسار عمل «اعثر»، نقيّم التقنيات في مجال الاكتشاف، بالعمل مع الشركات الناشئة والمبادرات المجتمعية والباحثين.[25] وستسترشد بهذه الأفكار خريطة الطريق الخاصة بنا، واستبدال حلول الاكتشاف الأساسية لدينا، والخدمات المحتملة للمجتمع الأوسع، ومن ذلك مثلًا اكتشاف محتوى الوصول المفتوح. كما ننظر في مستقبل فهرس المكتبة بوصفه أداة للاكتشاف، إذ نزوّد المستخدمين بمزيد من المعلومات عبر الأدوات والشبكات التي يكتشفون المحتوى من خلالها، حتى لو عنى ذلك أننا سنكون في النهاية «نتحدث» في الغالب إلى الآلات. وأرى أن من الضروري أن تكون المكتبات فاعلًا نشطًا في الاكتشاف: فإذا لم نفهم الخوارزميات التي تقدّم لنا «الإجابة»، فإننا نعرّض للخطر موضوعية البحث، ومستقبلنا على نحو أعم.
استخدم:
يدعم مسار عمل «استخدم» الباحثين في التعامل مع المحتوى. فنحن بحاجة إلى أن نكون قادرين على تقديم أنسب نسخة من المادة لمستخدمينا. وعلى المدى القصير، ستكون من أهم الخطوات إتاحة الوصول عن بُعد إلى المحتوى المرخص. ونحن حاليًا بصدد تعميم الدخول الموحد (single sign-on) لتحسين تجربة المستخدم، ولتكييف الخدمات والوصول إلى المحتوى بما يناسب فئات بعينها من المستخدمين. وسيساعد هذا الأخير في مفاوضات الوصول عن بُعد مع موردي قواعد البيانات والدوريات الإلكترونية وغيرها من المواد الرقمية.
كما ستعود البنية المحسّنة للوصول عن بُعد بالنفع على المستخدمين داخل المكتبة. فحيثما أمكن، ينبغي أن يتمكنوا من الوصول إلى المحتوى على أجهزتهم الخاصة. ويتطلب ذلك تغييرات في آليات التحقق من الهوية والتسليم، وفي بعض الحالات إعادة التفاوض على اتفاقيات الترخيص. وسيتعامل بعض المستخدمين مع مجموعاتنا الرقمية عبر أدواتهم الخاصة. ولتيسير ذلك، تدرس المكتبة حاليًا إنشاء منصة لواجهات البرمجة (APIs). وحيثما يتعذر منح الوصول على أجهزة المستخدمين، نحتاج إلى تحسين مرافقنا لتحليل المواد السمعية البصرية، وتوفير موارد حاسوبية وإرشادات لتحليل المحتوى الرقمي بمختلف أشكاله. أما محتوى الإيداع القانوني، فحتى أكثر المستخدمين خبرة سيحتاجون إلى إجراء مُدار داخل المكتبة، لأن المواد لا يمكن أن تغادر مواقعنا في لندن ويوركشاير، لا في أثناء التحليل ولا بعده.
ولتلبية احتياجات المستخدمين في تسليم المحتوى، نحتاج، من منظور المستخدم، إلى مسار عمل واحد يفضي إلى تسليم سلس لأنسب نسخة من المحتوى. وفي حالة الأشكال التناظرية، قد يشمل ذلك الرقمنة عند الطلب. وبالنسبة إلى المحتوى بالاشتراك، تنتقل المكتبة البريطانية إلى نموذج تُوفَّر فيه الدوريات الإلكترونية الجارية على أساس «في الوقت المناسب» (just-in-time) بدلًا من شراء العناوين «تحسّبًا للحاجة» (just-in-case).
انشر:
سيدعم مسار العمل الثالث، «انشر»، مستخدمينا بمساعدة المؤسسات الأخرى على إدارة محتواها. ونريد على وجه الخصوص معالجة ثلاث قضايا: خطر فقدان المحتوى، وتكلفة إدارة المحتوى وحفظه، والوصول الدائم.
تمتلك المكتبة البريطانية طيفًا واسعًا من المهارات والخبرات التي يمكن أن تساعد الآخرين على معالجة هذه القضايا، تمتد من الحفظ إلى إدارة المجموعات واسعة النطاق، والرقمنة، وتنظيم البيانات الوصفية، والمعرفات الدائمة. ونعمل على تطوير مجموعة من الخدمات تبدأ بإدارة المجموعات المادية، وتنتقل، عبر الرقمنة، إلى الخدمات الرقمية التي هي جزء من «كل شيء متاح». وستشمل هذه الخدمات خدمةً للحفظ الرقمي ودعمًا لإتاحة المحتوى على الإنترنت. وفي قلب ذلك ستكون بنية تحتية لمستودع مشترك يخدم مؤسسات متعددة (multi-tenancy repository)، تكون موطنًا لخدمات المكتبة البريطانية (بما فيها، على سبيل المثال، الخدمة الوطنية للأطروحات الإلكترونية (EThOS))[26]، ولمحتوى المؤسسات الشريكة. وسينتفع الباحثون في أنحاء العالم بالوصول إلى المحتوى وبأدوات محسّنة للبحث والاكتشاف، بما فيها مرافق التنقيب في النصوص والبيانات.
ومن أجل تحسين بنيتنا التحتية القائمة وتطوير خدمات جديدة، تشرع المكتبة البريطانية في برنامج طموح لتجديد بنيتها التحتية للمكتبة الرقمية بأكملها. وبدءًا بنظام الحفظ الرقمي (أكثر من خمسة ملايين مادة)، سننتقل بعد ذلك إلى نظام إدارة المكتبة ومخازن البيانات الوصفية الأخرى (ما مجموعه أكثر من 80 مليون تسجيلة)، ونظام الاكتشاف، والأنظمة المتخصصة، مثل أنظمة المخطوطات والمواد الأرشيفية، والدخول الموحد وإدارة الهوية. وتقوم خطط «كل شيء متاح» على هذه التغييرات.
العمل في بيئة عالمية:
وبما يتجاوز خدماتنا الداخلية، ينبغي للمكتبات الوطنية أن تدعم بيئة المعرفة الأوسع. فالبحث يتطلب وصولًا عالميًا إلى المعرفة ومشاركة فعالة للمعلومات. وأعتقد أن للمكتبات الوطنية دورًا مهمًا فيما يتعلق بمكونات البنية التحتية التي تتطلب الانفتاح والديمومة. ولهذا أسهمت المكتبة البريطانية في تأسيس (DataCite)، وهي تدير الآن خدمة (DataCite UK) التي توفر معرفات الكائنات الرقمية (DOIs) لأكثر من 90 مركز بيانات ومؤسسة بحثية.[27]
وتشارك المكتبة بفاعلية في مشروعات تتعلق بالمعرفات الدائمة وفي النقاشات المجتمعية ذات الصلة، ومنها مثلًا ما يدور حول سجل مفتوح لمعرفات المؤسسات.[28] وبفضل سنوات طويلة من الخبرة في إتاحة البيانات الوصفية علنًا لإعادة الاستخدام، انضمت المكتبة إلى مبادرة الاستشهادات المفتوحة (Initiative for Open Citations) لتعزيز إتاحة بيانات استشهاد مهيكلة ومفتوحة.[29] وتدعم مثل هذه المبادرات بيئة متنوعة يمكن عبرها ربط خدمات المعلومات والبيانات على المستوى العالمي. ولكي تزدهر هذه البيئة، نحتاج إلى رعاية الأفكار المبتكرة الصادرة عن المجتمعات حتى تتحول إلى خدمات مستدامة. وبوصف المكتبة البريطانية علامة عالمية ذات بنية مؤسسية دائمة، فقد يكون لها دور في دعم المبتكرين في إنشاء خدمات جديدة. والعمل في شراكة أمر أساسي هنا. فالتحديات في نهاية المطاف من الحجم بحيث لا تستطيع مؤسسة واحدة التصدي لها. ولذلك نعمل عبر علاقات راسخة، مثل علاقاتنا مع (SCONUL) و(Research Libraries UK) و(Jisc)، وعبر علاقات جديدة مع مؤسسات مثل معهد آلان تورينغ (Alan Turing Institute)[30] (المركز الوطني لعلم البيانات الذي يستضيفه مبنى المكتبة البريطانية في لندن).
فهم مستخدمينا وتمكين العاملين لدينا:
لضمان توجيه جهودنا في الاتجاه الصحيح، علينا أن نحسّن فهمنا لمستخدمينا. وتكتسي بحوث المستخدمين أهمية خاصة لأن المكتبات الوطنية تخدم جمهورًا متنوعًا ذا تصورات وتوقعات مختلفة، ولا نفهم دائمًا ماهيتها. ويجب أن نحسّن تقسيم قاعدة مستخدمينا الحاليين والمحتملين إلى شرائح، وفهم احتياجاتهم، وتطوير تسويق وخدمات مصممة خصيصًا لهم مع تجربة مستخدم ملائمة. ولدفع هذا التحول، استحدثت المكتبة وظيفتين مخصصتين تركزان على تصميم تجربة المستخدم وإدارة الرؤى المتعلقة بالجمهور البحثي.
وأخيرًا وليس آخرًا، تحتاج المكتبات إلى الاستثمار في العاملين لديها إن أرادت أن تكون قادرة على التكيف مع بيئة دائمة التطور. وإلى جانب دعم أساليب العمل المرنة، نحتاج إلى مهارات جديدة، من تحليل الأعمال ونمذجتها إلى تصميم تجربة المستخدم وتحليلات البيانات. ومن سبل التصدي لذلك تمكين العاملين من مشاركة مهاراتهم مع غيرهم داخل المؤسسة، ومن حيث مسؤولية المكتبة البريطانية بوصفها مكتبة وطنية، مع الزملاء في المكتبات البحثية الأخرى، والتعلم منهم بدورهم. ولهذا ننظر الآن في المرافقة الوظيفية (work shadowing)، وتبادل العاملين مع المكتبات البحثية الأخرى، وتوسيع فرص التدريب الميداني.
الخاتمة:
في عام 1980 رأى موريس لاين (Maurice Line)، المدير العام لقسم الإعارة في المكتبة البريطانية آنذاك، أن «اقتناء منشورات الأمة والاحتفاظ بها وإصدار الببليوغرافيا الوطنية، وإن كانت وظائف أساسية، أقل أهمية وحجمًا من توفير المعلومات والوثائق على المستوى الوطني، الذي ينبغي أن يُمنح الأولوية في جميع البلدان. كما أن وظيفة المستودع تزداد أهمية. وتتطلب هذه المهام نهجًا مختلفًا ونوعًا مختلفًا من المكتبات الوطنية».[31] وأرى أننا في بيئة رقمية، ومن ثم عالمية في نهاية المطاف، لا نستطيع أداء خدمة فعالة لتوفير المعلومات على المستوى الوطني (وربما حتى للحفظ) إلا إذا فكرت المكتبات الوطنية أكثر بمنطق المجموعات العالمية بدلًا من المجموعات الوطنية.
ستظل المكتبة البريطانية تصون تراثنا الوطني دائمًا، لكن تحديد ماهية هذا التراث قد يصبح أصعب فأصعب في البيئة الرقمية. فمن المسؤول عن بيانات عن تغير المناخ في بريطانيا العظمى، جمعها باحثون إسبان وصينيون، واستُضيفت على سحابة أمريكية-أيرلندية، واستُشهد بها في مقال نشره ناشر هولندي على خادم ألماني؟ إن التفكير بمنطق عالمي لا يتيح لنا فرصة مواصلة إضافة القيمة لجمهورنا البحثي فحسب، بل يمكن أيضًا أن يحقق فوائد عبر التعاون وتقاسم الأعباء.
حين تواجه بيئة سريعة التغير، يكون أمامك ثلاثة خيارات: ألّا تفعل شيئًا، أو أن تتبع، أو أن تسعى إلى القيادة. وأودّ أن أرى المكتبات تطمح إلى الخيار الأخير. وينبغي للمكتبات الوطنية على وجه الخصوص أن تضطلع بدور قيادي، لا من منطلق أننا نعرف الأفضل دائمًا، بل من منطلق إدراك أن تفويضنا يتيح لنا تنسيق الحلول وتيسيرها واستدامتها. وعلينا أن نفكر في المشكلات التي يواجهها مستخدمونا، وألّا نفترض أن مجموعاتنا، لمجرد وجودها، هي الإجابة دائمًا. وعلى غرار قطاعات أخرى، ننتقل من نموذج مقدّم المحتوى المحلي إلى نموذج مقدّم خدمات المعلومات العالمية. وينبغي للمكتبات أن تسعى إلى تشكيل هذا الانتقال بفاعلية. ومع ذلك، أستطيع أن أقول مطمئنًا إننا سنظل دائمًا نحب الكتب.
المراجع:
- The Exponential Growth of Data. insideBIGDATA. https://insidebigdata.com/2017/02/16/the-exponential-growth-of-data/ (تاريخ الاطلاع: 16 أبريل 2018).
- Publications. Open access and the library. http://www.mdpi.com/journal/publications/special_issues/open_access_university_library (تاريخ الاطلاع: 30 أبريل 2018).
- British Library On Demand. https://www.bl.uk/on-demand (تاريخ الاطلاع: 16 أبريل 2018).
- Researchers of tomorrow. The research behaviour of Generation Y doctoral students. Jisc، 2012. https://www.jisc.ac.uk/reports/researchers-of-tomorrow (تاريخ الاطلاع: 16 أبريل 2018).
- O’Neill J. What Will Scholarly Information Providers Do About Voice User Interfaces (VUI)? The Scholarly Kitchen. https://scholarlykitchen.sspnet.org/2018/02/01/will-scholarly-information-providers-voice-user-interfaces-vui/ (تاريخ الاطلاع: 16 أبريل 2018).
- Danish eInfrastructure Cooperation. Cultural heritage cluster. https://www.deic.dk/en/cultural_heritage_cluster (تاريخ الاطلاع: 16 أبريل 2018).
- المكتبة الوطنية الهولندية. الإنسانيات الرقمية. https://www.kb.nl/en/organisation/research-expertise/digital-humanities (تاريخ الاطلاع: 16 أبريل 2018).
- المكتبة الوطنية البرتغالية. البيانات المفتوحة. http://opendata.bnportugal.pt (تاريخ الاطلاع: 16 أبريل 2018).
- DABAR. Partner institutions. https://dabar.srce.hr/en/partner-institutions (تاريخ الاطلاع: 16 أبريل 2018).
- Open Access Button. https://openaccessbutton.org/ ؛ Crossref. https://www.crossref.org/ (تاريخ الاطلاع: 16 أبريل 2018).
- Panitch J M and Michalak S, The serials crisis. A White Paper for the UNC-Chapel Hill Scholarly Communications Convocation, January 2005: http://www.unc.edu/scholcomdig/whitepapers/panitch-michalak.html (accessed 16 April).
- Shu F, Mongeon P, Haustein S, Siler K, Alperin J P and Larivière V, Is it such a big deal? On the cost of journal use in the digital era, College & Research Libraries, 2017 (preprint): http://crl.acrl.org/index.php/crl/article/view/16829 (accessed 16 April 2018).
- Jubb M, Plume A, Oeben S, Brammer L, Johnson R, Bütün C and Pinfield S, Monitoring the transition to open access: December 2017, 2017, London, Universities UK: http://www.universitiesuk.ac.uk/policy-and-analysis/reports/Pages/monitoring-transition-open-access-2017.aspx, 40 (accessed 16 April 2018).
- Legal deposit: http://www.bl.uk/aboutus/legaldeposit/ (accessed 16 April 2018).
- UK Web Archive: https://www.webarchive.org.uk/ukwa/ (accessed 16 April 2018).
- British Library Labs: http://labs.bl.uk/ (accessed 23 April 2018).
- Policy for open access in the post-2014 Research Excellence Framework, July 2015, HEFCE: http://www.hefce.ac.uk/pubs/year/2014/201407/ (accessed 16 April 2018).
- Jubb M et al., ref. 3.
- EPSRC policy framework on research data: https://www.epsrc.ac.uk/about/standards/researchdata/ (accessed 16 April 2018).
- Hettrick S, 4 December 2014, It’s impossible to conduct research without software, say 7 out of 10 UK researchers, Software Sustainability Institute Blog: https://www.software.ac.uk/blog/2016-09-12-its-impossible-conduct-research-without-software-say-7-out-10-uk-researchers (accessed 16 April 2018).
- Jubb M et al., ref. 3.
- UK Research Reserve (UKRR): http://www.ukrr.ac.uk/ (accessed 16 April 2018).
- Living Knowledge: The British Library 2015–2023 project, 10 September 2015: https://www.bl.uk/projects/living-knowledge-the-british-library-2015-2023 (accessed 16 April 2018).
- Living Knowledge, ref. 22.
- Kotarski R, 25 August 2017, Announcing the new British Library Research Data Strategy, Digital scholarship blog: http://blogs.bl.uk/digital-scholarship/2017/08/announcing-the-new-british-library-research-data-strategy.html (accessed 16 April 2018).
- EThOS: http://ethos.bl.uk (accessed 16 April 2018).
- DataCite – The British Library: https://www.bl.uk/datacite (accessed 16 April 2018).
- FREYA: https://www.project-freya.eu/ (accessed 16 April 2018).
- Wilson N and Reimer T, 29 August 2017, I4OC: The British Library and open data, British Library Science Blog: http://blogs.bl.uk/science/2017/08/i4oc-the-british-library-and-open-data.html (accessed 16 April 2018).
- The Alan Turing Institute: https://www.turing.ac.uk/ (accessed 16 April 2018).
- Line M B, The role of national libraries: a reassessment, Libri, 1980, 30(1), 1–6, 1; DOI: https://www.degruyter.com/view/j/libr.1980.30.issue-1/libr.1980.30.1.1/libr.1980.30.1.1.xml (accessed 30 April 2018).