مجلة المعلوماتية مجلة المعلوماتية
حيث تلتقي المعرفة بالتقنيةمجلة فصلية في علوم المعلومات والمكتبات والتقنية

منجم الذهب المراوغ: لماذا تهم التفاصيل الدقيقة لتراخيص المشاع الإبداعي؟

العددالعدد 66
تاريخ النشر
الصفحات19 - 26
عدد القراءات1

الملخص:

يبحث هذا المقال التوترات المرتبطة بملكية الأعمال العلمية وإعادة استخدامها، مع التركيز على تحقيق أهداف الوصول المفتوح من خلال تراخيص المشاع الإبداعي في المملكة المتحدة. ويبدأ من تعريفات مبادرة بودابست وإعلان برلين، ثم يشرح قواعد الملكية الأولى لحق المؤلف في القانون البريطاني وكون الترخيص حقًا لمالك الحقوق وحده. ويحلل سياسات مجالس البحث البريطانية وهيئة (UKRI) في مساري الوصول المفتوح الذهبي والأخضر، ويتخذ من تراخيص إلسفير مثالًا على تعارض سياسات الناشرين مع متطلبات الجهات الممولة، ولا سيما في المسار الأخضر. ويتناول التنقيب في النصوص والبيانات وما يتطلبه من حقوق، وحدود الاستثناء القانوني البريطاني والتراخيص المانعة للاشتقاق. ويخلص إلى أن المال يتغلب على الملكية حاليًا، وأن المطلوب هو مواءمة سياسات الممولين والناشرين، مع إبداء التفاؤل بمبادرة (cOAlition S).

الكلمات المفتاحية: تراخيص المشاع الإبداعي، الوصول المفتوح، ملكية حق المؤلف، التنقيب في النصوص والبيانات، سياسات الجهات الممولة

محتويات المقالة
  1. مقدمة: تراخيص المشاع الإبداعي – ما سبب كل هذه الضجة:
  2. حق المؤلف والملكية الأولى في المملكة المتحدة:
  3. السياسات والنشر ووهم الاختيار:
  4. إلسفير و(UKRI) والمشاع الإبداعي – تراكم السياسات في الواقع العملي:
  5. حق المؤلف والتنقيب في النصوص والبيانات والاستخدام الاشتقاقي:
  6. الخاتمة:
  7. المراجع:

مقدمة: تراخيص المشاع الإبداعي – ما سبب كل هذه الضجة:

في عام 2001 رأت مبادرة بودابست للوصول المفتوح (Budapest Open Access Initiative) أن «الدور الوحيد لحق المؤلف في هذا المجال ينبغي أن يكون منح المؤلفين السيطرة على سلامة عملهم والحق في أن يُنسب إليهم ويُستشهد به على النحو الصحيح». [2] وبعد عامين نص إعلان برلين (Berlin Declaration) على أن مساهمات الوصول المفتوح يجب أن «تمنح جميع المستخدمين حقًا مجانيًا غير قابل للإلغاء وعالميًا في الوصول، وترخيصًا بالنسخ … وإنشاء أعمال مشتقة وتوزيعها … مع مراعاة النسبة الصحيحة للتأليف». [3]

وفي هذا السياق، تُعد كلمة «الوصول» تسمية مضللة إلى حد ما. فإذا فُسرت تفسيرًا ضيقًا، فإنها تعني إتاحة العمل للمطالعة والقراءة مجانًا، وربما تنزيله للاستخدام الشخصي. أما إعلانات النوايا الرائدة هذه فقد ذهبت أبعد من ذلك بكثير، ولأسباب وجيهة. فالوصول الحقيقي وفق هذه المفاهيم يعني حرية الوصول والتنزيل والاستقصاء وإعادة الصياغة وإعادة النشر. ويجب أن تبقى الأعراف الأكاديمية في النسبة والسلامة المعنوية للعمل. ودون استعراض جميع الحجج المقنعة المؤيدة للوصول المفتوح هنا، [5] يكفي القول إن مخرجات البحوث الممولة من المال العام ينبغي، في الحد الأدنى، أن تكون متاحة للجميع للقراءة والتمحيص. ولكي تعود فوائد البحث إلى المجتمع، يجب تقاسم بعض الحقوق التي تكون عادة حكرًا على صاحب حق المؤلف، وإن كان مداها موضع نقاش مستمر. وفي القانون البريطاني تتمثل هذه الحقوق إجمالًا في حق نسخ العمل، وإصدار نسخ منه للجمهور، وإعارته، وأدائه، وإبلاغه إلى الجمهور، وإنشاء نسخ مشتقة منه، والقيام بأي من هذه الأفعال على أي نسخ مشتقة. [6]

وقد وُجدت تراخيص المشاع الإبداعي بأشكال مختلفة منذ عام 2002. وقد كُتبت هذه المبادئ التأسيسية لحركة الوصول المفتوح قبل ابتكار هذه التراخيص وانتشار استخدامها لاحقًا. وتتوافق تعريفاتها للوصول المفتوح، أي اشتراط النسبة وإباحة الاستخدام التجاري والاشتقاقي دون قيود أخرى سوى الحقوق المعنوية للمؤلف، مع ما يُعرف الآن برخصة المشاع الإبداعي – نسب المصنف (CC BY). فالتراخيص المفتوحة تقدم حلًا محكمًا يتيح لصاحب حق المؤلف الاحتفاظ بحقه مع إتاحة عمله بشروط واضحة.

إن نقطة البداية إذن هي صاحب حق المؤلف. وليس من اليسير تفكيك مسألة الملكية الأولى للأعمال الأكاديمية، بل قد تصبح، في بيئة يُتوقع فيها من المؤلفين التصرف بطرق معينة في مخرجاتهم الفكرية، مسألة لا طائل من الجدل فيها، كما سيأتي بيانه.

حق المؤلف والملكية الأولى في المملكة المتحدة:

بموجب قانون حق المؤلف والتصاميم وبراءات الاختراع لعام 1988 (Copyright, Designs and Patents Act 1988, CDPA)، يكون مؤلف العمل هو المالك الأول لحق المؤلف فيه. غير أن القانون يعامل فئات معينة من الأعمال معاملة مختلفة، ومنها الأعمال الأدبية التي ينشئها الموظفون في سياق عملهم. ففي هذه الحالات يكون صاحب العمل هو المالك الأول لحق المؤلف، ما لم يوجد اتفاق يقضي بخلاف ذلك.

وتثير ملكية حق المؤلف، ولا سيما في سياق التعليم العالي، اعتبارات أيديولوجية وعملية. فالدراسات تُظهر صورة متباينة جدًا للملكية داخل الجامعات وللتصرفات المتعلقة بالتنازل عن الحقوق للناشرين، مع استنتاج واحد واضح: كثير من المؤلفين لا يعرفون، أولًا، من يملك الحقوق في أعمالهم العلمية، ولا يعرفون، ثانيًا، ما يُسمح لهم ولغيرهم بفعله بها. وأحدث هذه الدراسات، وهي دراسة أُجريت عام 2017 لسياسات الملكية الفكرية في الجامعات، بيّنت أن أغلبية المستجيبين ذكروا إما أن الموظفين يملكون حق المؤلف في الأعمال العلمية ملكية تامة (44 من 81)، وإما أن مؤسسة التعليم العالي (higher education institution, HEI) تملكه لكنها تتنازل عن مطالبتها بالملكية الأولى (16 من 81)، أو تتنازل عن الحقوق للموظفين (7 من 81)، مع خليط من المقاربات الأخرى. [7] وأحيانًا تُحدَّد هذه المسائل صراحة في عقود العمل، وأحيانًا بحكم العرف والممارسة. وفي كلتا الحالتين، لا تمارس مؤسسات التعليم العالي في أغلب الحالات حقوق ملكيتها على المخرجات العلمية التي ينشئها موظفوها.

ويبدو إذن أن كثيرًا من المؤلفين الأكاديميين أحرار في اختيار طريقة ترخيص أعمالهم. وهذا وثيق الصلة بتراخيص المشاع الإبداعي. فلا يجوز إلا لمالك حق المؤلف أن يتيح عمله بموجب ترخيص. وما إن يفعل ذلك حتى تصبح الشروط غير قابلة للإلغاء، بمعنى أن الشخص الذي وصل إلى العمل بموجب هذه الشروط يجوز له الاستمرار في الاعتماد عليها مستقبلًا، حتى لو سُحب الترخيص لاحقًا، وتسري طوال مدة حماية حق المؤلف كاملة. وفي المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكثير من الدول الأوروبية، تمتد هذه المدة 70 عامًا بعد نهاية السنة التي يتوفى فيها المؤلف. وتبقى مدة حماية حق المؤلف مرتبطة بحياة المبدع حتى لو تنازل عن حقه لاحقًا، كأن يتنازل عنه لناشر شرطًا في عقد النشر.

السياسات والنشر ووهم الاختيار:

دأبت جامعات كثيرة تقليديًا على التنازل عن مطالبات الملكية لأغراض عملية، أي لتمكين المؤلفين من توقيع عقود النشر والتنازل عن حق المؤلف عند الضرورة، وكذلك لأسباب ثقافية. وتاريخيًا طلب كثير من الناشرين التنازل عن حق المؤلف إجراءً معتادًا، دون أن يدرك المؤلفون بالضرورة أن ذلك يؤدي إلى نقل جميع الحقوق: فقد وجدت دراسة أُجريت عام 2003 أن 79% من الأكاديميين ادّعوا أنهم يملكون حق المؤلف رغم أن 90% من الناشرين يطلبون التنازل عنه. [8]

وفي مشهد السياسات الحالي في المملكة المتحدة، يُعد الوصول المفتوح الذهبي (gold OA) النموذج المفضل، ويقف وراءه ثقل تمويل البحث البريطاني. وقد أظهر تقرير «رصد التحول إلى الوصول المفتوح» (Monitoring the transition to open access) لعام 2017 أن 37% من المقالات التي ألّفها باحثون في المملكة المتحدة كانت متاحة فور نشرها في عام 2016، منها 30% بالوصول المفتوح الذهبي. وقد قدمت مجالس البحث (Research Councils, RCUK)، التي أصبحت الآن جزءًا من هيئة البحث والابتكار في المملكة المتحدة (UK Research and Innovation, UKRI)، تمويلًا عبر منح مؤسسية إجمالية عامًا بعد عام، وأظهرت عينة من 38 جامعة في عام 2016 أن تمويل (RCUK) [آنذاك] شكّل 80% من مدفوعات رسوم معالجة المقالات (article processing charge, APC). [10]

ولغة سياسة (RCUK/UKRI) اليوم هي نفسها منذ أول سياسة صدرت بعد تقرير فينش عام 2013، إذ تتبنى تفضيل «الوصول المفتوح الفوري مع أقصى فرصة لإعادة الاستخدام». [11] وتمضي إلى القول إنه حيثما دفع أحد مجالس البحث رسوم معالجة المقالات، يجب إتاحة النسخة المنشورة فور نشرها بموجب أكثر تراخيص المشاع الإبداعي تساهلًا، أي الترخيص الذي يجتاز محك «الوصول المفتوح الحقيقي»: رخصة نسب المصنف (CC BY).

وفي المقابل، قد يكون مسار الامتثال عبر الوصول المفتوح الأخضر (green OA) شديد التعقيد. فلا تُدفع رسوم نشر، وتُغطى تكاليف النشر عادة من الاشتراكات، ويكون «الوصول» الناتج إلى البحث ضبابيًا أحيانًا. وقبل اندماج (RCUK) ومجلس تمويل التعليم العالي في إنجلترا (Higher Education Funding Council for England, HEFCE)، كانت لكل منهما سياسة مستقلة. فقد أجاز (HEFCE) استخدام رخصة المشاع الإبداعي – نسب المصنف – غير تجاري – منع الاشتقاق (CC BY-NC-ND). [12] أما (RCUK) فاشترطت إتاحة نسخة المخطوطة المقبولة (accepted manuscript, AM) «دون قيد على إعادة الاستخدام غير التجاري»، وسمّت رخصة المشاع الإبداعي – نسب المصنف – غير تجاري (CC BY-NC) بوصفها أكثر التراخيص تقييدًا مما يمكن تطبيقه. [13] وقد حُدّثت الأسئلة الشائعة المصاحبة للسياسة بمرور الوقت. وفي أحدث صيغها، تستبعد صراحة استخدام رخصة (CC BY-NC-ND). كما تشترط عدم فرض أي قيد على «التنقيب غير التجاري في النصوص والبيانات». [14]

ولهذا سبب وجيه جدًا. فرخصة (CC BY-NC-ND) هي أكثر تراخيص المشاع الإبداعي تقييدًا. وكل ما يتجاوز (CC BY) لا يستوفي، بالمعنى الدقيق، معايير بودابست وبرلين. ومع ذلك فإن عنصر «غير تجاري» يكون أكثر منطقية حين يكون البحث غير ممول. أما القيود على الأعمال المشتقة فأقل منطقية. فكثير من قوانين حق المؤلف الوطنية تبيح إعادة الاستخدام العادل للعمل كله أو لأجزاء منه لغرض معين، لكن لكي يُتاح حقًا إعادة بناء البحث واستقصاؤه وإعادة مشاركته، لا بد من وجود ترخيص يسمح بإنشاء مشتقات من الأصل واستخدامها. والمؤلفون محميون من الاستخدام المسيء ومن النسبة الزائفة بموجب أعراف حق المؤلف (وبموجب حقوقهم المعنوية المكرسة في جزء من قانون (CDPA))، كما أن عنصر النسبة في رخصة المشاع الإبداعي يعني أنه يمكن تتبع استخدامات العمل ورصدها. ولا يزال بعض المؤلفين الأكاديميين يفضلون استخدام تراخيص أكثر تقييدًا، كما وجدت دراسة أُجريت عام 2014، [15] ولا سيما في الفنون والعلوم الإنسانية. وسيسهم سوء الفهم بشأن استخدام تراخيص المشاع الإبداعي وتطبيقاتها في ترسيخ هذا التصور. يضاف إلى ذلك أن تراخيص المشاع الإبداعي عقود قانونية، وقد استُخدمت بنجاح أمام المحاكم للدفاع عن حقوق المبدعين. [16]

إلسفير و(UKRI) والمشاع الإبداعي – تراكم السياسات في الواقع العملي:

لإبراز التوتر بين ملكية حق المؤلف وسياسة الجهة الممولة وسياسة الناشر، اخترت التركيز على مجموعة التراخيص التي تقدمها إلسفير (Elsevier)، أكبر ناشر أكاديمي في العالم. [17] فسياسة إلسفير وتفسيرها لتراخيص المشاع الإبداعي يجسدان تمامًا الالتباس والتوترات المحيطة بـ«الانفتاح» في منظومة النشر العلمي الحالية.

تقدم إلسفير أربعة تراخيص: (CC BY)، و(CC BY-NC-SA) (المشاركة بالمثل: يجب مشاركة أي عمل جديد بالشروط نفسها)، و(CC BY-NC-ND)، و«رخصة مستخدم إلسفير» (Elsevier user licence) الخاصة بها. وفي الوصول المفتوح الذهبي، يُتاح الاختيار بين رخصة مشاع إبداعي تجارية أو غير تجارية بحسب المجلة، وإن كان عنصر «غير تجاري» لا يستوفي متطلبات كثير من الجهات الممولة، ومنها (UKRI). أما المسار الأخضر فإشكالي على نحو خاص: إذ لا توجد طريقة للنشر لدى إلسفير مع البقاء ممتثلًا لمتطلبات (UKRI) الحالية.

فسياستها تنص على: «إننا ندعم الوصول المفتوح الأخضر … ويمكن أرشفة المخطوطات المقبولة ذاتيًا وفق إرشادات المشاركة لدينا، ويُشترط إرفاق رخصة (CC-BY-NC-ND) بها». [18] وتنص الأسئلة الشائعة الحالية لهيئة (UKRI) صراحة على أن أي ترخيص يتضمن عنصر (ND) غير مقبول للمسار الأخضر. أما السياسة الرسمية المعمول بها منذ عام 2013 فأكثر غموضًا. فهي تشترط إتاحة المخطوطة دون قيد على إعادة الاستخدام غير التجاري، ولا تحدد ترخيصًا بعينه، سوى أن هذا الشرط يمكن استيفاؤه باستخدام رخصة (CC BY-NC)، وأن «التراخيص الخاصة بالناشرين مقبولة شريطة أن تدعم أهداف السياسة، وأن تسمح بإعادة الاستخدام بما في ذلك التنقيب غير التجاري في النصوص والبيانات». [19] ويبدو أن هذا يستبعد التراخيص الأكثر تقييدًا، مثل (CC BY-NC-ND). يضاف إلى ذلك أن سياسة (RCUK/UKRI) طالما دعت إلى إباحة التنقيب في النصوص والبيانات (TDM).

حق المؤلف والتنقيب في النصوص والبيانات والاستخدام الاشتقاقي:

من التعريفات البسيطة للتنقيب في النصوص والبيانات أنه: «التحليل الإلكتروني لكميات كبيرة من الأعمال المحمية بحق المؤلف [بما يتيح] للباحثين اكتشاف أنماط واتجاهات ومعلومات مفيدة أخرى لا يمكن رصدها بالقراءة ‹البشرية› المعتادة». [21] وقد ينطوي على تحليل إحصائي أو عددي أو لغوي. ومن ثم يمكن أن يمتد استخدامه إلى طيف واسع من التخصصات، من العلوم الإنسانية إلى العلوم البحتة. وهو في جوهره قراءة آلية، ومن الأقوال المأثورة التي يرددها كثير من مؤيديه أن «الحق في القراءة هو الحق في التنقيب».

غير أن هذه المقولة أقل فائدة في سياق الوصول المفتوح. فالتنقيب في النصوص والبيانات لا يقتصر على القراءة الآلية، بل يشمل التحليل والتعليق التوضيحي وإنتاج أعمال جديدة تختزل المعرفة الواردة في الأعمال التي جرى التنقيب فيها وتطورها. ويتوقف البحث في المستقبل على نجاح تطبيقات تقنيات الذكاء الاصطناعي (artificial intelligence, AI): فالتنقيب في النصوص والبيانات هو مستقبلنا، لكننا لم نستوعبه بعد في قوانيننا على نحو مثالي. وما لدينا سلسلة من الحلول غير المثالية التي لا تتطابق دائمًا مع الاحتياجات الفعلية.

وقد ينطوي نشاط التنقيب في النصوص والبيانات على بعض الحقوق التالية أو جميعها: الوصول إلى النص (حق الإتاحة للجمهور)؛ وتنزيل النص (حق النسخ)؛ وإعادة تنسيق النص (حق الترجمة أو إنشاء المشتقات)؛ وتخزين النص (النسخ)؛ وإنتاج مخرجات تتضمن النص (إنشاء المشتقات). ويبيح القانون البريطاني نسخ العمل لأغراض التحليل الحاسوبي غير التجاري شريطة أن يكون للشخص الذي يجري التحليل وصول مشروع إلى العمل. ولا يجوز نقل النسخة إلى شخص آخر إلا لتحقيق الغرض نفسه، أي إجراء تحليل حاسوبي غير تجاري. [22] ولا يجوز للتراخيص أن تقيد الحق في القيام بذلك، لكنها، وهذا هو الأهم، تستطيع أن تُمكّن منه. وتتضمن المادة 3 من التوجيه المقترح للاتحاد الأوروبي بشأن حق المؤلف في السوق الرقمية الموحدة (Directive on Copyright in the Digital Single Market) استثناءً للتنقيب في النصوص والبيانات يشبه الاستثناء البريطاني، لكنه أكثر تقييدًا لأنه يقترح قصر هذا النشاط على المؤسسات البحثية ولأغراض البحث العلمي. [23]

ومشاركة الأعمال المشتقة محظورة صراحة بموجب التراخيص التي تتضمن عنصر (ND). [24] ولذلك، فحتى حين تُشارَك الأعمال بموجب رخصة (CC BY-NC-ND)، لا تُباح مشاركة الأعمال المشتقة لا بالقانون ولا بالترخيص؛ فرخصة المشاع الإبداعي عاجزة بوضوح عن سد الثغرة في القانون. والسياسة الحالية لهيئة (UKRI) واضحة: يجب أن يستخدم مسار الوصول المفتوح الأخضر ترخيصًا لا يفرض قيدًا على الاستخدام غير التجاري، و«يسمح بمشاركة الصيغ المعدّلة من المادة». ويشمل ذلك الأعمال المعاد تركيبها أو تحويلها، ونواتج التنقيب في النصوص والبيانات. والقانون البريطاني للتنقيب في النصوص والبيانات إشكالي من نواحٍ أخرى؛ فهو لا يبيح استخدامه لأغراض تجارية، لكن تعريف «التجاري» قد يطرح مشكلات. فعلى سبيل المثال، هل يُعد نشر نتائج التنقيب في مجلة أو وقائع مؤتمر بمقابل مالي استخدامًا تجاريًا؟ وفوق ذلك، لا يمنع القانون البريطاني الحالي الناشرَ من وقف أنشطة تنقيب كانت ستكون مشروعة لولا ذلك، إذا رأى أن هذه الأنشطة ستؤدي إلى تردّي خدماته. ونتيجة لذلك، اتخذ عدد من مكتبات التعليم العالي نهجًا حذرًا على نحو غير ضروري، إذ نصت على أنه لا ينبغي للمستفيدين استخدام المواد التي تتاح للمكتبة لأغراض التنقيب الواسع النطاق.

وبالعودة إلى اختيار المؤلف وحقوقه، تجدر الإشارة إلى أن القيود التي يفرضها الترخيص كثيرًا ما تطال المؤلف نفسه. فالمسار الأخضر إلى الوصول المفتوح أكثر احتمالًا بكثير من المسار الذهبي لأن ينطوي على التنازل عن حق المؤلف. وأحيانًا تعيد عقود النشر بعض الحقوق «إلى» المؤلف. وبعيدًا عن هذا الحل المتفاوت والمعقد، يفقد المؤلفون الحق في القيام بالأفعال التي يبيحها عادة صاحب حق المؤلف، ومنها الحق في إعادة الصياغة وإعادة المشاركة. ومن ثم فإن تراخيص الوصول المفتوح الحقيقية وسيلة يحتفظ بها المؤلفون بحقوقهم في إعادة استخدام أعمالهم، بما في ذلك حقوقهم المعنوية بوصفهم مؤلفين. والأمثل أن يقترن ذلك بقدر من الاستقلالية للمؤلفين في اختيار ترخيصهم. ويقع على عاتق المؤسسات والناشرين والجهات الممولة على حد سواء تقديم إرشادات ومشورة واضحة ومتسقة بشأن التراخيص المفتوحة، حتى تُتخذ الخيارات عن معرفة وفهم للأثر المحتمل.

الخاتمة:

يسود سوء الفهم بشأن تراخيص المشاع الإبداعي. ويرجع ذلك جزئيًا إلى المعلومات المغلوطة، ويؤدي إلى توترات بين سياسات النشر وسياسات التمويل. كما يرجع إلى تطور التقنيات والمفاهيم القانونية. فقد خضع قانون حق المؤلف البريطاني لتحديثات مهمة عام 2014، لكنه لم يواكب كثيرًا من هذه الابتكارات والتطبيقات التقنية. والقوانين القوية أساس حيوي، لكنها معروفة ببطء تحديثها، ولذلك لا بد أن تؤدي التراخيص دورًا حاسمًا في سد الثغرات.

وتُبنى العلاقة بين الأكاديميين ومؤسسات التعليم العالي البريطانية عادة على نحو يمنح كثيرًا من المؤلفين الأكاديميين حرية نقل حق المؤلف أو ترخيص أعمالهم أو كليهما. غير أن الموازنة بين المتطلبات المتنافسة لسياسات الجهات الممولة والناشرين تزداد صعوبة، ولا سيما حين تسود المعلومات المغلوطة بشأن الحقوق والترخيص.

إن صوت المال أعلى من صوت الملكية، في الوقت الحاضر على الأقل. فحين يتلقى الناشرون تمويلًا بحثيًا في صورة رسوم معالجة المقالات، يكون لديهم حافز لتكييف ممارساتهم تبعًا لذلك. وكثيرًا ما يكون الوصول المفتوح الذهبي المدفوع أيسر المسارات للامتثال لاشتراطات الجهات الممولة وسياسات الناشرين. ادفع رسوم معالجة المقالات، وستتمكن من نشر مقالك فورًا، مع إتاحة النسخة المنشورة النهائية (version of record, VoR) بموجب رخصة (CC BY)، مع احتفاظك في الغالب بملكية حق المؤلف في أثناء ذلك، واحتفاظك دائمًا بحق إعادة استخدام عملك. أما في الوصول المفتوح الأخضر، فمن الصعب تجاهل الارتباط بين عدم الدفع والتفاوت المقابل في الوصول إلى البحث، بما في ذلك فرض الناشرين المختلفين فترات حظر (embargo) متفاوتة.

وما نحتاج إليه الآن، أكثر من أي وقت مضى، هو المواءمة بين سياسات الجهات الممولة وسياسات النشر بما يمنح المؤلفين ومؤسساتهم والقراء حرية الاختيار، وكذلك فرصة الوصول العادل وإعادة الاستخدام. وتنص مبادرة (cOAlition S) المعلن عنها مؤخرًا، التي تُعد (UKRI) من الموقّعين عليها، على تفضيل رخصة (CC BY)، وعلى أن نماذج النشر الهجينة لا تتوافق مع المبادرة، وأنه «في جميع الحالات ينبغي أن يستوفي الترخيص المطبَّق المتطلبات التي حددها إعلان برلين». ولعل الأهم أن النقطة الأولى فيها تنص على أن يحتفظ المؤلفون «بحق المؤلف في منشوراتهم دون أي قيود». [25] وقد أعاد الإلزام بالتراخيص المفتوحة إشعال الجدل حول الحرية الأكاديمية، غير أن الاحتفاظ الكامل بحق المؤلف خطوة إيجابية لكثير من المؤلفين. أما التفاصيل الإضافية، وكيف ستفسر (UKRI) ذلك في صنع سياساتها، فأمور لم تتضح بعد. ومع ذلك يبدو من المبشّر أن يكون هذا بداية إلزام قوي تفرضه الجهات الممولة والسياسات لصالح تراخيص الوصول المفتوح الحقيقية، وهو ما سيعود بفائدة هائلة على كثير من أصحاب المصلحة في منظومة الاتصال العلمي.

المراجع:

  1. Banks C, Focusing upstream: supporting scholarly communication by academics, Insights, 2016, 29(1), 37–44; DOI: https://doi.org/10.1629/uksg.292 (accessed 5 November 2018).
  2. Budapest Open Access Initiative, 2001: https://www.budapestopenaccessinitiative.org/read (accessed 5 November 2018).
  3. Berlin Declaration, 2003: https://openaccess.mpg.de/Berlin-Declaration (accessed 5 November 2018).
  4. An introduction to open access, Jisc, 2015: https://www.jisc.ac.uk/guides/an-introduction-to-open-access (accessed 5 November 2018).
  5. Copyright, Designs and Patents Act 1988, sections 16(1) and 29A: https://www.legislation.gov.uk/ukpga/1988/48/contents (accessed 5 November 2018).
  6. Gadd E, UK university policy approaches towards the copyright ownership of scholarly works and the future of open access, ASLIB journal of information management, 2017, 69(1), 95–114; DOI: https://doi.org/10.1108/AJIM-06-2016-0092 (accessed 5 November 2018).
  7. Gadd E et al., RoMEO studies 1: the impact of copyright ownership on academic author self-archiving, Journal of Documentation, 2003, 59(3), 243–277; DOI: https://doi.org/10.1108/00220410310698239 (accessed 7 November 2018).
  8. Jubb M et al., Monitoring the transition to open access, 2017, UUK: https://www.universitiesuk.ac.uk/policy-and-analysis/reports/Documents/2017/monitoring-transition-open-access-2017.pdf (accessed 5 November 2018).
  9. RCUK Policy on Open Access and Supporting Guidelines: https://www.ukri.org/files/legacy/documents/rcukopenaccesspolicy-pdf/ (accessed 5 November 2018).
  10. Policy for open access in the post-2014 Research Excellence Framework: Updated July 2015, HEFCE: http://www.hefce.ac.uk/pubs/year/2014/201407/ (accessed 5 November 2018).
  11. RCUK, ref. 11.
  12. RCUK Policy on Open Access Frequently Asked Questions: https://www.ukri.org/files/funding/oa/oa-faqs-pdf/ (accessed 5 November 2018).
  13. Taylor & Francis, Open Access Survey, 2014: https://www.tandf.co.uk//journals/explore/open-access-survey-june2014.pdf (accessed 5 November 2018).
  14. Creative Commons: https://wiki.creativecommons.org/wiki/Curry_v._Audax (accessed 5 November 2018).
  15. Larivière V, Haustein S and Mongeon P, The Oligopoly of Academic Publishers in the Digital Era, PLOS ONE, 2015, 10(6); DOI: https://doi.org/10.1371/journal.pone.0127502 (accessed 5 November 2018).
  16. Elsevier – Open access licenses: https://www.elsevier.com/about/policies/open-access-licenses (accessed 5 November 2018).
  17. RCUK, ref. 11.
  18. Copyright User – Text & Data Mining: https://www.copyrightuser.org/understand/exceptions/text-data-mining/ (accessed 4 November 2018).
  19. Copyright, Designs and Patents Act 1988, ref. 6.
  20. European Commission: https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/?uri=CELEX%3A52016PC0593 (accessed 5 November 2018).
  21. Creative Commons: https://creativecommons.org/licenses/by-nc-nd/4.0/legalcode (accessed 5 November 2018).
  22. Science Europe Plan S: https://www.scienceeurope.org/wp-content/uploads/2018/09/Plan_S.pdf (accessed 5 November 2018).

بيانات المصدر الأصلي

Mallalieu, R. (2019). The elusive gold mine? The finer details of Creative Commons licences – and why they really matter. Insights: the UKSG journal, 32, 1. https://doi.org/10.1629/uksg.448.

اقتبس هذا المقال

روث ماليليو (2019). «منجم الذهب المراوغ: لماذا تهم التفاصيل الدقيقة لتراخيص المشاع الإبداعي؟». مجلة المعلوماتية، العدد 66، ص 19 - 26. https://informaticsjournal.net/?p=53148

مقالات ذات صلة