في البداية دعونا نوضح مفهوم الإدارة من منظور علمي، فهي حسب ما يراه المتخصصون: الاستخدام الفعال والكفء للموارد البشرية والمادية والمالية والمعلومات والأفكار والوقت من خلال العمليات الإدارية المتمثلة في التخطيط، والتنظيم والتوجيه والرقابة بغرض تحقيق الأهداف؛ أما المعلومات فهي: بيانات تمت معالجتها وتوثيقها وربطها بعلاقات ذات معنى وفي سياق معين.
وعند ربط المعلومات بالإدارة نصل إلى مفهوم إدارة المعلومات، ويقصد به: إدارة جميع مراحل معالجة المعلومات من الإنتاج والجمع والتخزين والاسترجاع والنشر؛ وترجع أهمية إدارة المعلومات لكونها تسهل عملية التحكم بالمعلومات، وهي تهدف إلى تحسين فاعلية النظم في إدارة المعلومات كمورد يدعم عملية اتخاذ القرار.
وإن كانت قضية إدارة المعلومات تعالج عادة من جوانب تقنية وفنية، إلا أنني سأتحدث عن جانب مختلف، فمشكلة إدارة المعلومات في العالم العربي تختلف في بعض جوانبها عن نظيرتها في الغرب، فهم يعانون حالياً بشكل كبير من تراكم المعلومات الرقمية ــ تمثل اللغة الإنجليزية ما يقرب من 70% من محتوى الويب على الإنترنت ــ وبالتالي فهم يعالجون هذه المشكلة من خلال إدارة هذا الكم الهائل من المعلومات بطرق آلية معيارية.
إننا في العالم العربي لا نزال نعاني من تراكم المعلومات على وسائط تقليدية، ومن ضعف في أساليب التنظيم والاسترجاع، فعلى سبيل المثال هل تعلمون أن معظم مكتباتنا تحتوي على عدد كبير من الدوريات العلمية العربية المطبوعة؛ إلا أن معظم مكتباتنا لم تعدّ كشافات لهذه الدوريات، بمعنى أنك لا تستطيع معرفة ما تحتويه أعداد هذه الدوريات من دراسات وبحوث إلا من خلال تصفح كل عدد على حدة، هل تعلمون أننا لم نتفق حتى الآن على معظم أدوات التنظيم، ولا نزال نختلف على قضايا حسمت عند الأمم الأخرى منذ عشرات السنين.
إننا في العالم العربي نعاني من مشاكل نفسية تمنعنا من الاتحاد في أبسط صوره، مشاكل تتعلق بنا وليست بالآخرين، إننا أمة يستحيل أن تقود هذا العالم، أو أن تلحق بركبه في ظل العقول المتحجرة التي تدير مؤسساتنا المعلوماتية.
حضرت قبل نحو شهرين، وتحديداً في 21 شوال 1429هـ اللقاء الثاني لأعضاء الفهرس العربي الموحد وهو مشروع تعاوني غير ربحي يهدف لإيجاد بيئة تعاونية بين مؤسسات المعلومات العربية، والتي ستمكن المستفيد من الوصول لوعاء المعلومات العربي بكل يسر، وهو هدية من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله لمؤسسات المعلومات العربية، حيث رفع لمقامه المشكلة التي تعاني منها مؤسسات المعلومات العربية، ومطالبات المتخصصين في مجال المعلومات لبناء فهرس عربي موحد يعتمد على المعايير الدولية، وتحملت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة رسوم الاشتراك عن المكتبات العربية منذ إنشائه، تشجيعاً لها، وتطويراً لبنيتها التحتية، وتحسيناً لخدماتها، إضافة إلى حرصها على تعميم الإفادة من الفهرس في المكتبات العربية.
ولكنني فوجئت بخبر قيام إحدى الدول العربية باعتماد مشروع مماثل، وقرأت تعليق الأستاذ سعد الزهري رئيس الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات آنذاك، منتقداً هذا المشروع (جريدة الجزيرة، العدد 13178، الاثنين 28 شوال 1429هـ) والذي قال فيه: "للأسف أن بعض العرب لا يرى النجاح لأي مشروع إلا من خلاله هو، وأي مشروع لا يكون فيه بشخصه يعده ناقصاً، وهذا واحد من أهم أسباب الوضع المتردي العربي، كما أن بعض الناس يرى أنه فوق مستوى الآخرين"، عندها ترسخ لديّ أن إدارة معلوماتنا بصورة جماعية متعذرة في ظل هذه الممارسات، وأن علينا أن نمضي في العمل بإمكاناتنا، بدلاً من انتظار الآخرين.