هناك من يبني، وهناك من لا يتقن إلا هدم ما يبنيه الآخرون. والإنترنت علامة بارزة في هذا العصر، لذا يطلق البعض عليه اسم عصر الإنترنت، فهو أداة اتصال عظيمة، فلم يتخيل الإنسان في يوم من الأيام أن تتاح له فرصة التواصل مع جميع البشر في شتى أقطار الأرض بهذه السهولة، ويتبادل معهم المعلومات، فيرسل ويستقبل، ويناقش فيعلم ويتعلم، حتى أصبح البعض يطلق عليه مكتبة العالم، إشارة إلى ما تحتويه من مصادر للمعلومات.
ولكن البعض يهوى إفساد هذه النعمة، وتشويه هذه الصورة، فينشر من البرمجيات ما يعطل به المواقع العلمية، ويخرب الملتقيات الفكرية، ويعيث في الإنترنت فساداً، يصبح ويمسي وهو يبحث هنا وهناك ليس عن فائدة علمية وإنما عن أفعال تخريبية، فيفسد ولا يصلح.
ومن أغرب ما رأيت في هذا الجانب أن البعض يعمل هذه الأعمال التخريبية بدوافع دينية!
فيعتقد أن الاعتداء على مواقع الآخرين هو ضرب من ضروب الجهاد، ونصرة الدين، وما نلبث إلا ونرى مواقعنا تتهاوى الواحد تلو الآخر بسبب فعل أو ردة فعل مماثلة، فنفقد من الخير أكثر مما أوقفنا من الشر، والمشكلة أن المخربين من الطرفين شباب لم يستوعبوا مفهوم الإنترنت ودورها في الحوار وعرض الأفكار والتعرف إلى الآخر، والمصيبة العظيمة عندما ترى أن أكبر مواقع الشبكات الاجتماعية تزخر بمعلومات عظيمة يتشاركها أبناء الأمم والشعوب، وعندما ترى صورتها العربية تجدها إما لعب ولهو، أو سب وشتم.
كيف يليق بأمة قادت العالم قروناً أن يعجز بعض أبنائها عن توظيف التقنية في الخير، وأن يقدموا بدلاً من ذلك صورة للتناحر والكراهية والكذب والافتراء؟
بالمقابل هناك من يوقد شمعة في الظلام، ويقدم صورة مشرقة لأمته ودينه، من خلال إنشاء مواقع تقدم المعلومة بلا حدود ولا قيود، وفتح قنوات يتم فيها نشر مصادر المعلومات ليستفيد منها كل من يرغب في التعلم، فيبني ولا يهدم.
ومن ذلك مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله لإثراء المحتوى العربي على الإنترنت، التي تشرف عليها مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، ويؤمل أن تسهم في النهوض بالمحتوى العربي على شبكة الإنترنت، ويحافظ على هويتنا وتراثنا العربي الإسلامي، ويردم ما بيننا وبين الأمم الأخرى من فجوة رقمية.
ولعل من أبرز مشاريع هذه المبادرة التي حولت كثيراً من الأحلام إلى واقع مشاهد وملموس، مبادرة المعجم الحاسوبي التفاعلي وهو معجم عربي مفتوح المصدر، تشترك في إدارته مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
كما نظمت هذه المبادرة منافسة بالتعاون مع شركة جوجل (Google) وبالاشتراك مع الجامعات والمؤسسات التربوية والأكاديمية السعودية لكتابة أفضل المقالات في موقع وحدة المعرفة نول (Knol) حيث تقوم مجموعة من الخبراء في المجالات التي تستهدفها المنافسة بمراجعة المقالات دورياً وترشيح أفضلها لنيل جوائز خصصت لذلك.
كما طرحت هذه المبادرة مشروع مدونة اللغة العربية، والتي تهدف إلى جمع أكبر قدر ممكن من المؤلفات العربية، التي تغطي الفترة الزمنية منذ بداية الكتابة باللغة العربية إلى العصر الحديث وفي جميع التخصصات، ويعد هذا المشروع أكبر المشروعات العربية التوثيقية على الإنترنت.
هؤلاء هم من ينير لنا الطريق، ويمثلون أمتنا، ونفتخر بأعمالهم، وليس من يفسد ويخرب ويمحو.