قد يلفت نظرنا إعلان يقول إن عدد المستفيدين من خدمة ارتفع بنسبة مائة في المائة، فنظن أن نجاحًا كبيرًا قد تحقق. لكن ماذا لو كان العدد قد ارتفع من مستفيد واحد إلى اثنين؟ النسبة صحيحة، ومع ذلك قد تمنحنا انطباعًا أكبر مما تسمح به الأعداد التي وراءها.
لا تكمن المشكلة في الأرقام، بل في طريقة عرضها وفهمها. فالرقم يحتاج إلى سياق: ماذا يقيس؟ وخلال أي مدة؟ وعلى من أجري القياس؟ وما الذي نقارنه به؟ وإذا غابت هذه الأسئلة، فقد ننقل إحصائية صحيحة ونصل منها إلى استنتاج غير صحيح.
ومن الفروق التي تستحق الانتباه الفرق بين النسبة المئوية والنقطة المئوية. فارتفاع نسبة من عشرة في المائة إلى عشرين في المائة يمثل زيادة قدرها عشر نقاط مئوية، وفي الوقت نفسه يمثل تضاعفًا للنسبة السابقة. والتعبيران صحيحان، لكن لكل منهما معنى ينبغي أن يكون واضحًا للقارئ.
وقد تخفي المتوسطات تفاوتًا مهمًا أيضًا. فلو كانت أعداد زوار ثلاثة فروع لمكتبة عشرة وعشرة ومائة، لكان المتوسط أربعين زائرًا للفرع. غير أن هذا المتوسط وحده لا يصف تجربة الفرعين الأولين وصفًا كافيًا، ولا يعين على معرفة سبب الاختلاف. لذلك نحتاج أحيانًا إلى النظر في توزيع الأعداد، لا إلى رقم واحد يلخصها.
والحال نفسها مع استطلاع رأي نشارك فيه عبر رابط مفتوح؛ فنتيجته تصف إجابات من شاركوا، لكنها لا تمثل بالضرورة رأي المجتمع كله. وقبل أن نعممها علينا أن نسأل عن طريقة اختيار المشاركين، وعددهم، وصياغة الأسئلة، وما إذا كانت هناك فئات لم تتح لها فرصة المشاركة.
وأرى أننا نحتاج إلى تدريب أبنائنا على هذه القراءة في مواقف قريبة منهم: إعلان تجاري، أو تقرير مدرسي، أو رسم بياني منشور. لا نطلب منهم أن يشكوا في كل رقم، وإنما أن يعرفوا ما يثبته الرقم وما لا يثبته، وأن يرجعوا إلى مصدره إذا أرادوا بناء حكم عليه.
إن الأرقام تساعدنا على فهم الواقع حين نحسن السؤال عنها. أما حين نكتفي بدقة مظهرها، فقد نمنحها سلطة تتجاوز ما تقوله. فلنقرأ ما وراء النسبة، ولنبحث عن المقارنة العادلة، ولنبق الاستنتاج في حدود البيانات التي بين أيدينا.