مجلة المعلوماتية مجلة المعلوماتية
حيث تلتقي المعرفة بالتقنيةمجلة فصلية في علوم المعلومات والمكتبات والتقنية

الإنسانيات الرقمية والمكتبات: من تقديم الخدمة إلى الشراكة في إنتاج المعرفة

What Is Digital Humanities and What’s it Doing in the Library?

العددالعدد 40
تاريخ النشر
عدد القراءات1
اقتباس
مشاركة

الملخص:

يناقش المقال دور المكتبات في الإنسانيات الرقمية، مستندًا إلى كتابات تأسيسية في المجال. ويبين كيف تستطيع المكتبات أن توفر فضاءً للاستكشاف والتجريب، وأن تسهم في إتاحة المعلومات وتطوير الاتصال العلمي، وأن تشارك الباحثين في إنتاج المشروعات الرقمية. ويدعو إلى توسيع الأدوار المهنية للمكتبيين، والتحول من تقديم الخدمة وحدها إلى الشراكة في بناء المعرفة والأدوات الرقمية.

الكلمات المفتاحية: الإنسانيات الرقمية، المكتبات الأكاديمية، أدوار أمناء المكتبات، الاتصال العلمي، الوصول المفتوح

محتويات المقالة
  1. مقدمة: قراءة في كيرشنباوم:
  2. المكتبة فضاءً للاستكشاف والتجريب: قراءة في رامزي:
  3. لماذا الإنسانيات الرقمية؟ – عن سبيرو:
  4. الأدوار المهنية البديلة والمكتبيون متعددو الخبرات: قراءة في نوفيسكي:
  5. فرص للمشاركة:
  6. مصادر للاستزادة:
  7. المراجع:

تشترك المكتبات والإنسانيات الرقمية في أهداف أساسية. لذلك، بدلًا من مواصلة السؤال عن وجود دور للمكتبة أو طبيعة هذا الدور، ينبغي أن نبدأ بالمشاركة في المشروعات الرقمية القائمة، وأن نسعى إلى أدوار ومسؤوليات أوسع تتيح ذلك. والمطلوب أن نكون منتجين ومبدعين وشركاء للباحثين في إنجاز العمل.

مقدمة: قراءة في كيرشنباوم:

في ربيع عام 2011 نشر ماثيو كيرشنباوم (Matthew Kirschenbaum)، أستاذ اللغة الإنجليزية في جامعة ميريلاند، مقالًا لرابطة أقسام اللغة الإنجليزية بعنوان «ما الإنسانيات الرقمية؟ وما شأنها بأقسام اللغة الإنجليزية؟». وقد صار ذلك المقال واحدًا من الأعمال المحورية في تعريف حقل الإنسانيات الرقمية (Digital Humanities, DH) أو حركتها أو مثالها، إلى جانب عدد من المقالات الأساسية الأخرى (يُنظر قسم «مصادر للاستزادة» في نهاية المقال). وأطروحة كيرشنباوم أن الإنسانيات الرقمية «راكمت بمرور الوقت جهازًا مهنيًا متينًا ربما كانت جذوره في أقسام اللغة الإنجليزية أعمق منها في أي قسم أكاديمي آخر». ومع ما في ذلك من حسم، ومع ما يقدمه من أدلة وافرة على دعواه، فإنه يترك مجالًا للتوسع، ويختم مقاله بقوله:

…الإنسانيات الرقمية اليوم تتعلق ببحث علمي (وتعليم) مرئي للعامة على نحو لم نعتده عمومًا، ببحث وتعليم مرتبطين بالبنية التحتية ارتباطًا أعمق وأوضح مما اعتدناه عمومًا، ببحث وتعليم تعاونيين يعتمدان على شبكات من الناس ويعيشان حياة نشطة على الإنترنت على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع. [1]

وبصرف النظر عن صعوبة الاتفاق على تعريف جامع للإنسانيات الرقمية، فإن على المكتبة أن ترى مكانها في هذه الشبكات والبنى التحتية التي تجمع التعاون والإتاحة العامة والعمل عبر الإنترنت.

وفي ضوء مقالات مثل مقال كيرشنباوم، عانت المكتبات في تحديد دورها في الإنسانيات الرقمية، إذ كثيرًا ما تلجأ النقاشات حول الإنسانيات الرقمية إلى الخطاب النظري أو الدراية التقنية. غير أنه يمكن القول إن المكتبة، لأنها تعمل أصلًا بوصفها فاعلًا متعدد التخصصات في الجامعة، هي المكان المركزي الذي يمكن أن يُنجز فيه عمل الإنسانيات الرقمية، وينبغي أن يُنجز فيه، ويُنجز فيه فعلًا. فمشروعات الإنسانيات الرقمية تتضمن المجموعات الأرشيفية، ومسائل حقوق التأليف والنشر والاستخدام العادل، وتنظيم المعلومات، والتقنيات الناشئة، والأفكار التقدمية حول دور النص أو النصوص في المجتمع، وكلها مجالات خبرة محتملة في حقل مهنة المكتبات. بل إن ثلاثة من كل أربعة مراكز شديدة النشاط في الإنسانيات الرقمية تقع فعليًا مع مكتبات جامعاتها؛ فمعهد ميريلاند للتكنولوجيا في الإنسانيات (MITH) في جامعة ميريلاند – كوليدج بارك، ومختبر الباحثين (ScholarsLab) في جامعة فيرجينيا، ومشاع البحث الرقمي (DiSC) في جامعة إيموري، كلها تقع داخل المكتبة. أما مركز التاريخ والإعلام الجديد (CHNM) في جامعة جورج ميسون فهو تابع لقسم التاريخ وتاريخ الفن، لكنه يقع في مقر مستقل. وفي المقابل، ومما يوضح الثنائية المستمرة في الإنسانيات الرقمية بين «الصنع» و«الكلام» (Hack vs. Yack)، أي فعل الأشياء وصنعها بدلًا من تحليلها نقديًا، فإن الأقسام الأكاديمية هي في الغالب حيث تُناقش الإنسانيات الرقمية ويُنظَّر لها ويُكتب عنها.

يضاف إلى ذلك أن القوى العاملة الموصوفة بـ«المسارات الأكاديمية البديلة» (Alt–Ac)، والمعرّفة بأنها تضم أشخاصًا تلقوا تدريبًا عاليًا في الإنسانيات ويسعون إلى مسارات مهنية خارج مسار التثبيت الأكاديمي، تميل إلى توجيه تطلعاتها المهنية نحو العمل في مكتبة، وكثيرًا ما يكون ذلك من دون تدريب تقليدي في مهنة المكتبات. وبرنامج زمالات مجلس موارد المكتبات والمعلومات (CLIR) مصمم لهذا الغرض تحديدًا. وكما يتبين من المسح الأخير لأصحاب المسارات الأكاديمية البديلة، فإن من يعرّفون أنفسهم بأنهم مشتغلون بالإنسانيات الرقمية ينتمون إلى طائفة واسعة من التخصصات، ويحمل كثيرون منهم درجة الدكتوراه، وقليلون منهم يتخذون لقب «أمين مكتبة». ومع أن المكتبة (بالمعنى الواسع) حافظت على حضور ظاهر في الإنسانيات الرقمية، فإنها لم تدرك بعد إدراكًا تامًا أنها عنصر أساسي في تحقيق أهداف الإنسانيات الرقمية. ومن خلال عرض موجز لعدد من الكتابات التأسيسية في الإنسانيات الرقمية، سيحاول هذا المقال الإشارة إلى بعض المجالات التي يجب على المكتبة أن تحسن فيها التعبير عن هذا الدور. وآمل كذلك أن أشجع أمناء المكتبات المعنيين والمهتمين بهذا المجال وما يتصل به على البدء في النظر إلى المشروعات الرقمية بوصفها فرصًا للشراكة. وأخيرًا، سأعترض على نموذج «الخدمة» في مهنة المكتبات، وأقترح أن تتطور الصورة التي يرى بها هذا الحقل نفسه إلى نموذج «الإنتاج».

المكتبة فضاءً للاستكشاف والتجريب: قراءة في رامزي:

لواين ويغاند (Wayne Wiegand)، مؤرخ ثقافة الطباعة والمكتبات، شعار يردده بشأن المكتبة بوصفها مكانًا؛ إذ يقول إنه بدلًا من فهم «المستفيد في حياة المكتبة، يجب أن نرى المكتبة في حياة المستفيد». [2] ولن يكون من المبالغة أن نعزو كثيرًا من التجديد الذي تشهده المكتبات إلى هذا المثال: فالمستفيد تطور، ومن ثم يجب أن تتطور المكتبة. فبرامج المكتبات تشمل الآن نصائح في البحث على الويب، وأجهزة الحاسوب فيها أكثر من فهارس البطاقات، والقهوة في متناول اليد. ثم إن المكتبة، بوصفها مؤسسة رصينة للمعرفة والاستكشاف، ينبغي إذن أن تندمج في الطرق الكثيرة التي يكتشف بها المستفيد المعلومات. أو هكذا تقول الرواية. وإذا وضعنا أطروحة ويغاند المتفائلة في سياق التصريحات الأخيرة عن انتفاء الحاجة إلى أمناء المكتبات وعن موت الإنسانيات، فقد يفترض المرء أن كليهما يسير نحو الهاوية، الأولى بإسكات الناس والثانية بالتنظير النقدي، وأنه لا مكان للمكتبة في حياة المستفيد. [3]

ولكي تتحدى المكتبة هذا التصور، يجب أن تعمل بوصفها مكانًا يستطيع فيه الباحثون تجربة أشياء جديدة، واستكشاف مناهج جديدة، والتجريب عمومًا في طرق جديدة لإنجاز البحث العلمي. ويرى ستيفن رامزي (Stephen Ramsay)، الأستاذ المشارك في اللغة الإنجليزية بجامعة نبراسكا – لينكولن والزميل في مركز البحث الرقمي في الإنسانيات، في مقاله «تأويل التجريب الحر؛ أو ماذا تفعل بمليون كتاب» (The Hermeneutics of Screwing Around; or What You Do with a Million Books)، أن التصفح (browsing)، في مقابل البحث (searching)، ضرورة ثقافية. وما تزال قابلية التصفح، بمعناها الأكثر تقليدية، موضوعًا حساسًا نسبيًا في مهنة المكتبات. فمع تحول المصادر إلى الشكل الرقمي، وإعادة تخصيص المساحات من الرفوف إلى «المختبرات» و«المشاعات»، ظل الرأي السائد أن التصفح ليس ضروريًا للمهام الحيوية للمكتبة الحديثة. غير أن رامزي يقول:

ليست المسألة استبدال أحدهما بالآخر، كما سيخبرك أي أمين مكتبة. بل هي أن نسأل هل نحن مستعدون لقبول التنقل والتعثر – أي التجريب الحر بمعناه الواسع – منهجًا للبحث. فالقيام بذلك يعني التسليم بالتعقيدات التي لا تُدحض لما «لا يعرفه أحد حقًّا». هل يمكننا أن نتخيل عالمًا تفسح فيه عبارة «هذه قائمة مرتبة بالكتب التي ينبغي أن تقرأها» المجال لعبارة «هذا ما وجدته. ماذا وجدت أنت؟» [4]

إعادة تصور مكان المكتبة في الإنسانيات الرقمية لا تعني حصرها في توفير الإجابات أو الإرشاد إلى المصادر المناسبة؛ بل تقتضي أيضًا إفساح المجال للتجريب الحر والتصفح واللعب الاستكشافي. ولذلك تحتاج المقابلة المرجعية إلى التكيف: فبدلًا من توجيه المستفيد سريعًا إلى سؤال محدد وإجابة محددة، ينبغي أن تساعده كذلك على اكتشاف مسارات البحث، ولا سيما في تعاملنا مع الباحثين والطلاب في الإنسانيات.

وعلى المكتبة أن تخصص وقتًا لما يلي الاستكشاف أيضًا؛ فالاكتفاء بخدمة سريعة تنتهي بانصراف المستفيد لا يلبي احتياجات من يتطلب عملهم تخطيط مشروعات وبناءها وتنفيذها. وتستفيد هذه المشروعات من خبرات المكتبات في تنظيم المعلومات ووضعها في سياق أوسع.

إن النظر إلى المكتبة بوصفها مكانًا للإنتاج والإبداع، سواء أنتجت أعمالًا علمية رقمية أو أشكالًا أخرى من المعرفة، يعزز حضورها في حياة المستفيد. ومن أدوارها في الإنسانيات الرقمية دعم رحلة البحث نفسها، وتشجيع استخدام نتائجها بطرق مبتكرة تُكسبها معاني ووظائف جديدة. [5]

لماذا الإنسانيات الرقمية؟ – عن سبيرو:

إن السؤال عن ماهية الإنسانيات الرقمية أو عمّن يُسمح له بالمشاركة فيها يقصر عن إدراك القيمة الحقيقية التي يقدمها هذا الحقل للأوساط الأكاديمية وللتراث الثقافي وللجمهور. فالمفتاح هو إدراك الإمكانات التي يمكن أن تحملها الفنون والموسيقى والشعر والأدب حين تُحوَّل إلى أشكال رقمية، وتُستخلص بيانات منها بالأدوات الرقمية، ويُعاد تقديمها للقراء والمشاهدين. فالإنسانيات الرقمية تشترك في جوهرها مع المكتبة في أبسط أهدافها: إتاحة المعلومات. وتهدف مشروعات الإنسانيات الرقمية الكثيرة إلى أخذ مواد ثقافية لم يكن من الممكن اكتشافها رقميًا من قبل، وهي المواد نفسها التي يتناولها الباحثون في الإنسانيات ويستخدمونها في أعمالهم، وإيصالها إلى جمهور جديد واسع. أو بناء أداة تمكّن الآخرين من فعل ذلك بالضبط. وتعرض ليزا سبيرو (Lisa Spiro)، مديرة مختبرات المعهد الوطني للتكنولوجيا في التعليم الليبرالي (NITLE) ومحررة ويكي أدوات البحث الرقمي (DiRT)، في عرضها التقديمي «لماذا الإنسانيات الرقمية؟»، أهداف الحقل من منظورها، مركزة على خمسة مجالات تتطلع فيها الإنسانيات الرقمية إلى ما يتجاوز الباحثين الأكاديميين التقليديين:

  • توفير إتاحة واسعة للمعلومات الثقافية
  • تمكين معالجة تلك البيانات
  • تحويل الاتصال العلمي
  • تعزيز التعليم والتعلم
  • إحداث أثر عام. [6]

ومن الواضح أن هذه الأهداف تتقاطع مع مهنة المكتبات في أفضل صوره، وبينما تعمل المكتبة على تحسين أثرها في المجتمع، فإن استكشاف هذه المجالات من منظور الإنسانيات الرقمية أمر جدير بالاعتبار.

تتكرر كلمات مثل «المعالجة» و«التحويل» و«التعزيز» و«الأثر» في الحديث عن العمل الرقمي، بينما يميل قطاع التقنية إلى استخدام مفهوم التغيير الجذري. وقد يساعد توظيف لغة الخطاب الثقافي السائد على توضيح قيمة مجالات لا تزال عرضة لسوء الفهم. وهنا تلتقي الإنسانيات الرقمية والمكتبات في الحاجة إلى شرح قيمة ما تنجزانه. ويقرر مقال «أهم عشرة اتجاهات في المكتبات الأكاديمية لعام 2012» أن على المكتبات أن تثبت ما تقدمه للمؤسسة الأكاديمية، وأن تطرح على الممولين أسبابًا أقوى لدعمها، وإلا دفعتهم الضغوط الاقتصادية إلى التوقف عن ذلك. [7] وتقدم الإنسانيات الرقمية نواتج ملموسة لا تُبرزها المكتبات عادة بالقدر نفسه: موقعًا إلكترونيًا، أو مجموعة مرقمنة تتضمن أداة للتنقيب في النصوص، أو أداة تضيف طبقات من المعنى إلى الخرائط، أو واجهة جذابة. وتُظهر هذه النواتج بوضوح أن عملًا فعليًا يُنجز لتوفير محتوى قيّم ومفيد. كما أن بناء الأدوات يتيح للمشروعات النمو والتكيف واجتذاب مستخدمين متنوعين، من المبرمجين والمؤرخين الهواة وطلاب المدارس إلى جهات التمويل. وربط خبرات المكتبة والعاملين فيها وقيمها بنواتج علمية ملموسة، لا تقتصر على المنشورات، يقوي حجتها في مواجهة من يبررون تقليص دعمها بأن «كل شيء موجود على جوجل».

والإتاحة بوصفها فكرة ليست جديدة على المكتبات. لكن التعامل معها بوصفها «العمل» الذي «نؤديه»، لا خدمة نقدمها، قد يكون الامتداد المُزعزِع الضروري. وتشير سبيرو أيضًا في عرضها إلى قيود المطبوع، وهو موضوع حساس آخر بالنسبة للمكتبة، التي تحاول مشروعات الإنسانيات الرقمية التأثير فيها؛ فلا يستطيع المرء أن يبحث في المطبوع، أو أن يضع فيه روابط تشعبية، أو أن يضمّن فيه شيئًا، أو أن يطور بسرعة وكفاءة حوارًا عليه أو فيه أو حوله. ومع أن هذا الأمر يتطور مع ظهور أشكال جديدة من النصوص، فإن التحديات كبيرة. والاتصال العلمي (Scholarly Communication)، وهو مجال ناشئ في مهنة المكتبات يجري استكشافه بنشاط في مؤسسات كثيرة، يمنح المكتبة في الواقع دورًا متميزًا في نشر البحث. وتقول كاثلين فيتزباتريك (Kathleen Fitzpatrick)، مديرة الاتصال العلمي في رابطة اللغات الحديثة، ببلاغة: «إن عزل أعمالنا عن القراء من غير الباحثين، وإبقاء حواراتنا خاصة، قد يحمياننا من النقد العام، لكنهما لا يستطيعان حمايتنا من اللامبالاة العامة، وهي حالة أشد خطرًا بكثير في ظل الاقتصاد الراهن». [8]

وإذا نُظر إلى الأمر على هذا النحو، يبدو أن الإنسانيات الرقمية والمكتبات تسيران في المسار نفسه، من التقادم المزعوم نحو إعادة التعريف عبر الإتاحة الرقمية.

والمشاركة في نماذج الاتصال العلمي الناشئة، والدعوة إليها، وإدارة الأدوات المتعلقة بها، فرصة أخرى للمكتبة لتحديد مكانها ضمن نطاق الإنسانيات الرقمية. فالوصول المفتوح (Open Access) بمعنى الاتصال العلمي هو للإنسانيات الرقمية كالوصول المفتوح بمعنى إتاحة المعلومات للمكتبة: الهدف والسياق اللذان نحدد من خلالهما قيمتنا ونروّج لها.

الأدوار المهنية البديلة والمكتبيون متعددو الخبرات: قراءة في نوفيسكي:

التوسع في التجريب وفهم الإتاحة الرقمية مهمان، لكن الأولوية هي إعادة النظر في تصور المكتبيين لأنفسهم وعملهم. فتغيير الهيكل التنظيمي، وإلغاء مكاتب الخدمات المرجعية، وإدخال الوسائط الجديدة، وغيرها من التحولات، تظل ناقصة إذا لم يصاحبها تجديد في أدوار المكتبيين ومساعديهم وموظفي الدعم ومهاراتهم. وتقدم الإنسانيات الرقمية، التي تعيد تعريف حقلها وأدوار باحثيها، مجالًا للاستفادة من تجربة مماثلة. وتسهم الأدوار المهنية البديلة في المكتبات (#alt-LIS)، ومنها الاتصال العلمي، والإنسانيات الرقمية، ورعاية البيانات، والعلوم الإلكترونية، والأرشفة الرقمية، والعمل القائم على المشروعات، في تعزيز قدرة المكتبة على المشاركة المنتجة في البحث الرقمي.

وبيثاني نوفيسكي (Bethany Nowviskie)، مديرة البحث والدراسات الرقمية في مكتبة جامعة فيرجينيا، من دعاة هذه الهجرة الكبرى بعيدًا عن أدوار أمناء المكتبات بمفهومها التقليدي. وتتحدى عدة مقالات منشورة في مدونتها، منها «صابون نادي القتال» و«الإجماع الكسول» و«ظربان في المكتبة»، فكرة أن أمين المكتبة الجيد خادم للمجتمع الأكاديمي، ينتظر لتلبية أي حاجة قد تطرأ. وتكتب بوضوح وجرأة:

…[ثمة] سوء فهم جوهري يقع فيه أمناء المكتبات في تعاملنا مع أعضاء هيئة التدريس – ومرده، بصراحة، إلى واحدة من أجمل سمات ثقافة المكتبات: أخلاقيات الخدمة… فالدافع هو تقديم مستوى من الخدمة المتواري عن الأنظار – كمال هادئ وفعّال – بهدف عدم صرف انتباه الباحث عن عمله. تبدأ ذلك بأحسن النوايا، لكنه قد يقود إلى استراتيجية مرتجلة، في الأوقات الحسنة والسيئة، تقوم على وضع قشرة مهنية ناعمة فوق بنية تحتية متهالكة وناقصة التمويل على نحو متزايد – أي عمليًا إخفاء أحشاء المكتبة الفوضوية عن أعضاء هيئة التدريس، وهم أنفسهم من سيكونون أقوى حلفائك لو لم يكن المبنى صندوقًا أسود. [9]

قد تثير هذه الأفكار قلقًا شديدًا لدى المكتبيين، لكن النظر إليها بوصفها فرصة للتطور أقدر على فتح مسارات للعمل. كما أن تحمل مسؤولية التكيف السريع يمكن أن يزيد اهتمام المستفيدين بالمكتبة، ويعزز دورها المتجدد في العمل العلمي.

وفي اجتماع يوليو 2011 لمعهد الاتصال العلمي، الذي تشارك نوفيسكي في إدارته، طرحت شانا كيمبول (Shana Kimball)، رئيسة خدمات النشر والتواصل والتطوير الاستراتيجي في (MPublishing) بمكتبات جامعة ميشيغان، فكرة أن ما نحتاج إليه هو مزيد من «المؤسسات الغريبة» التي تمزج بين المكتبات ومراكز البحث ودور النشر ومنتجي التقنية. [10] وتمضي في تعليقها قائلة إن هذه الكيانات الفريدة ستتطلب قوة عاملة من «الباحثين المبرمجين»، وهم من يسمون في مواضع أخرى «الباحثين التقنيين»، أو في سياق المكتبة «أمناء المكتبات الهجينين» (hybrarians). وفي أغلب الأحيان لا يكون هذا الصنف الجديد من العاملين حاملًا بالضرورة لدرجة الماجستير في مهنة المكتبات والمعلومات، مما يثير ضيق عالم المكتبات وفزعه. غير أن الإنسانيات الرقمية، ومن يهتمون بمستقبلها، يبحثون عن هذه المهارات، وهو ما يفتح الباب مرة أخرى أمام أمناء المكتبات لتجديد صورتهم عن أنفسهم، ومن ثم صورتهم في أعين الآخرين. وتردادًا لإحالة نوفيسكي إلى «نادي القتال»، وتحديًا لأمناء المكتبات: «أنت من يقرر مستوى مشاركتك».

وختامًا، تبقى عدة نقاط. لقد قيل هذا كله من قبل. [11] فهناك بالفعل دعاة داخل المكتبة وخارجها إلى تعاون عميق في المشروعات التي تندرج في قالب الإنسانيات الرقمية. إذن، ما الإنسانيات الرقمية؟ وما شأنها بالمكتبة؟ بكل معنى حقيقي، تملك المكتبة دائمًا وأبدًا المقومات اللازمة لدعم عمل الإنسانيات الرقمية والانخراط فيه وإنجازه. والمسألة، في رأيي، ببساطة هي: ليس للإنسانيات الرقمية مكان في المكتبة. بل للمشتغلين بالإنسانيات الرقمية مكان فيها.

ويحتاج المكتبيون الذين يعملون في المجالات الرقمية، مهما تنوعت مسمياتهم، إلى تقديم أنفسهم بثقة بوصفهم ممارسين للإنسانيات الرقمية، وأن يتوقعوا من الزملاء وأعضاء هيئة التدريس والإداريين الاعتراف بهذا الدور، وأن يصلوا أعمالهم بمجتمع الإنسانيات الرقمية الأوسع.

المشكلة ليست في التصفح أو الإتاحة، بل في التردد. وما لم يتخلص مهنة المكتبات من عقدة النقص الأكاديمية لدينا، ويتبنَّ رسالة العمل الرقمي في مقابل الاكتفاء بدور خدمي تابع، فستظل الإنسانيات الرقمية تُقاد من أعضاء هيئة تدريس أذكياء وأكفاء وتقدميين في أقسام اللغة الإنجليزية والتاريخ. وأقتبس من رامزي مرة أخرى: لكي «تمارس» المكتبة الإنسانيات الرقمية، يجب أن تتبنى مهمة أن تصبح «مجموعة من الناس وجد بعضهم بعضًا بوسائل شتى، والتزموا بالمشروع الجريء والثوري المتمثل في أن يتحدث بعضهم إلى بعض عن اهتماماتهم المشتركة» [12]… خارج جدران المكتبة الأربعة.

شكرًا لزميلتي في هيئة تحرير (Lead Pipe) إيرين دورني (Erin Dorney)، وللزميلين ماركوس فوست (Markus Wust) في جامعة ولاية كارولاينا الشمالية وآني فو (Annie Pho) من (Hack Library School)، على مراجعة هذا المقال، ودفعي إلى توضيح أفكاري، وتشجيع هذا العمل عمومًا حتى بلغ الحالة التي ترونه عليها اليوم. والشكر كذلك لكل من ورد ذكرهم هنا ولمجتمع الإنسانيات الرقمية الأوسع على دعمهم لي في استكشافي لهذا المجال المثير.

فرص للمشاركة:

  • (THATCamp) – «مخيم الإنسانيات والتكنولوجيا» مؤتمر غير تقليدي (unconference) يجمع الباحثين والتقنيين وأمناء المكتبات من جميع الأنواع والصحفيين والطلاب وغيرهم. وقد أصبح التجمع النموذجي للإنسانيات الرقمية. وينبغي لأمناء المكتبات خاصة أن يفكروا في حضور (THATCamp) للمكتبات والإنسانيات الرقمية هذا العام، و(THATCamp ACRL) في العام القادم.
  • معهد الإنسانيات الرقمية الصيفي/الشتوي: يتيح للباحثين تعلم مهارات تتصل بالبحث الرقمي والتواصل مع زملاء يشاركونهم الاهتمامات، عبر مقررات وفعاليات ومحاضرات في برنامج مكثف مدته أسبوع. ويجمع البرنامج مزايا ورش المهارات والمؤتمرات الدولية والمخيمات الصيفية.
  • مجموعة نقاش الإنسانيات الرقمية في رابطة مكتبات الكليات والبحث (ACRL) – منتدى أُنشئ حديثًا لأعضاء الرابطة للالتقاء وتبادل الأفكار المتعلقة بالإنسانيات الرقمية ودور أمناء المكتبات في هذا التخصص الناشئ. واقرأ أيضًا تقرير بوب كوسوفسكي (Bob Kosovsky) عن هذه المجموعة التي اجتمعت لأول مرة في المؤتمر السنوي لجمعية المكتبات الأمريكية (ALA) قبل أيام.
  • مجموعة (Zotero) للإنسانيات الرقمية – مكان لكل المهتمين بكيفية تغيير الوسائط الرقمية والتقنية للإنسانيات، للنقاش وصنع المستقبل معًا. أسهم بمواد في هذه الببليوغرافيا المفتوحة.
  • (DHAnswers) – منصة أسئلة وأجوبة مجتمعية لكل ما يتعلق بالإنسانيات الرقمية.
  • (DHCommons) – مركز يجد فيه الأفراد والمؤسسات مشروعات يعملون معها، وتجد فيه المشروعات متعاونين.
  • (DiRT Wiki) – دليل للأدوات والخدمات والمجموعات التي يمكن أن تيسر البحث الرقمي. واكتساب الألفة بهذه الأدوات طريقة من طرق تيسير دور أمين المكتبة في إنجاز عمل الإنسانيات الرقمية.

مصادر للاستزادة:

  • (Nowviskie), (Bethany). “(Reality Bytes).” نص مبني على محاضرة أُلقيت في الجلسة العامة الافتتاحية للمؤتمر التمهيدي الثالث والخمسين لقسم الكتب النادرة والمخطوطات (RBMS). رابط المصدر — قراءة لا غنى عنها
  • (Digital Humanities and the Library): (A Bibliography). رابط المصدر
  • (The Journal of Digital Humanities). رابط المصدر
  • (The CUNY Digital Humanities Resource Guide) – رابط المصدر
  • (Digital Humanities Now) – يعرض البحوث والأخبار التي تهم مجتمع الإنسانيات الرقمية، عبر عملية تجميع واكتشاف وانتقاء ومراجعة. رابط المصدر
  • (Hacking The Academy) – كتاب أُنجز بالتعهيد الجماعي في أسبوع واحد. رابط المصدر
  • (Humanities 2.0). سلسلة مقالات عن الإنسانيات الرقمية في صحيفة نيويورك تايمز. رابط المصدر
  • (A Companion to Digital Humanities), (ed). (Susan Schreibman), (Ray Siemens), (John Unsworth). (Oxford): (Blackwell), 2004. رابط المصدر
  • (Digital Humanities Across Galleries), (Archives), (Libraries and Museums). مجموعة روابط على (Delicious) ينتقيها نيل ستيملر (Neal Stimler)، المنسق المساعد للصور في متحف متروبوليتان للفنون. رابط المصدر
  • (McCarty), (Willard). (What is Humanities Computing)? (Toward a Definition of the Field). رابط المصدر
  • (Nowviskie), (Bethany). “#(alt-ac): (Alternative Academic Careers for Humanities Scholars).” رابط المصدر
  • (Scheinfeldt), (Tom). “ (Nobody Cares About the Library): (How Digital Technology Makes the Library Invisible) (and Visible) (to Scholars).” رابط المصدر
  • (Svensson), (Patrick). “(Humanities Computing as Digital Humanities).” (Digital Humanities Quarterly), 9(9)3. رابط المصدر

المراجع:

  • [3] يُنظر أيضًا قسم «المكتبات في أزمة» (Libraries In Crisis) في صحيفة هافنغتون بوست – http://www.huffingtonpost.com/news/libraries-in-crisis
  • [5] وقد أُشير إلى ذلك أيضًا في التقرير الحديث لمجلس موارد المكتبات والمعلومات (CLIR) بعنوان «One Culture. Computationally Intensive Research in the Humanities and Social Sciences». تعليق موجز مع روابط إلى التقرير: http://digitallibrarians.org/node/6150
  • [11] يُنظر: JISC: «Does the library have a role to play in the digital humanities?»؛ ومقال جينيفر فينوبال (Jennifer Vinopal) «Why understanding Digital Humanities is key for libraries»؛ و«Digital Humanities: Roles for Libraries» لهيتوشي كامادا (Hitoshi Kamada)؛ و«Roles of librarians in digital humanities centers» من اجتماع مبادرة المكتبات الرقمية (Digital Libraries Initiative) لعام 2010.

بيانات المصدر الأصلي

Vandegrift, M. (2012). What Is Digital Humanities and What’s it Doing in the Library? In the Library with the Lead Pipe. https://www.inthelibrarywiththeleadpipe.org/2012/dhandthelib/.

اقتبس هذا المقال

مايكا فاندغريفت (2012). «الإنسانيات الرقمية والمكتبات: من تقديم الخدمة إلى الشراكة في إنتاج المعرفة». مجلة المعلوماتية، العدد 40. https://informaticsjournal.net/?p=52967

مقالات ذات صلة