لم تكن المعلومات قط وفيرة كما هي اليوم. فثمة طوفان من البيانات يُولَّد ويُخزَّن في الحواسيب كل يوم، إلى حد أن 90% من بيانات العالم عمرها أقل من عامين [1]. ومع أن هذا النمو الأسي في المعلومات يحركه في الغالب المحتوى الذي ينشئه المستخدمون على الإنترنت، فإن الإنتاج الفكري العلمي ما فتئ ينمو هو الآخر بوتيرة سريعة، إذ يُكشَّف نحو مليون بحث جديد في (MEDLINE) هذا العام [2]، وتُجرى نحو ثلاثة ملايين عملية اتصال يوميًّا على (PubMed) [3]. هذا هو السياق الذي يتعين فيه على الأكاديميين اليوم تحديد الإنتاج الفكري الأنسب لاحتياجاتهم والإحالة إليه واستخدامه.
ولا عجب أن الأدوات الرقمية تؤدي دورًا أساسيًّا في الروتين اليومي للأكاديميين، وأنها مكون لا ينفصل عن النشاط العلمي. فهذه الأدوات تحمل وعدًا بتحسين قابلية اكتشاف الإنتاج الفكري ذي الصلة وإتاحته، ومن ثم مساعدة العلماء في نهاية المطاف على رصد الاكتشافات المهمة، وتكييف تصميماتهم التجريبية، وتعزيز تفسيراتهم في ضوء الأعمال المماثلة، وبالتالي ضمان إنتاج بحوث عالية الجودة. غير أن انطباعي هو أن الأكاديميين كثيرًا ما يجدون أنفسهم في حيرة أمام (أو أحيانًا في جهل بـ) فيض الأدوات وقواعد البيانات والمستودعات العامة والفهارس التي تعمر منظومة المعرفة الرقمية. يضاف إلى ذلك أن الطلاب والأكاديميين المتمرسين في التقنية يُبدون إقبالًا معينًا على ما يسمى «تطبيقات الإنتاجية» (productivity apps) التي تستهدف في معظم الحالات جمهورًا عامًّا، لكنها تصادف أن تلائم احتياجات الأكاديميين إلى حد ما. وهذا يثير سؤالًا مهمًّا: هل ينبغي لنا أن نفترض أن وفرة البرمجيات والأدوات المتاحة للأكاديميين كافية لهم لكي يشقوا طريقهم نحو نشاط علمي رقمي بالكامل وفعال؟
تتطلب الإجابة الصادقة والمستنيرة عن هذا السؤال دراسة ثلاث مشكلات محددة. أولًا، ما التحديات والاحتياجات التي تواجه الأكاديميين في ما يتعلق بتلقي المعلومات واستخدامها الرقمية؟ ثانيًا، ما الأدوات المتاحة التي قد تلبي هذه الاحتياجات؟ وثالثًا، كيف يمكننا بناء سير عمل أكاديمي (academic workflows) فعال؟ والمثير للاهتمام أنه يمكن تناول هذه الأسئلة من منظورين متمايزين: منظور المكتبيين والناشرين من جهة، ومنظور الأكاديميين أنفسهم من جهة أخرى. وسأحاول أن أقدم نظرة موجزة إلى هذه المشكلات استنادًا إلى تجربتي الخاصة.
التركيز والتذكر أساس العمل الأكاديمي:
أعتقد أن من أهم التحديات التي تواجه الأكاديميين في ما يتعلق بتلقي المعلومات واستخدامها الرقمية كيفية التحكم في المحتوى الذي يعتزمون استكشافه رقميًّا. ويصدق هذا بوجه خاص على رصد الإنتاج الفكري، إذ لا يستطيع الأكاديميون أن يتجاهلوا بهدوء التنبيهات والمدونات الصوتية والمنشورات الإلكترونية المسبقة إن أرادوا البقاء في دائرة المنافسة، لكنهم لا يستطيعون (أو لا ينبغي لهم) أن يسمحوا لأنفسهم بأن يغرقوا في تدفق مستمر من الإنتاج الفكري الواجب قراءته. ولذلك فإن «ضبط» تدفق المعلومات الذي توفره المنصات الرقمية أمر أساسي لتحقيق اليقظة الذهنية والتركيز اللذين يتطلبهما النشاط العلمي. وليست فكرة أن انتشار الأجهزة الرقمية في كل مكان يعيد تشكيل طريقتنا في التفكير والحفظ فكرة جديدة، لكن ينبغي أخذها بجدية عند التفكير في العلاقة بين المستخدم والمعلومات. فالطريقة التي نتفاعل بها مع البيئات الرقمية لها آثار عميقة في قدرة المكتبات الحديثة والمستودعات العامة ومواقع مقالات الدوريات وبرمجيات إدارة المراجع على الاستجابة لاحتياجات مستخدميها النهائيين.
وتنقل الإحصاءات التي يستشهد بها المقال تقديرًا لمتوسط مدة انتباه مستخدمي الإنترنت بلغ ثماني ثوانٍ عام 2013، وتقارنه بمدة أطول لدى السمكة الذهبية [4]. وتثير هذه المقارنة سؤالًا عن قدرتنا على الجمع بين تعدد المهام والتركيز، ولا سيما لدى استخدام الأجهزة الرقمية.
كيف يقرأ مستخدمو الإنترنت «نافدو الصبر» ويحفظون ويتعلمون؟ يبدو أن الإجابة هي: «ليس على نحو جيد». فعلى سبيل المثال، تشير الدراسات إلى أن أقل بكثير من ثلث الكلمات الموجودة في نص متوسط الطول يُقرأ عند قراءة هذه النصوص داخل متصفح الويب [5]. وبعبارة أخرى، كلما كانت النصوص أطول وأصعب قراءة، نفد صبرنا أسرع وانتقلنا إلى محتوى لا صلة له يقطع التركيز. على أن ما يسمى الجيل الرقمي لا يحتكر هذا السلوك: فموظفو المكاتب، على سبيل المثال، يتفقدون صندوق بريدهم الإلكتروني 30 مرة في الساعة في المتوسط [6]. وكان بإمكاني أن أدّعي أن آلاف الساعات التي قضيتها في قراءة المواد الورقية في بيئة خالية من المشتتات (قاعات الدراسة والمكتبات) جعلتني محصنًا من هذه الاتجاهات، لكنني منذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها الدكتوراه قفزت مبتهجًا في فخ تعدد المهام، مما جعلني (في البداية) أنفد صبرًا من أن أقرأ وأتعلم بكفاءة على جهاز رقمي. غير أنني أظن أن أنماط تصفحي التلقائية لا تختلف عن أنماط معظم الأكاديميين، الذين لا يختلفون هم أنفسهم كثيرًا عن معظم مستخدمي الإنترنت.
وهذا يوحي بأن على الناشرين ومطوري التطبيقات أن يأخذوا في الحسبان قصر مدة الانتباه لدى مستخدميهم. ولحسن الحظ، يبدو أن بعضهم يفعل ذلك بالفعل، إذ صارت الجهود الرامية إلى جعل تلقي المعلومات واستخدامها الرقمية أكثر سلاسة ظاهرة في السنوات الأخيرة. فعلى سبيل المثال، أعادت مواقع مثل (ScienceDirect) و(PLOS) و(Cell Press)، وغيرها، تصميم طريقة عرض البحوث على الإنترنت، مع تقليل المحتوى المعلوماتي الإجمالي للصفحات وجعل المعلومات ذات الصلة أكثر بروزًا. ويقترح آخرون، مثل (eLife) أو (PubReader) التابع لـ(PubMed)، تطبيقات ويب أحادية الصفحة تعيد ترتيب محتوى المخطوطة التقليدية بصيغة (HTML) الكاملة لتقديم تجربة أكثر جاذبية لقراءة البحوث على الشاشة. ويبدو لي أن النزعة العامة هي اتباع الاتجاه الذي سلكته تطبيقات الهواتف المحمولة الحديثة: تصميم بسيط، وتركيز على العرض الغني بالتفاعل، ومحتوى مخصص. غير أن لأثر التصميم حدوده: فكل موقع أو برمجية «تنافس» في نهاية المطاف البريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات والوثائق وغيرها من المشتتات المحتملة التي تتعايش على الجهاز (الأجهزة) الرقمي نفسه، وليس بوسع المصمم أن يفعل الكثير حيال ذلك.
وإذا كان قد يبدو من العبث أن يدرس المرء في مكتبة برفقة أصدقاء ثرثارين وأفلام وألعاب وبريد إلكتروني وموسيقى، فإن هذا بالضبط ما يحدث في بيئة رقمية غير مضبوطة. وحتى في غياب المشتتات، فإن مطالعة مؤلفات متعددة على الجهاز نفسه كثيرًا ما تكون في حد ذاتها مُربِكة. وهنا يأتي دور الحالة الذهنية للمستخدم. فأنا أعدّ العثور على البحوث وتدوين التعليقات عليها مهمتين متمايزتين جدًّا، تتطلبان سلوكين متمايزين جدًّا: فمن جهة تكون لديّ حالة ذهنية سريعة الإيقاع واستكشافية عند تحديد البحوث الجديدة، ومن جهة أخرى أحتاج إلى أن أكون أبطأ وأكثر تركيزًا عند قراءة البحوث التي تهمني. وفي معظم الحالات أُحدث هذا التغيير في الحالة الذهنية بتغيير الوسيط (مثلًا من موقع الويب إلى برنامج إدارة المراجع [(RM)])، أو المنصة (مثلًا من الحاسوب المكتبي إلى الحاسوب اللوحي)، أو «السياق» الذي أعمل فيه (مثلًا إيقاف البريد الإلكتروني مدة طويلة).
وفي تجربتي، يتطلب تحقيق التركيز والتذكر ضمن سير عمل أكاديمي فعال الجمع بين: 1) تصميم واضح يضع المحتوى أمام انتباهي بوضوح وسرعة، و2) تحديد واضح للأدوات والمنصات الأنسب لكل مهمة، و3) التحكم في المشتتات الخارجية. وهذا ما يتيح لي، في رأيي، «توجيه» تدفقات المعلومات، أي تكييف كمية المعلومات التي أرغب في معالجتها ومدى صلتها بحسب المهمة التي أريد إنجازها.
المكونات الأساسية لسير العمل الأكاديمي:
تتألف طريقة عملي الأكاديمي في أبسط صورها من ثلاث مراحل متتابعة: العثور على البحوث، واستيعاب محتواها، ثم استخدامه. وتضم كل مرحلة مهام تستفيد من أدوات رقمية محددة، أسميها «أدوات الإنتاجية الأكاديمية» (academic productivity tools, APTs). وسأوضح، من تجربتي، ما أحتاج إليه في كل مرحلة والأدوات التي أستخدمها لأداء هذه المهام.
المرحلة الأولى، أي «تحديد» الإنتاج الفكري ذي الصلة، يمكن أداؤها بنشاط عند الاستعلام في الفهارس أو المستودعات بسؤال محدد في الذهن. غير أن استغلال أساليب بديلة قد يكون مفيدًا، لأن الغاية هنا هي تعظيم القدرة على اكتشاف الإنتاج الفكري ذي الصلة بمجرد إتاحته، وبأقل جهد ممكن. وأيسر طريقة لتحقيق ذلك تفويض الرصد إلى آلة. فأنا شخصيًّا أستخدم خلاصات (RSS)، وتنبيهات محددة (مثل تنبيهات (F1000) أو (Google Scholar)) تعلمني فورًا حين يُرصد في المستودعات العامة بحث يحمل كلمات مفتاحية أو بيانات وصفية معينة. وأستخدم كذلك مجمّعًا لخلاصات (RSS) متعدد المنصات (Feedly) يتيح لي الوصول إلى كل هذا المحتوى في موضع واحد، من هاتفي الذكي أو حاسوبي اللوحي أو حاسوبي المكتبي. كما تساعدني محركات التوصية في مواقع الناشرين وبرمجيات إدارة المراجع على تحديد مجموعة من الإنتاج الفكري بمجرد أن يلفت انتباهي بحث مهم. يضاف إلى ذلك أنني وزملائي نتبادل روابط البحوث المهمة بالبريد الإلكتروني، وهي طريقة أخرى لاكتشاف الإنتاج الفكري ذي الصلة (دون بحث مباشر).
إن الوصول إلى رابط المقال من أجهزتي الرقمية الخاصة أمر مفيد، لأنني أستطيع أن أُدمج البحوث المهمة في طريقة عملي مباشرة. وأفعل ذلك بحفظ نسخة محلية من ملف (PDF) للمقال الكامل في مستودع متزامن مع السحابة، يراقبه بدوره برنامج لإدارة المراجع. وأنا شخصيًّا أستخدم (Mendeley)، لكن ثمة برامج كفؤة لإدارة المراجع لمعظم المنصات (ولا سيما (Papers) و(ReadCube) و(EndNote) و(Zotero))، وجميعها توفر وسائل مباشرة إلى حد كبير لحفظ المراجع (أدوات استيراد من الويب بنقرة واحدة، وخاصية «السحب والإفلات»، ومحركات بحث مدمجة). غير أن من مزايا (Mendeley) أنه يستطيع كذلك استخلاص البيانات الوصفية آليًّا كلما حُفظ ملف (PDF) في «مجلد مراقَب». وبهذه الطريقة أستطيع أن أضمن مباشرة أن ملف (PDF) المحفوظ حديثًا مُدمج في الوقت نفسه في برنامج إدارة المراجع ومتاح من عارضات (PDF) وتطبيقات تدوين الملاحظات التي أفضّل استخدامها على حاسوبي اللوحي (مثل (GoodReader)). وبدلًا من ذلك، أستطيع أيضًا استخدام التوصيات التي يقدمها (Mendeley)، استنادًا إلى مكتبتي الخاصة، لاكتشاف البحوث المهمة.
تتمثل المرحلة الثانية في استيعاب المعلومات، وتشمل قراءة البحث كاملًا وكتابة التعليقات على ملف (PDF)، ثم ربطه بمشروعاتي البحثية عن طريق التصنيف والوسوم. وأحرص على تخصيص أوقات مختلفة للعثور على البحوث وقراءتها بعمق، حتى أحافظ على مستوى التركيز المناسب لكل مهمة.
أما الخطوة الثالثة والأخيرة فتتعلق بـ«استخدام» البحث، وهي تتمثل في معظم الحالات في استرجاع المراجع وقراءتها والاستشهاد بها عند إعداد مخطوطة أو عرض تقديمي. وقد تأتي هذه المرحلة بعد دقائق أو أسابيع أو سنوات من مرحلة «الاستيعاب»، ولذلك تتطلب أن تكون المعلومات سهلة الاسترجاع من برنامج إدارة المراجع. وأخيرًا، فإن الاستشهاد ذاته وظيفة أساسية في جميع برامج إدارة المراجع. ويبدو أن أكثر هذه البرامج شيوعًا قد تبنت افتراضيًّا طريقة «الاستشهاد في أثناء الكتابة» (cite-as-you-write)، التي تتيح للمستخدمين الاستشهاد بالبحوث دون مغادرة برمجيات معالجة النصوص. وهذه الطريقة مرنة، إذ تتيح لك استرجاع الاستشهادات مباشرة بالاستعلام عن أي شيء قد تتذكره عن البحث الذي تبحث عنه: أسماء المؤلفين، أو التاريخ، أو أجزاء من العنوان، أو أجزاء من المستخلص، أو الدورية، وما إلى ذلك. ومن قيود برامج إدارة المراجع افتقارها الحالي إلى التوافق مع بدائل (Microsoft Word) و(LibreOffice Writer). فقد شهدت السنوات الأخيرة تزايد شعبية تطبيقات الكتابة الخالية من المشتتات، إلى جانب أدوات قوية مثل (Google Docs) و(Scrivener)، تقدم خصائص فريدة قد تجتذب الأكاديميين. غير أن استخدام أي من هذه البدائل يقدم حتى الآن تجربة استشهاد محبطة لا يُرجَّح أن يقبلها إلا المستخدمون المتمرسون في التقنية.
الخطوات التالية:
لم أتناول حتى الآن إلا حالة المقالات المحكّمة. فماذا عن البقية؟ في بحثي كثيرًا ما أحتاج إلى معلومات تقنية (مثلًا عن البرمجة أو الإحصاء) قد أجدها في منتديات متخصصة، أو أسمعها في المحاضرات، أو أناقشها مع الخبراء، أو أقرؤها في النسخ الورقية من الكتب الدراسية. فكيف يمكن دمج مصادر المعلومات المتباينة هذه في سير عمل أكاديمي رقمي؟ على حد علمي، لا توجد طريقة واضحة وسهلة لتحقيق ذلك باستخدام برنامج إدارة المراجع. غير أن السحابة توفر وسيلة بسيطة لمزامنة «الملاحظات» متعددة الوسائط وحفظها. وأنا عادةً أستخدم (Evernote)، وأستثمر وقتًا في إسناد الوسوم لضمان ارتباط جميع الملاحظات التي أدونها بعضها ببعض وبمشروعاتي. ومع أن هذا النظام يعمل، فإن أجزاء المعلومات المخزنة في (Evernote) وفي برنامج إدارة المراجع تظل مستقلة، وهذا يعني أنه لا شيء سوى ذاكرة المستخدم يضمن الوصول إلى المحتوى ذي الصلة في كلا المصدرين واستخدامه في أثناء عملية الكتابة.
يقدم (Scrivener)، وهو برنامج لمعالجة النصوص متعدد المنصات، حلًّا فعالًا لضمان تحكم المستخدمين في المعلومات التي يريدون استخدامها في أثناء الكتابة. ومن المفاهيم الأساسية في (Scrivener) إتاحة تضمين الملاحظات والروابط التشعبية وملفات (PDF) والملفات النصية والأشكال وجداول البيانات والعروض التقديمية وغيرها في أجزاء محددة من النص (مثل الفقرات والأقسام والفصول). فعلى سبيل المثال، يمكن للمرء أن يبدأ كتابة الفقرة الثالثة من مقدمة ما، ويقرأ داخل التطبيق المحتوى الذي رُبط بتلك الفقرة تحديدًا. وأعتقد أن هذه الطريقة في تأليف النصوص (التي تمنح المستخدمين قدرًا كبيرًا من الحرية لإضفاء «السياق» على أي جزء من المخطوطة وإعادة ترتيب المخطط بطريقة بديهية) يمكن أن تفيد كثيرًا الأكاديميين الذين يكتبون مخطوطات طويلة. وأكثر من اختيار أداة بعينها، فإن المهم هنا أن تتوافق خصائص البرمجية توافقًا دقيقًا مع الحالة الذهنية للكاتب، فتنشئ مسارًا لا يكاد يتطلب جهدًا من جزء «الاستيعاب» إلى جزء «الاستخدام» في سير العمل. ومع ذلك، لا يمكن عدّ (Scrivener) بديلًا من مجمّع للملاحظات مثل (Evernote). ومن ثم فإن استخدامه ينشئ «قناة» ثالثة يخزن فيها المستخدم المعلومات ذات الصلة: برنامج إدارة المراجع للمراجع، و(Evernote) للمحتوى المؤطر بسياقه الذي قد يُسترجع في أي وقت، و(Scrivener) للمحتوى اللازم في أثناء الكتابة. وأظن أن هذا يبرز وجود مجال لبرمجيات أكاديمية أفضل بكثير تدمج المعلومات بطريقة أذكى. وأتصور البرمجية الأكاديمية المثالية هجينًا بين مجمّع متقدم لتدوين الملاحظات متعدد المنصات وبرنامج لإدارة المراجع يوفر وسائل لتصدير الاستشهادات إلى تطبيقات كتابة مختلفة، ويتضمن كذلك وظائف لتأليف النصوص، كأن يتيح تنظيم الملاحظات المستقلة معًا وتجميعها كلها في مخطوطة. وهذا من شأنه في الواقع أن يدمج «القنوات» الثلاث في قناة واحدة.
باختصار، القوة التي تنطوي عليها المعلومات الرقمية أبعد ما تكون عن الاستغلال الكامل. فما زال هناك الكثير مما ينبغي عمله لكي تتكيف الأجهزة الرقمية معنا (لا العكس)، وهذا يعني أن على التقنية أن تأخذ في الحسبان افتقارنا إلى الاتساق، وتقلبات مزاجنا وحالتنا الذهنية. فتحسين واجهات المستخدم، والمزامنة السحابية، ومحركات التوصية القائمة على تعلم الآلة، وتعظيم قابلية التشغيل البيني، هي المكونات الأساسية التي ينبغي أن تقوم عليها البرمجيات الأكاديمية الناجحة. وفي ظل هذا السيناريو، أظن أن صيغة (PDF) مرشحة للتراجع، لكن تراجعها سيظل بطيئًا إلى أن تصبح المقالات الغنية بالتفاعل المبنية على (HTML) سهلة كسهولة ملفات (PDF) في إرفاقها بالبريد الإلكتروني وحفظها وقراءتها في تطبيقات أحادية الغرض مثل قارئات «(PDF)» المتقدمة وبرامج إدارة المراجع. غير أن اعتماد المقالات المبنية على (HTML) معيارًا سيحفز على المدى الطويل ظهور البرمجية الأكاديمية «المثالية» التي وصفتها، لأن (HTML) تتيح استخلاص البيانات بسرعة وسهولة لكي تتفاعل التطبيقات مع المحتوى بذكاء، وتوفر طرقًا رائعة لدمج مقاطع الفيديو والمحتوى التفاعلي الذي يمكن أن يحسّن تحسينًا عميقًا تجربتنا في قراءة المقالات العلمية.
أي أدوار للمكتبة:
قد يلاحظ القارئ أن وصف طريقة عملي لا يكاد يتطرق إلى المكتبة الجامعية، وهو ما حدث أيضًا في عرضي بمؤتمر (UKSG) [7]. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الأدوات الإلكترونية توفر لي بحثًا واكتشافًا أسرع وأكثر تكاملًا من الفهرس المحلي. وأنا أفضّل العمل من أجهزتي الخاصة، وقد أتاحت مكتبة معهدي ذلك لأنها فهمت احتياجات مستخدمين مثلي: فالاتصال بالإنترنت من داخل المعهد يتيح مباشرة المحتوى المشترك فيه، والوصول من خارجه متاح عبر خادم وكيل (proxy). وهكذا أستفيد من خدمات المكتبة من مكتبي بسهولة، وربما دون أن أنتبه إلى دورها في كل مرة. وأرى أن هذه الإتاحة السلسة شرط أساسي للعمل الأكاديمي الفعال.
ومع أن المكتبات ستظل بلا شك جزءًا أساسيًّا من الحياة الأكاديمية، فمن الواضح أن علاقتها بمستخدميها النهائيين لا بد أن تتغير. لكن هذا ليس خبرًا سيئًا. فالمكتبيون المبتكرون ذوو التفكير الاستشرافي يغيرون بالفعل طريقة تعامل المكتبات مع الطلاب والباحثين [8]. فتقديم الدعم والإرشاد في الأدوات الرقمية، والتدريب على سير العمل الأكاديمي، وتحسين الإيصال عبر خوادم الوكيل للطلاب في منازلهم وللخريجين، وتعزيز حضور بحوث مؤسساتهم على الإنترنت: هذه ليست سوى بعض المهام التي يتعين على المكتبيين الاضطلاع بها في البيئة الرقمية الراهنة. إنها مرحلة حافلة بفرص التطوير.
المراجع:
- [1] SINTEF, ‘Big Data, for better or worse: 90% of world's data generated over last two years’, ScienceDaily, 22May2013. http://www.sciencedaily.com/releases/2013/05/130522085217.htm. (accessed 2 May 2014).
- [2] http://jasonpriem.org/2010/10/medline-literature-growth-chart/ (accessed 1 May 2014).
- [3] NIH: http://www.nlm.nih.gov/services/pubmed_searches.html (accessed 1 May 2014).
- [4] http://www.statisticbrain.com/attention-span-statistics/ (accessed 1 May 2014).
- [5] Weinreich, H, Obendorf, H and Herder, E Mayer, M, , Not Quite the Average: An Empirical Study of Web Use, ACM Transactions on the Web, 2008, 2(1).
- [6] Weinreich, H et al. , ref. 5.
- [7] Chalancon, G, , Channelling information flows: a young researcher's approach to knowledge management, 2014, figshare. DOI: dx.doi.org/10.6084/m9.figshare.1004470
- [8] Kortekaas, S, , Thinking the Unthinkable: doing away with the library catalogue, UKSG, 2014, https://www.youtube.com/watch?v=a6BPclajLVI (accessed 1 May 2014).