مجلة المعلوماتية مجلة المعلوماتية
حيث تلتقي المعرفة بالتقنيةمجلة فصلية في علوم المعلومات والمكتبات والتقنية

خمسة ناشرين يسيطرون على نصف البحث العلمي: احتكار القلة في العصر الرقمي

العددالعدد 52
تاريخ النشر
عدد القراءات2
اقتباس
مشاركة

الملخص:

يحلل هذا البحث حصة كبار الناشرين التجاريين من الإنتاج العلمي وتطورها عبر الزمن وبين التخصصات، استنادًا إلى نحو 45 مليون وثيقة مكشّفة في (Web of Science) بين عامي 1973 و2013. ويبيّن أن (Reed-Elsevier) و(Wiley-Blackwell) و(Springer) و(Taylor) & (Francis) زادت حصتها زيادة كبيرة منذ بداية العصر الرقمي في منتصف التسعينيات، وأن الناشرين الخمسة الأوائل نشروا أكثر من نصف مقالات عام 2013. ويرصد تفاوتًا بين التخصصات: فالتركّز أعلى في العلوم الاجتماعية، وأدنى في الآداب والإنسانيات، ومتوسط في العلوم الطبيعية والطبية بفضل قوة الجمعيات العلمية في الكيمياء والفيزياء. ويدرس انتقال الدوريات بين الناشرين الصغار والكبار وأثره في الاستشهادات، فلا يجد إلا أثرًا طفيفًا أو لا يجد أثرًا. ثم يناقش اقتصاديات النشر العلمي وهوامش الربح المرتفعة، ويخلص إلى أن القيمة المضافة للناشرين لم تواكب سيطرتهم، وأن تغيير النظام بيد المجتمع العلمي نفسه.

الكلمات المفتاحية: احتكار القلة، الناشرون التجاريون، الدوريات العلمية، القياسات الببليومترية، اقتصاديات النشر العلمي

محتويات المقالة
  1. المقدمة:
  2. المنهجية:
  3. النتائج:
  4. المناقشة والخاتمة:
  5. أثر الجمعيات العلمية:
  6. اقتصاديات النشر العلمي:
  7. استنتاجات عامة:
  8. إسهامات المؤلفين:
  9. المراجع:

إتاحة البيانات: ستُتاح البيانات المجمّعة على (Figshare) عند قبول المخطوطة. غير أن قيودًا تنطبق على إتاحة البيانات الببليومترية، المستخدمة بموجب ترخيص من (Thomson Reuters). ويمكن للقراء التواصل مع (Thomson Reuters) عبر الرابط التالي: رابط المصدر.

المقدمة:

يصادف هذا العام (2015) الذكرى الخمسين بعد الثلاثمئة لنشأة الدوريات العلمية. ففي عام 1665 صدرت لأول مرة مجلة (Journal des Sçavans) في فرنسا، ومجلة (Philosophical Transactions of the Royal Society of London) في إنجلترا. وقد أُسستا بقصد دفع المعرفة العلمية إلى الأمام بالبناء على نتائج الزملاء وتجنب تكرار النتائج، وأرستا مبدأي الأسبقية العلمية والتحكيم العلمي كليهما. وغيّرتا عملية الاتصال العلمي تغييرًا جوهريًا، من المراسلات الشخصية بالرسائل (التي صارت «أكثر مما يستطيع رجل واحد أن يتدبره في قراءته ومراسلاته اليومية») [1]، واجتماعات الجمعيات، والكتب، إلى توزيع أكثر تنظيمًا وانتظامًا للتقدم العلمي. وقد أتاح هذا الشكل المنظم، مع النشر المنتظم الواسع، التسجيل والأرشفة المنهجيين للمعرفة العلمية [1–4].

ومنذ القرن السابع عشر، ازدادت أهمية الدوريات في نشر نتائج البحث العلمي زيادة كبيرة. فبعد أن تعايشت مع المراسلات والدراسات المفردة (monographs) والرسائل العلمية، التي كان نشرها يستغرق في الغالب عدة سنوات، أصبحت في بداية القرن التاسع عشر أسرع وسيلة لنشر نتائج البحث الجديدة وأيسرها [5–7]، ونما عددها نموًا أُسّيًا [1,8]. وخلال القرن العشرين رسّخت مكانتها بوصفها الوسيط الرئيس لنشر البحث [6]، ولا سيما في العلوم الطبيعية والطبية [9]. وأسهمت الدوريات العلمية أيضًا في احتراف النشاط العلمي برسم الحدود بين العلم المبسّط وحدود البحث المتقدم، ومن ثَمّ رفعت مستوى التخصص في البحث وأسهمت في تشكّل التخصصات. ومن اللافت أنه بينما نشأت أغلب الدوريات من الجمعيات العلمية، كانت نسبة كبيرة منها تصدر عن مشاريع تجارية منذ العصر الفيكتوري. وفي ذلك الوقت أثبتت دور النشر التجارية هذه أنها أكفأ في نشرها من الجمعيات العلمية [10]. ومع ذلك، ظلت معظم الدوريات العلمية قبل الحرب العالمية الثانية تصدر عن جمعيات علمية [11]. وتشير بيانات من منتصف التسعينيات لدى تينوبير (Tenopir) وكينغ (King) [12] إلى زيادة حصة الناشرين التجاريين من الإنتاج؛ إذ كان الناشرون التجاريون آنذاك يستأثرون بـ40% من إنتاج الدوريات، في حين استأثرت الجمعيات العلمية والمهنية بـ25%، ومطابع الجامعات والناشرون التعليميون بـ16%. وفي السياق نفسه، قاست هيئة المنافسة البريطانية (UK Competition Commission) حصص مختلف الناشرين من المقالات المكشّفة في (ISI) خلال المدة 1994–1998، وبيّنت أن (Elsevier) استأثرت خلال هذه المدة بـ20% من جميع المقالات المنشورة [13]. غير أن المرء قد يتوقع أن هذه الأرقام قد تغيرت في أثناء التحول من النشر المطبوع إلى النشر الإلكتروني. وقد ناقش كثير من المؤلفين التحولات المختلفة التي أحدثها العصر الرقمي في مشهد الاتصال العلمي (انظر، من بين آخرين، بورغمان (Borgman) [14–15]؛ وكلينغ (Kling) وكالاهان (Callahan) [16]؛ وتينوبير وكينغ [17]؛ وأودليزكو (Odlyzko) [18]). ومع ذلك، ومع أن الشكل الرقمي حسّن الوصول وإمكانية البحث والتنقل داخل مقالات الدوريات وفيما بينها، فإن شكل الدورية العلمية لم تغيّره الثورة الرقمية [16,19]. فقد أصبح (PDF) الصيغة المعتمدة لمقالات الدوريات الإلكترونية، محاكيًا الشكل المطبوع [20]. أما ما تأثر بالثورة الرقمية فهو الجانب الاقتصادي للنشر الأكاديمي وسوق الدوريات.

وتشير أدبيات أواخر التسعينيات إلى أن العصر الرقمي كان يمكن أن تكون له آثار متعاكسة في صناعة النشر. فكما ذكر ماكنزي أوين (Mackenzie Owen) [21]، بينما رأى بعض المؤلفين في الويب حلًا محتملًا لأزمة الدوريات (serials crisis)، أي تقلّص ميزانيات المكتبات أمام زيادات سنوية كبيرة ومستمرة في أسعار الاشتراك في الدوريات [22,23]، افترض معظم المؤلفين أنه سيزيد الوضع سوءًا في الواقع [24]، أو على الأقل لن يقدّم حلًا [25,26]. ومع أن الاعتقاد السائد هو أن رقمنة نشر المعرفة أدت إلى تركّز أكبر للإنتاج العلمي في أيدي قلة من الناشرين الكبار، لم تحلل أي دراسة تطور حصة هؤلاء الناشرين الكبار من الإنتاج العلمي عبر الزمن في التخصصات المختلفة. ويهدف هذا البحث إلى تقديم هذا التحليل، استنادًا إلى جميع الدوريات المكشّفة في (Web of Science) خلال المدة 1973–2013.

المنهجية:

يستخدم هذا البحث قاعدة (Web of Science) (WoS) التابعة لشركة (Thomson Reuters)، بما فيها (Science Citation Index Expanded) و(Social Sciences Citation Index) و(Arts and Humanities Citation Index)، محوّلةً إلى قاعدة بيانات علائقية مهيأة للتحليل الببليومتري. وفي المجموع، تُحلَّل 44,483,425 وثيقة للمدة 1973–2013، تشمل جميع أنواع الوثائق التي نشرتها الدوريات المختلفة. وإلى جانب تكشيف أسماء المؤلفين وعناوينهم والمراجع المستشهد بها، وهي وحدات التحليل المستخدمة عادة في الدراسات الببليومترية، تكشّف (WoS) اسم ناشر الدورية ومدينته وبلده لكل عدد. وباستخدام هذه المعلومات، التي تتغير عبر الزمن، نستطيع إذن إسناد الدوريات والمقالات إلى ناشر ورصد تطور ملكية الدوريات. ومن قيود مصدر البيانات هذا أنه لا يكشّف جميع الدوريات العلمية في العالم، بل الدوريات المكشّفة في (WoS) فقط، التي تستوفي معايير جودة معينة مثل التحكيم العلمي، والتي هي الأكثر استشهادًا بها في تخصصاتها. ولذلك لا يستند هذا التحليل إلى منظومة النشر العلمي كلها، بل إلى المجموعة الفرعية من الدوريات الأكثر استشهادًا بها والأوسع ظهورًا على المستوى الدولي.

وسوق نشر الدوريات منظومة معقدة وديناميكية، تنتقل فيها الدوريات بين دور النشر، وتستحوذ دور النشر على منافسيها أو تندمج معهم. ومع أن هذه التغييرات ينبغي أن تنعكس في معلومات الناشر المقدَّمة لكل عدد، فإن اسم الناشر في بعض الحالات لا يتغير مباشرة بعد الاندماج أو الاستحواذ. وكثيرًا ما تتوزع أنشطة الناشرين على شركات متعددة تحت سيطرتهم، وقد شهدت السنوات الأربعون الماضية عمليات اندماج واستحواذ كثيرة شملت شركات بأكملها أو أجزاء منها. وقد درسنا تاريخ عمليات الاندماج والاستحواذ لدى كبار الناشرين، بحسب عدد المقالات المنشورة، لتحديد الشركات التي صارت تحت سيطرتهم وربطها بهم، وبالعكس الشركات التي باعوها في النهاية. وهؤلاء الناشرون هم: (American Chemical Society)، و(American Institute of Physics)، و(American Physical Society)، و(Cambridge University Press)، و(Emerald)، و(IEEE)، و(Institute of Physics)، و(Karger)، و(Nature Publishing Group)، و(Optical Society of America)، و(Oxford University Press)، و(Reed-Elsevier)، و(Royal Society of Chemistry)، و(Sage Publications)، و(Springer)، و(Taylor) & (Francis)، و(Thieme Publishing Group)، و(Wiley-Blackwell)، و(Wolters Kluwer). فعلى سبيل المثال، اشترت (Reed-Elsevier) دار (Pergamon Press) عام 1991، لكن الدوريات ظلت في (WoS) مرتبطة بـ(Pergamon Press) حتى عام 2000. ولذلك أسندنا أي دورية نشرتها (Pergamon Press) منذ عام 1991 إلى (Reed-Elsevier). وفي حالات الاستحواذ الجزئي، لم تُسنَد الدوريات إلى الناشر إلا إذا كان 51% على الأقل من الشركة تحت سيطرته. ووُجدت البيانات التاريخية للاندماج والاستحواذ حتى عام 2006 في تقرير مونرو (Munroe) [27]. أما بيانات السنوات اللاحقة فاستُرجعت من ملفات الشركات في قاعدة بيانات (Lexis Nexis)، ومن البيانات الصحفية المنشورة على مواقع الناشرين.

النتائج:

يقارن التحليل بين حصة الناشرين الخمسة الأوائل وغيرهم من الناشرين في المقالات والدوريات والاستشهادات الواردة، في مجالَي العلوم الطبيعية والطبية (NMS) والعلوم الاجتماعية والإنسانية (SSH). واللافت في المجالين كليهما هو الانخفاض، منذ ظهور العصر الرقمي في منتصف التسعينيات، في نسبة المقالات والدوريات والاستشهادات التي تنشرها أو تتلقاها دوريات ناشرين غير الناشرين الخمسة الكبار. ففي كل من العلوم الطبيعية والطبية والعلوم الاجتماعية والإنسانية، تأتي (Reed-Elsevier) و(Wiley-Blackwell) و(Springer) و(Taylor) & (Francis) ضمن الناشرين الخمسة الأوائل من حيث عدد الوثائق العلمية عام 2013. وبينما تدخل (American Chemical Society) قائمة الخمسة الأوائل في العلوم الطبيعية والطبية (في المرتبة الرابعة عام 2013)، فإن خامس أغزر الناشرين إنتاجًا في العلوم الاجتماعية والإنسانية هو (Sage Publications). وهكذا، بينما جميع كبار الناشرين في العلوم الاجتماعية والإنسانية شركات خاصة، فإن أحد كبار الناشرين في العلوم الطبيعية والطبية جمعية علمية.

ومن حيث عدد المقالات المنشورة، كان الناشرون الخمسة الكبار في العلوم الطبيعية والطبية يستأثرون عام 1973 بما يزيد قليلًا على 20% من جميع المقالات المنشورة. وارتفعت هذه الحصة إلى 30% عام 1996، وإلى 50% عام 2006، وهو المستوى الذي بقيت عنده حتى عام 2013 حين ارتفعت مجددًا إلى 53%. وفي هذا المجال، يستأثر ثلاثة ناشرين بأكثر من 47% من جميع المقالات عام 2013: (Reed-Elsevier) (24.1%؛ بزيادة 1.5 ضعف منذ عام 1990)، و(Springer) (11.9%؛ بزيادة 2.9 ضعف)، و(Wiley-Blackwell) (11.3%؛ بزيادة 2.2 ضعف). أما (American Chemical Society) (3.4%؛ بانخفاض 5%) و(Taylor) & (Francis) (2.9%؛ بزيادة 4.9 ضعف) فلا تستأثران إلا بنسبة صغيرة من المقالات. وفي العلوم الاجتماعية والإنسانية، ازداد التركّز على نحو أكثر حدة. فبين عامي 1973 و1990، كان الناشرون الخمسة الأغزر إنتاجًا مجتمعين يستأثرون بأقل من 10% من الإنتاج المنشور في هذا المجال، مع زيادة طفيفة في حصتهم خلال تلك المدة. وبحلول منتصف التسعينيات نمت حصتهم مجتمعين إلى 15% من المقالات. غير أن هذه الحصة ارتفعت منذ ذلك الحين إلى أكثر من 51%، أي إن أغلب مقالات العلوم الاجتماعية والإنسانية عام 2013 تُنشر في دوريات يملكها خمسة ناشرين تجاريين. وتحديدًا، تستأثر (Elsevier) عام 2013 بـ16.4% من جميع مقالات العلوم الاجتماعية والإنسانية (بزيادة 4.4 ضعف منذ عام 1990)، و(Taylor) & (Francis) بـ12.4% (بزيادة 16 ضعفًا)، و(Wiley-Blackwell) بـ12.1% (بزيادة 3.8 ضعف)، و(Springer) بـ7.1% (بزيادة 21.3 ضعفًا)، و(Sage Publications) بـ6.4% (بزيادة 4 أضعاف). وإجمالًا، يستأثر خمسة ناشرين في هذين المجالين الواسعين من المعرفة العلمية بأكثر من نصف ما يُنشر اليوم في الدوريات. وتُلاحظ اتجاهات مشابهة جدًا للدوريات وللاستشهادات، وإن كان التركّز أقل وضوحًا، ولا سيما في استشهادات العلوم الطبيعية والطبية التي ظلت مستقرة إلى حد كبير بين عام 1973 وأواخر التسعينيات. فعلى سبيل المثال، بينما يستأثر الناشرون الخمسة الأوائل بـ53% (العلوم الطبيعية والطبية) و51% (العلوم الاجتماعية والإنسانية) من المقالات، تبلغ نسبتهم من الدوريات 53% (العلوم الطبيعية والطبية) و54% (العلوم الاجتماعية والإنسانية)، و55% (العلوم الطبيعية والطبية) و54% (العلوم الاجتماعية والإنسانية) فيما يخص الاستشهادات الواردة. ويشير ذلك إلى أن الناشرين الخمسة الأوائل ينشرون عددًا أكبر من المقالات في كل دورية مقارنةً بالناشرين الآخرين من خارج الخمسة الأوائل، وأن مقالاتهم تحقق في المتوسط تأثيرًا علميًا أدنى.

ولزيادة حصة كبار الناشرين من الإنتاج العلمي سببان رئيسان: 1) إنشاء دوريات جديدة، و2) استحواذ هؤلاء الناشرين على دوريات قائمة. ويتتبع التحليل، في كل من العلوم الطبيعية والطبية والعلوم الاجتماعية والإنسانية، عدد الدوريات التي انتقلت ملكيتها عبر الزمن من ناشرين صغار إلى ناشرين كبار، أي الناشرين الأربعة أصحاب الحصة الأكبر من المقالات المنشورة في كل من المجالين، وكذلك، للعلوم الطبيعية والطبية، عدد الدوريات التي انتقلت من دور نشر كبيرة إلى دور نشر صغيرة. ولما كنا نقصد إبراز تطورات سوق النشر بحسب نوع الناشر لا بحسب كل ناشر على حدة، فإن التحليل لا يشمل التغييرات بين الناشرين الصغار أنفسهم أو بين الناشرين الكبار أنفسهم. ويتبين في المجالين كليهما أن تغييرات نوع الناشر كانت قبل عام 1997 نادرة إجمالًا، وأن أغلبها كان انتقالًا من ناشرين كبار إلى ناشرين صغار في العلوم الطبيعية والطبية. والأهم أنه لم يُعثر على دورية واحدة انتقلت من ناشر كبير إلى ناشر صغير في العلوم الاجتماعية والإنسانية طوال مدة التحليل. وحدثت أول موجة كبيرة ومهمة من استحواذ الناشرين الكبار على الدوريات في 1997–1998، حين استحوذت (Taylor) & (Francis) على عدة دوريات من (Gordon) & (Breach Science Publishers)، و(Harwood Academic Publishers)، و(Scandinavian University Press)، و(Carfax Publishing)، و(Routledge). وفي المدة نفسها استحوذت (Reed-Elsevier) على بضعة ناشرين صغار مثل (Butterworth-Heinemann)، و(Ablex Publications)، و(JAI press)، و(Gauthier-Villars)، و(Expansion Scientifique Française). وجاءت الذروة المهمة التالية عام 2001، ويرجع ذلك أساسًا إلى مواصلة (Reed-Elsevier) سلسلة من عمليات الاستحواذ، منها (Academic Press)، و(Churchill Livingstone)، و(Mosby)، و(WB Saunders). وأخيرًا، ترجع ذروة عام 2004 أساسًا إلى استحواذ (Springer) على (Kluwer Academic Publishers)، ولم تكن (Springer) قد انخرطت من قبل في أنشطة استحواذ كبيرة على الدوريات. أما إسهام (Wiley-Blackwell) في موجات الاستحواذ الأربع فكان أكثر انتظامًا، إذ استحوذت الشركة على 39 دورية سنويًا في المتوسط من ناشرين مختلفين خلال المدة 2001–2004.

وتختلف حصة الناشرين الخمسة من مقالات الدوريات بين التخصصات المختلفة في العلوم الطبيعية والطبية والعلوم الاجتماعية والإنسانية. ويتتبع التحليل تطور حصة الناشرين الخمسة الأوائل من المقالات بحسب التخصص. ولا غرابة في أن تسجّل الكيمياء أعلى مستوى من التركّز، إذ إن أحد ناشريها التخصصيين، (ACS)، دخل قائمة الناشرين الخمسة الأغزر إنتاجًا في العلوم الطبيعية والطبية. غير أن التركّز لدى الناشرين الخمسة الأوائل ارتفع في معظم التخصصات من نسبة تراوح بين 10% و20% عام 1973 إلى نسبة تراوح بين 42% و57% عام 2013، مع تغيّر واضح في مسار الاتجاه في منتصف التسعينيات. أما الفيزياء فتتبع نمطًا مختلفًا: فبعد ارتفاعها من 20% عام 1973 إلى 35% عام 2000، ظلت مستقرة منذ ذلك الحين، ومن ثَمّ فهي التخصص الذي يستأثر فيه الناشرون الخمسة الأوائل بأدنى نسبة من المقالات المنشورة. ويرجع هذا التركّز الأدنى للمقالات في دوريات الناشرين الكبار أساسًا إلى قوة الجمعيات العلمية في الفيزياء وحجمها، إذ تنشر دورياتها نسبة مهمة من المقالات العلمية في هذا الميدان. ففي عام 2013 مثلًا، تستأثر دوريات (American Physical Society) (APS) ودوريات (American Institute of Physics) (AIP) كلٌّ منها بـ15% من المقالات، في حين تمثل دوريات (Institute of Physics) (IOP) نسبة 8% من المقالات. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن حصة دوريات (Reed-Elsevier) من مقالات الفيزياء انخفضت كذلك خلال العقد الأخير تقريبًا، من 28% من المقالات عام 2001 إلى 21% عام 2013. غير أن (Springer) رفعت نسبتها من مقالات الفيزياء من 3% إلى 11% خلال المدة نفسها. وإجمالًا، فإن الأهمية المركزية للجمعيات العلمية في الفيزياء، ووجود (arXiv)، وهو الخادم المركزي للنسخ الأولية (preprint) في الفيزياء والفيزياء الفلكية والرياضيات، فضلًا عن اتفاقيات الوصول المفتوح مثل (SCOAP3) (رابط المصدر)، من المرجح أن تجعل هذا الميدان أقل ربحية، ومن ثَمّ أقل جاذبية للناشرين التجاريين. وفي البحوث الطبية الحيوية، كادت حصة الناشرين الخمسة الأوائل تبلغ 50% عام 2009 (49%)، لكنها انخفضت بعد ذلك إلى 42% عام 2013، ويرجع ذلك أساسًا إلى ظهور ناشرين جدد، مثل (Public Library of Science) ودوريتها الضخمة (mega-journal) (PLOS ONE)، التي تنشر أكثر من 30,000 مقال سنويًا.

وتبيّن النتائج بوضوح أن التخصصات التي توصف عادة بـ«العلوم الاجتماعية» تسلك سلوكًا مختلفًا عن الآداب والإنسانيات. ففي كل تخصص ضمن مجال العلوم الاجتماعية (علم النفس، والميادين المهنية، والعلوم الاجتماعية، والجوانب الاجتماعية للصحة)، ثمة تغيّر لا لبس فيه في مسار الاتجاه في منتصف التسعينيات: فبينما كان الناشرون الخمسة الأوائل، وهم في هذه الحالة ناشرون تجاريون، يستأثرون بنسب تراوح بين 15% و22% من الإنتاج عام 1995، ارتفعت هذه النسب إلى ما بين 54% و71% عام 2013. وتخصصات العلوم الاجتماعية، التي تشمل مجالات مثل علم الاجتماع والاقتصاد والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية والدراسات الحضرية، لافتة جدًا: فبينما كان الناشرون الخمسة الأوائل يستأثرون بـ15% من المقالات عام 1995، بلغت هذه القيمة 66% عام 2013. وويمثل الناشرون مجتمعين التجاريون الثلاثة الأوائل وحدهم، (Reed-Elsevier) و(Taylor) & (Francis) و(Wiley-Blackwell)، قرابة 50% من جميع المقالات عام 2013. ويتبع علم النفس نمطًا مشابهًا، إذ ارتفعت حصة الناشرين الخمسة الأوائل من 17% عام 1995 إلى 71% عام 2013.

ومن جهة أخرى، لا تزال مقالات الآداب والإنسانيات موزعة إلى حد كبير بين ناشرين أصغر كثيرين، إذ لا يستأثر الناشرون التجاريون الخمسة الأوائل إلا بـ20% من مقالات الإنسانيات و10% من مقالات الآداب عام 2013، رغم زيادة طفيفة منذ النصف الثاني من التسعينيات. وقد تفسّر التكلفةُ المنخفضة نسبيًا للدوريات في هذه التخصصات، وهي نتيجة لكثافة النشر الأدنى فيها، الحصةَ الأدنى لكبار الناشرين التجاريين. كما أن التحول من المطبوع إلى الإلكتروني، وهو حجة قوية لانتقال الدوريات إلى الناشرين التجاريين، جرى بوتيرة أبطأ كثيرًا في هذه التخصصات، لأن الحاجة إلى المعلومات العلمية الحديثة فيها أقل إلحاحًا [28]. وفضلًا عن ذلك، تستخدم هذه التخصصات الكتب استخدامًا أكبر بكثير [9]، وتعتمد عمومًا على دوريات محلية [29]، وكلها عوامل تجعل شراء الدوريات أو تأسيس دوريات جديدة في الآداب والإنسانيات أقل جاذبية بكثير للناشرين الكبار.

ويتناول التحليل التغيرات في معدلات الاستشهاد النسبية بالمقالات في الدوريات التي انتقلت من ناشرين صغار إلى كبار ومن كبار إلى صغار، خلال السنوات العشر السابقة للانتقال واللاحقة له. ونركز على مدتين كلٌّ منهما أربع سنوات لضمان بيئات متقاربة لسوق النشر، واخترنا 1995–1998 و2001–2004، لأن التحليل حددهما مرحلتين مهمتين لتركّز النشر. وبمزيد من التحديد، في العلوم الطبيعية والطبية، زاد تأثير الدوريات التي انتقلت من ناشرين صغار إلى كبار زيادة طفيفة بعد الانتقال. لكن بينما جاء ذلك لدى مجموعة دوريات 2001–2004 عقب انخفاض في التأثير، كان تأثير مجموعة 1995–1998 مستقرًا نسبيًا قبل الانتقال. أما الدوريات المنتقلة من ناشرين كبار إلى صغار فلا أثر فيها: إذ يظل التأثير متشابهًا قبل الانتقال وبعده. وفي العلوم الاجتماعية والإنسانية، لا يُلاحظ أي أثر يُذكر: فالانتقال من ناشر صغير إلى ناشر تجاري كبير لا يؤثر في معدلات الاستشهاد بالمقالات. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن متوسط تأثير المقالات قبل الانتقال وبعده ظل دون المتوسط العالمي، باستثناء الدوريات المنتقلة من ناشرين صغار إلى كبار بين عامي 2001 و2004. ويشير ذلك إلى أن الدوريات التي غيّرت ناشريها لم تُنتج في المتوسط كثيرًا من المقالات عالية التأثير.

المناقشة والخاتمة:

أثر الجمعيات العلمية:

إجمالًا، تبيّن نتائجنا أن كبار الناشرين التجاريين قد استفادوا من العصر الرقمي، إذ أدى إلى زيادة هائلة في حصة الإنتاج العلمي الذي ينشرونه. كما أدى إلى اعتماد أكبر للمجتمع العلمي على هؤلاء الناشرين. ومع أن المجالين الواسعين كليهما شهدا زيادة في تركّز المقالات في أيدي قلة من الناشرين بلغت 50% في السنوات الأخيرة، فقد لوحظ تمايز واضح بين العلوم الطبيعية والطبية والعلوم الاجتماعية والإنسانية. ففي المجموعة الأولى من التخصصات، استطاع حجم الجمعيات العلمية، وهو نتيجة لحجم التخصصات عمومًا، أن يُبقي الإنتاج العلمي أقل اعتمادًا على الناشرين التجاريين. فعلى سبيل المثال، تنشر جمعيات علمية مثل (ACS) أو (APS) دوريات كثيرة في تخصصات الكيمياء والفيزياء على التوالي، وقد أدارت بنجاح التحول من المطبوع إلى الإلكتروني. ومن جهة أخرى، العلوم الاجتماعية أكثر تشتتًا بكثير: فالأنثروبولوجيا والاتصال وعلم الجريمة والديموغرافيا والاقتصاد وعلم الاجتماع يمكن أن تُعد كلها علومًا اجتماعية. ومع ذلك، لا توجد جمعية علمية كبيرة تجمع الباحثين من هذه التخصصات وتصدر أيضًا الدوريات المختلفة التي تغطيها. بل توجد جمعيات كثيرة مختلفة لكل تخصص، كثيرًا ما تنقسم بحسب التخصصات الدقيقة. وفي السياق نفسه، فإن موضوعات العلوم الاجتماعية والإنسانية في الغالب محلية النطاق، ومن ثَمّ أقل دولية بكثير، وهذا يؤدي أيضًا إلى جمعيات علمية أكثر لامركزية، ومن ثَمّ أصغر. ونتيجة لذلك، لم تكن لدى هذه الجمعيات العلمية الوسائل اللازمة للتكيف مع العصر الرقمي، فكانت أكثر عرضة لأن يُستحوذ عليها أو لأن تعقد اتفاقيات مع كبار الناشرين التجاريين لنشر دورياتها. وهذا تحوّل واضح عن النموذج التقليدي للاتصال العلمي. وكما قال لايمان (Lyman) وتشودورو (Chodorow) [25]:

«أُسست مطابع الجامعات والجمعيات التخصصية لنشر البحث في الدورة الأصلية للاتصال العلمي. فكان أعضاء هيئة التدريس يُنتجون العمل المراد نشره؛ وينظّم الناشرون غير الربحيون توزيع المعرفة؛ وتشتري مكتبة الجامعة العمل المنشور بسعر مرتفع اصطناعيًا، دعمًا للجمعيات العلمية؛ ويستخدم أعضاء هيئة التدريس هذا الإنتاج أساسًا لمزيد من البحث والتدريس. […] غير أنه خلال السنوات الخمسين الماضية، ومع تشجيع التمويل الفيدرالي للبحث على التخصص، أصبح نشر الدوريات تجاريًا، وصارت بعض أجزاء الإنتاج العلمي والتقني الآن محتكرة من تكتلات نشر متعددة الجنسيات.» (ص 89)

اقتصاديات النشر العلمي:

كما قد يُتوقع، أدى تركّز صناعة النشر إلى زيادة أرباح الناشرين. ويتضح ذلك، على سبيل المثال، في تطور أرباح (Reed-Elsevier) خلال المدة 1991–2013، للشركة ككل ولقسمها للعلوم والتقنية والطب ((Scientific), (Technical) & (Medical)). وتبيّن البيانات أن الأرباح وهامش الربح كليهما ازدادا باطّراد للشركة ككل بين عامي 1991 و1997. فبينما تضاعفت الأرباح أكثر من مرتين خلال تلك المدة، من 665 مليون دولار أمريكي إلى 1,451 مليون دولار أمريكي، ارتفع هامش الربح أيضًا من 17% إلى 26%. غير أن هوامش الربح انخفضت بين عامي 1998 و2003، وإن ظلت الأرباح مستقرة نسبيًا. ثم ارتفعت قيمة الأرباح وهامش الربح من جديد، باستثناء مدة الأزمة الاقتصادية 2008–2009، فبلغت الأرباح أعلى مستوى لها على الإطلاق بأكثر من ملياري دولار أمريكي في عامي 2012 و2013. وهامش ربح قسم العلوم والتقنية والطب في الشركة أعلى من ذلك. وفضلًا عن ذلك، تضاعفت أرباحه نحو ست مرات خلال المدة كلها. ولم ينخفض هامش ربح هذا القسم قط دون 30% خلال المدة المرصودة، وارتفع باطّراد من 30.6% إلى 38.9% بين عامي 2006 و2013. وحققت (Springer Science+Business Media) هوامش ربح مرتفعة مماثلة عام 2012 (35.0%، انظر: رابط المصدر)، وكذلك عام 2013 قسمُ العلوم والتقنية والطب والنشر العلمي في (John Wiley) & (Sons) (28.3%، انظر: رابط المصدر) و(Taylor and Francis) (35.7%، انظر: رابط المصدر)، وهذا يضعها في مستوى مقارب لـ(Pfizer) (42%) والبنك الصناعي والتجاري الصيني (29%)، وفوق (Hyundai Motors) (10%) بكثير، وهي على التوالي أكثر شركات الأدوية والمصارف والسيارات ربحية بين أكبر عشر شركات، بحسب قائمة (Forbes Global 2000) [30]. وبإيرادات إجمالية بلغت 9.4 مليارات دولار أمريكي عام 2011 [31]، تولّدت أغلبها لدى قلة من دور النشر، تواجه سوق نشر الدوريات العلمية ظروف احتكار القلة (oligopoly)، حيث يحدد الناشرون الكبار مثل (Elsevier) و(Springer) و(Taylor) & (Francis) و(Wiley-Blackwell) و(Wolters Kluwer) أسعار اشتراك متزايدة سنويًا تشكّل قدرًا كبيرًا من الإنفاق على البحث، ولا تترك للمكتبات الأكاديمية خيارًا سوى إلغاء الاشتراكات [20,32,33].

استند تجميع بيانات أرباح (Reed-Elsevier) إلى تقاريرها السنوية: رابط المصدر. ولم تتوافر أرقام قسم العلوم والتقنية والطب إلا بالجنيه الإسترليني، فحُوّلت إلى الدولار الأمريكي باستخدام أسعار الصرف التاريخية من رابط المصدر.

وتكمن إمكانية زيادة الأرباح على هذا النحو المفرط في خصوصية اقتصاديات النشر العلمي. فعلى خلاف الموردين المعتادين، يقدّم المؤلفون سلعهم دون مقابل مالي، والمستهلكون (أي القراء) معزولون عن عملية الشراء. ولأن الشراء والاستخدام غير مرتبطين ارتباطًا مباشرًا، فإن تقلبات الأسعار لا تؤثر في الطلب. والمكتبات الأكاديمية، التي تسهم بنسبة 68% إلى 75% من إيرادات نشر الدوريات [31]، مشترون غير نمطيين لأن مشترياتها تتحكم فيها الميزانيات أساسًا. فبصرف النظر عن احتياجاتها من المعلومات، عليها أن تتدبر أمرها بموارد أقل كلما ارتفعت الأسعار. وبسبب احتكار القلة لدى الناشرين، تكاد المكتبات تكون عاجزة، لأن كل منتج في النشر العلمي يمثل قيمة فريدة ولا يمكن استبداله [19,20,33,34].

ويمكن عدّ المنشورات العلمية نفسها سلعًا معلوماتية ذات تكاليف ثابتة مرتفعة وتكاليف متغيرة منخفضة [35,36]. وفيما يخص الدوريات الأكاديمية، تشمل التكاليف الثابتة أو تكاليف النسخة الأولى (first-copy costs) إعداد المخطوطات واختيارها وتحكيمها، وكذلك التحرير اللغوي والإخراج، وكتابة الافتتاحيات، والتسويق، والرواتب والإيجار، وأكبر بندين منها، أي كتابة المخطوطات وتحكيمها، يقدّمهما المجتمع العلمي مجانًا [20]. وبهذا المعنى، وعلى خلاف أي نشاط تجاري آخر، فإن الدوريات الأكاديمية سلعة معلوماتية غير نمطية، لأن الناشرين لا يدفعون لمورّد السلعة الأولية، أي مؤلفي المقالات العلمية، ولا مقابل ضبط الجودة، أي التحكيم العلمي. ومن جهة الناشر، تُقدَّر متوسطات تكاليف النسخة الأولى لمقالات الدوريات بما يراوح بين 20 و40 دولارًا أمريكيًا للصفحة، بحسب معدلات الرفض [37]؛ [17]، وهذا لا يفسّر رسوم النشر بالوصول المفتوح التي تبلغ 5,000 دولار أمريكي (مثل (Cell Reports) لدى (Elsevier))، ولا الدوريات الهجينة، التي يتقاضى فيها الناشرون المقابل مرتين عن كل مقال، أي رسوم الاشتراك ورسوم الوصول المفتوح (مثل (Open Choice) لدى (Springer) أو (Online Open) لدى (Sage Publications)).

وفضلًا عن ذلك، فإن قاعدة إنغلفينغر (Ingelfinger law)، التي استحدثها ناشر (New England Journal of Medicine) عام 1969، تحظر على المؤلفين تقديم مخطوطاتهم إلى أكثر من دورية واحدة [38]. ومع أن القاعدة أُنشئت في الأصل لحماية مصادر إيرادات الدورية، وأصبحت متجاوزة إلى حد كبير بفعل النشر الإلكتروني [39]، فإنها لا تزال قاعدة عامة في نشر الدوريات الأكاديمية، كثيرًا ما تُفرض باتفاقيات نقل حقوق المؤلف. ولذلك تحتكر كل دورية المحتوى العلمي للمقالات التي تنشرها: فالمقال (A) المنشور في الدورية (Y) ليس بديلًا عن المقال (B) المنشور في الدورية (Z) [11]. وبعبارة أخرى، فإن الوصول إلى المقال (A) لا يغني عن الوصول إلى المقال (B)، إذ يكمّل كلٌّ منهما الآخر.

ويدفع الناشرُ التكاليفَ المتغيرة للدوريات الأكاديمية، وكانت هذه التكاليف كبيرة ما دامت الدوريات تُطبع وتُوزع ماديًا. ففي عصر الطباعة، كان على الناشرين تنضيد المخطوطات، وطبع نسخ الدوريات، وإرسالها إلى مختلف المشتركين. ولذلك، كلما طُبع عدد وأُرسل وبيع، كان لا بد من طبع نسخة أخرى لتُرسل وتُباع. غير أن هذه التكاليف صارت هامشية مع ظهور النشر الإلكتروني. وقد فاقم العصر الرقمي هذا الاتجاه وزاد الإيرادات المحتملة للناشرين. فبينما يمكن عدّ الدوريات المطبوعة، بالمصطلحات الاقتصادية، سلعًا تنافسية (rival goods)، أي سلعًا لا يمكن أن يمتلكها فردان في آن واحد، فإن الدوريات المتاحة عبر الإنترنت سلع غير تنافسية [40]: فالعدد الواحد من الدورية الذي رفعه الناشر على موقع الدورية يمكن أن يصل إليه باحثون كثيرون من جامعات كثيرة في الوقت نفسه. ولا يحتاج الناشر إلى رفع نسخة إضافية أو إنتاجها في كل مرة يُطّلع فيها على مقال في الخادم، إذ يمكن نسخه إلى ما لا نهاية، وهذا بدوره يخفض التكلفة الحدّية للاشتراكات الإضافية إلى الصفر. وفي نظام تبلغ فيه التكلفة الحدّية للسلع الصفر، يصبح سعرها اعتباطيًا، ولا يتوقف إلا على مدى الحاجة إليها، وعلى القدرة الشرائية لمن يحتاجون إليها. وفضلًا عن ذلك، تتأثر الأسعار تأثرًا قويًا بعلاقات القوة بين المشتري والبائع، أي الناشرين والمكتبات الأكاديمية. وفي نظام كهذا، يكون أي سعر مناسبًا للبائع، لأن الوحدة الإضافية المبيعة ربح خالص. وتفسّر كل هذه العوامل الصفقات الكبرى (big deals) المختلفة، وغير العقلانية في الغالب، المعقودة بين الناشرين والمشتركين، إذ تشترك مكتبات الجامعات في مجموعة دوريات الناشر كاملة أو في حزمة كبيرة منها بصرف النظر عن احتياجاتها المحددة [41]. ومن خلال هذه الصفقات الكبرى، اعتاد باحثو الجامعات منذ نحو عشرين عامًا الوصول إلى نسبة متزايدة الاتساع من الإنتاج العلمي المنشور، وهذا يجعل من الصعب جدًا على مكتبات الجامعات اليوم أن تلغي الاشتراكات وتتفاوض للخروج من الصفقات الكبرى مع الناشرين بغية تحسين مجموعاتها ومراعاة قيود الميزانية.

استنتاجات عامة:

منذ نشأة الدوريات العلمية قبل 350 عامًا، زادت دور النشر التجارية الكبيرة سيطرتها على منظومة العلم. وقد ارتفعت نسبة الإنتاج العلمي المنشور في الدوريات التي تملكها ارتفاعًا مطّردًا خلال السنوات الأربعين الماضية، وازداد ذلك منذ ظهور العصر الرقمي. غير أن القيمة المضافة لم تتبع اتجاهًا مماثلًا. فبينما يمكن القول إن دورها في التنضيد والطباعة والنشر كان محوريًا في عالم المطبوعات [20,7]، فإن السهولة التي يمكن بها أداء هذه الوظائف في العالم الإلكتروني، أو انتفاء الحاجة إليها، تدفع المرء إلى التساؤل: ما حاجتنا إلى الناشرين؟ ما الذي يقدّمونه ويبلغ من الأهمية للمجتمع العلمي حدًا يجعلنا نتفق جماعيًا على تخصيص نسبة متزايدة من ميزانيات جامعاتنا لهم؟ لا شك أن معظم الدوريات تعتمد على أنظمة الناشرين لإدارة المخطوطات وتحكيمها؛ لكن بينما تيسّر هذه الأنظمة العملية، فإن الباحثين، بوصفهم جزءًا من المجتمع العلمي، هم الذين يُجرون التحكيم العلمي. ولذلك فإن هذه الخطوة الأساسية من ضبط الجودة ليست قيمة يضيفها الناشرون، بل يضيفها المجتمع العلمي نفسه.

ومن ثَمّ، فإن الأمر بيد المجتمع العلمي ليغيّر النظام على نحو مماثل، وبالتوازي مع حركتي الوصول المفتوح والعلم المفتوح. والواقع أن المجتمع العلمي بدأ يتفاعل مع السلوك الاستغلالي لكبار الناشرين الربحيين ويحتج عليه. ففي عام 2012، دعت حملة «ثمن المعرفة» (Cost of Knowledge) (رابط المصدر)، التي أطلقها عالم الرياضيات في كامبريدج والحائز على وسام فيلدز تيموثي غاورز (Timothy Gowers)، الباحثين إلى الاحتجاج على نموذج أعمال (Elsevier) بمقاطعة دورياتها، بالتوقف عن تقديم البحوث إليها وتحريرها وتحكيم بحوثها. وقد بدأت المقاطعة بتدوينة، ثم وُصفت لاحقًا بأنها بداية «ربيع أكاديمي» [42,43]. وأوقفت عدة مكتبات جامعية، منها مكتبات جامعات كبيرة ومرموقة مثل جامعة كاليفورنيا [44] وهارفارد [45]، المفاوضات وهددت بمقاطعة كبار الناشرين الربحيين، في حين ألغت جامعات أخرى، مثل جامعة كونستانس، جميع اشتراكاتها في (Elsevier) ببساطة، إذ لم تكن قادرة ولا راغبة في مجاراة سياستها التسعيرية العدوانية: زيادة بنسبة 30% خلال خمس سنوات [46,47].

لكن هذه استثناءات. فللأسف، لا يزال الباحثون يعتمدون على وظيفة رمزية في جوهرها من وظائف الناشرين، هي توزيع رأس المال الأكاديمي، وهذا ما يفسّر شدة اعتماد المجتمع العلمي على «أكثر التقنيات المتقادمة ربحيةً في التاريخ» [48]. فالباحثون الشباب يحتاجون إلى النشر في دوريات مرموقة لنيل التثبيت الوظيفي، في حين يحتاج الباحثون الأكبر سنًا إلى الأمر نفسه للمحافظة على منحهم البحثية، وفي هذه البيئة فإن النشر في دورية عالية التأثير لدى (Elsevier) أو (Springer) هو ما «يُحتسب». وفي هذا السياق العام، لا يمكن التهوين من الأثر السلبي لمختلف المؤشرات الببليومترية في تقييم الباحثين الأفراد. فعدّ المقالات المكشّفة في قواعد البيانات الببليومترية الكبرى، التي تغطي أساسًا الدوريات الصادرة عن الناشرين التجاريين كما رأينا في هذا البحث، يخلق حافزًا قويًا للباحثين على النشر في هذه الدوريات، ومن ثَمّ يعزز سيطرة الناشرين التجاريين على المجتمع العلمي.

إسهامات المؤلفين:

تصوّر فانسان لاريفيير التجارب وصمّمها، وشارك مع ستيفاني هاوستاين وفيليب مونجون في إجرائها وتحليل البيانات وكتابة البحث.

المراجع:

  1. de Solla Price DJ. Little Science, Big Science. New York: Columbia University Press; 1963.
  2. Haustein S. Multidimensional journal evaluation. Analyzing scientific periodicals beyond the impact factor. Berlin/Boston: De Gruyter Saur; 2012.
  3. Tenopir C, King DW. (2009). The growth of journals publishing. In Cope B, Phillips A, editors. The Future of the Academic Journal. Oxford: Chandos Publishing; 2009. pp. 105–123.
  4. Zuckerman H, Merton RK. Patterns of evaluation in science—institutionalisation, structure and functions of referee systems. Minerva. 1971;9(1): 66–100.
  5. Harmon JE, Gross AG. The Scientific Literature: A Guided Tour. Chicago: Chicago University Press; 2007.
  6. Meadows AJ. The Scientific Journal. London: Aslib; 1979.
  7. Meadows AJ. Access to the results of scientific research: developments in Victorian Britain. In Meadows AJ, editor. Development of Science Publishing in Europe. Amsterdam: Elsevier Science Publishing; 1980. pp. 43–62.
  8. Meadows AJ. Communication in Science. Butterworths: Seven Oaks; 1974.
  9. Larivière V, Archambault É, Gingras Y, Vignola-Gagné É. The place of serials in referencing practices: Comparing natural sciences and engineering with social sciences and humanities. Journal of the American Society for Information Science and Technology. 2006;57(8): 997–1004.
  10. Brock WH. (1980). The Development of Commercial Science Journals in Victorian Britain. In Meadows AJ, editor. Development of Science Publishing in Europe, Amsterdam: Elsevier Science Publishers; 1980. pp. 95–122.
  11. Kaufman P. (1998). Structure and crisis: Markets and market segmentation in scholarly publishing. In: Hawkins BL, Battin P, editors. The Mirage of Continuity: Reconfiguring Academic Information Resources for the 21st Century. Washington D.C.: CLIR and AAU; 1998. pp. 178–192.
  12. Tenopir C, King DW. Trends in Scientific Scholarly Journal Publishing in the U.S. Journal of Scholarly Publishing. 1997;28(3): 135–170.
  13. Office of Fair Trading. The market for scientific, technical and medical journals. A statement by the OFT. Report OFT396; 2002. Available: http://www.econ.ucsb.edu/~tedb/Journals/oft396.pdf. Accessed on: 2015 January 5.
  14. Borgman CL. From Gutenberg to the global information infrastructure: Access to information in the networked world. Cambridge, Mass: MIT Press; 2000.
  15. Borgman CL. Scholarship in the Digital Age: Information, Infrastructure, and the Internet. Cambridge, Mass: MIT Press; 2007.
  16. Kling R, Callahan E. Electronic journals, the Internet, and scholarly communication. Annual Review of Information Science and Technology. 2003;37: 127–177.
  17. Tenopir C, King DW. Towards Electronic Journals: Realities for Scientists, Librarians, and Publishers. Washington, D. C.: Special Libraries Association; 2000.
  18. Odlyzko AM. Tragic loss or good riddance: The impending demise of traditional scholarly journals. International Journal of Human-Computer Studies. 1995;42(1): 71–122.
  19. Keller A. Elektronische Zeitschriften. Grundlagen und Perspektiven. Wiesbaden: Harrassowitz Verlag; 2005.
  20. Mierzejewska BI. The Eco-system of Academic Journals. Doctoral dissertation, University of St. Gallen, Graduate School of Business Administration, Economics, Law and Social Sciences. Bamberg: Difo-Druck; 2008.
  21. Mackenzie Owen J. The scientific article in the age of digitization. Dordrecht: Springer; 2007. 22.
  22. Abramson A. Solutions for Delivering Digital Content in the New Academic Enterprise. Library Hi Tech News. 2000;17(1).
  23. McGuigan GS, Russell RD. The business of academic publishing: A strategic analysis of the academic journal publishing industry and its impact on the future of scholarly publishing. Electronic Journal of Academic and Special Librarianship. 2008;9(3). Available: http://southernlibrarianship.icaap.org/content/v09n03/mcguigan_g01.html.
  24. Solomon DJ. Talking past each other: making sense of the debate over electronic publication. First Monday. 2002;7(8). Available: http://firstmonday.org/ojs/index.php/fm/rt/printerFriendly/978/899.
  25. Lyman P, Chodorow S. (1998) The Future of Scholarly Communication. In Hawkins BL, Battin P, editors. The Mirage of Continuity: Reconfiguring Academic Information Resources for the 21st Century. Washington D.C.: CLIR and AAU; 1998. pp. 87–104.
  26. Halliday L, Oppenheim C. Developments in digital journals. Journal of Documentation, 2001;57(2): 260–283.
  27. Munroe, M.H. (2007). The academic publishing industry: a story of merger and acquisition. Available: http://www.ulib.niu.edu/publishers/
  28. Larivière V, Archambault É, Gingras Y. Long-term variations in the aging of scientific literature: From exponential growth to steady-state science (1900–2004). Journal of the American Society for Information Science and Technology. 2008;59(2): 288–296.
  29. Archambault É, Vignola-Gagné É, Côté G, Larivière V, & Gingras Y. Benchmarking scientific output in the social sciences and humanities: The limits of existing databases. Scientometrics. 2006;68(3): 329–342.
  30. Chen L. Best of the biggest: How profitable are the world’s largest companies? Forbes. 13 May 2014. Available: http://www.forbes.com/sites/liyanchen/2014/05/13/best-of-the-biggest-how-profitable-are-the-worlds-largest-companies/. Accessed 2015 January 5.
  31. Ware M, Mabe M. The STM report. An overview of scientific and scholarly journal publishing. The Hague: International Association of Scientific, Technical and Medical Publishers; 2012. Available: http://www.stm-assoc.org/2012_12_11_STM_Report_2012.pdf.
  32. Cope B, Kalantzis M. Signs of epistemic disruption: transformations in the knowledge system of the academic journal. In B Cope, A Phillips, editors. The Future of the Academic Journal. Oxford: Chandos Publishing; 2009. pp. 11–61.
  33. McCabe MJ. Journal Pricing and Mergers: A Portfolio Approach. American Economic Review. 2002;92(1): 259–269.
  34. Meier M. Returning Science to the Scientists. Der Umbruch im STM-Zeitschriftenmarkt unter Einfluss des Electronic Publishing. München: Peniopel 2002.
  35. Shapiro C, Varian HR. Information Rules. A Strategic Guide to the Network Economy. Boston: Harvard Business School Press; 1998.
  36. Linde F, Stock WG. Information Markets. A Strategic Guideline for the I-Commerce. Berlin / New York: De Gruyter Saur; 2011.
  37. Rowland F. The peer-review process. Learned Publishing. 2002;15(4): 247–258.
  38. Ingelfinger F. Definition of “sole contribution”. New England Journal of Medicine.1969; 281: 676–677. pmid:5807917
  39. Harnad S. (2000). Ingelfinger over-ruled. The Lancet. 2000.
  40. Weimer DL, Vining AR. Policy Analysis: Concepts and Practice. Pearson: Prentice Hall; 2011.
  41. Bergstrom TC, Courant PN, McAfee RP, Williams MA. Evaluating big deal journal bundles. Proceedings of the National Academy of Sciences. 2014;111(26): 9425–9439. pmid:24979785
  42. Cook G. Why scientists are boycotting a publisher. The Boston Globe. 12 February 2012. Available: http://www.bostonglobe.com/opinion/2012/02/12/why-scientists-are-boycotting-publisher/9sCpDEP7BkkX1INfakn3NL/story.html. Accessed 2015 January 5.
  43. Jha A. Academic spring: how an angry maths blog sparked a scientific revolution. The Guardian. 9 April 2012. Available: http://www.theguardian.com/science/2012/apr/09/frustrated-blogpost-boycott-scientific-journals. Accessed 2015 January 5.
  44. Howard J. U. of California tries just saying no to rising journal costs. The Chronicle of Higher Education. 8 June 2010. Available: http://chronicle.com/article/U-of-California-Tries-Just/65823/. Accessed 2015 January 5.
  45. Sample I. Harvard University says it can’t afford journal publishers’ prices. The Guardian. 24 April 2012. Available: http://www.theguardian.com/science/2012/apr/24/harvard-university-journal-publishers-prices. Accessed 2015 January 5.
  46. University of Konstanz. More expensive than science allows. Press release No. 28 of 26 March 2014. Available: http://www.aktuelles.uni-konstanz.de/en/presseinformationen/2014/28/. Accessed 2015 January 5.
  47. Vogel G. German University tells Elsevier ‘no deal’. Science Insider. 27 March 2014. Available: http://news.sciencemag.org/people-events/2014/03/german-university-tells-elsevier-no-deal. Accessed 2015 January 5.
  48. Schmitt J. Academic journals: The most profitable obsolete technology in history. The Huffington Post Blog. 23 December 2014. Available: http://www.huffingtonpost.com/jason-schmitt/academic-journals-the-mos_1_b_6368204.html. Accessed 2015 January 5.

بيانات المصدر الأصلي

Larivière, V., Haustein, S. and Mongeon, P. (2015). The Oligopoly of Academic Publishers in the Digital Era. PLOS ONE, 10(6), e0127502. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0127502.

اقتبس هذا المقال

فانسان لاريفيير، ستيفاني هاوستاين، فيليب مونجون (2015). «خمسة ناشرين يسيطرون على نصف البحث العلمي: احتكار القلة في العصر الرقمي». مجلة المعلوماتية، العدد 52. https://informaticsjournal.net/?p=53093

مقالات ذات صلة