مجلة المعلوماتية مجلة المعلوماتية
حيث تلتقي المعرفة بالتقنيةمجلة فصلية في علوم المعلومات والمكتبات والتقنية
قضايا معلوماتية04المعلومات والمعرفة

المعلومات قوة: الاستخدام والمسؤولية

عدد القراءات1
اقتباس
مشاركة
محتويات المقالة
  1. نص المقالة

تمنح المعلومة صاحبها قدرة أكبر على المبادرة وتحديد مساره. فمن يحسن استخدامها يستطيع ترتيب أفكاره وتنظيم أعماله، والتخطيط لمستقبله وتحديد رؤيته على أسس واقعية متينة، بما يعينه على تحقيق أهدافه وتطلعاته.

وفي المقابل قد يواجه من تنقصه المعلومات الصحيحة حيرة في الاختيار، فيكرر المحاولة دون أن يعرف أسباب تعثره. ولا يعني ذلك أن امتلاك المعلومة يضمن النجاح؛ فهي تحتاج إلى فهم وحسن تقدير وعمل مناسب.

هذه مسألة واضحة وضوح الشمس، لا لبس فيها ولا غموض… لكن المشكلة الحقة تكمن فيمن يمتلك المعلومة، والعلم، والمعرفة، فلا ينتفع بشيء من ذلك، فيظل مضيعاً لطريقه، سالكاً خلاف الطريق السوي.

إن مثل هؤلاء "كمثل الحمار يحمل أسفاراً"، وهذا مثل ضربه الله لأقوام حملوا العلم فلم ينتفعوا به كما يحمل الحمار كتب العلم والمعرفة فلا ينتفع بشيء منها، ولا يعود عليه من حملها إلا التعب والمشقة!

إن الفارق الذي يعنيني هنا ليس بين من يحفظ معلومات أكثر ومن يحفظ أقل، بل بين من يترجم علمه إلى عمل نافع، ومن يعرف ما ينبغي فعله ثم لا ينتفع بمعرفته.

المعلومات قوة.. ولكنها قوة لمن ينتفع بها، ويستخدمها الاستخدام الأمثل، ويترجمها على أرض الواقع، نفعاً لنفسه، ومجتمعه، وأمته، فيرتقي بها، وتعلو بها مكانته.

وفي المقابل فهي وبال على من لا ينتفع بها، أو من لا يحسن استخدامها أو التعامل معها، فتكون عبئاً ثقيلاً، وحجة على صاحبها، ومستمسكاً خطيراً عليه، فقد اختار الضلالة بعد الهدى، واتبع هواه فأضله الله على علم:

يقول سبحانه وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُون﴾.

ولنأخذ نموذجاً مشاهداً في مجتمعنا نراه دائماً: نعلم جميعاً أن الغيبة محرمة، ونمتلك المعلومة في هذا الجانب، ونحفظ النصوص الشرعية التي تؤكد على عظم خطرها، وسوء عاقبتها، وأنها كبيرة من كبائر الذنوب، وكذلك الحال مع "البهتان" وهو أبلغ من الغيبة أثراً، وأعظم منها خطراً، وأشد منها تحريمًا، لكننا نرى من يمارس هاتين الخصلتين القبيحتين المحرمتين في تعامله مع الآخرين، فلا يتورع عن الغيبة، والنميمة، والبهتان، وقول الزور رغم علمه بحرمة ذلك، ومعرفته بالنصوص الزاجرة عن فعل ذلك! بل ربما رأيته يقول بلسانه ما يخالفه بقلبه وأفعاله، فينهى عن فعل هو أول الواقعين فيه، ويأمر بعمل هو أول المعرضين عنه!

إن هذه المخالفات تدل على سوء الخلق وضعف الإيمان، والإعراض عن التوجيهات الشرعية التي تدعو إلى تجنب مساوئ الأخلاق والتحلي بمحاسنها؛ ومنها حسن المعاملة، ولين الجانب، وأن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه.

إن ظلم الآخرين، وسلب حقوقهم، والوقوع في أعراضهم، وتنقصهم واحتقارهم، وتلمس هفواتهم، وتجاهل إنجازاتهم وحسناتهم، بدافع من الكبر أو الحسد، يكون ذنبه أعظم، وأثره أشد، عندما يصدر من أناس يعلمون، ويعرفون الحق، ولكنهم أعرضوا عما علموه، وتجاهلوا ما يملكونه من معرفة في هذا الجانب، بل ما زادهم علمهم إلا خساراً، ولا زادتهم معرفتهم إلا فشلاً وهواناً، وقد ضرب الله لهم الأمثال:

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

وهكذا لا تُقاس قيمة ما نعرفه بكثرته، بل بما يثمره في سلوكنا وعملنا. فالمعلومة تمنح صاحبها قدرة، وتحمله في الوقت نفسه مسؤولية استخدامها فيما ينفع، والعمل بمقتضاها بدل الاكتفاء بحفظها وترديدها.

اقتبس هذا المقال

أ. د. حمد بن إبراهيم العمران. «المعلومات قوة: الاستخدام والمسؤولية». قضايا معلوماتية، المقال 04. مجلة المعلوماتية. https://informaticsjournal.net/?p=56810

مقالات ذات صلة