قد تضم مكتبة عامة مجموعات كبيرة، ثم يكون الإقبال على بعض خدماتها محدودًا. وتستحق هذه المفارقة نقاشًا يتجاوز عد الكتب والزوار: هل يجد الناس فيها ما يلائم حاجاتهم؟ وهل يعرفون ما تقدمه؟ وهل تتيح لهم سبلًا ميسرة للانتفاع بها؟
ولا يصح أن نستنتج من قاعة هادئة أن المجتمع لا يقرأ؛ فقد يستخدم القراء خدمات رقمية، أو يفضلون أوقاتًا مختلفة، أو تعوقهم ساعات العمل والمواصلات أو صعوبة الوصول إلى المواد. ولا يعني ذلك تجاهل ضعف القراءة، بل يدعونا إلى تشخيص أسباب الاستخدام المحدود قبل الحكم عليه.
إن تنمية القراءة مسؤولية تتكامل فيها الأسرة والمدرسة والمكتبة. فالطفل يحتاج إلى مواد تناسب عمره واهتمامه، وقدوة تقرأ، وحرية معقولة في الاختيار. وتستطيع المكتبة دعم هذه الخبرة ببرامج ولقاءات ومساحات مرحبة، دون اختزال دورها في إعارة الكتب وحدها.
ومن جهة أخرى، ينبغي أن تصمم الخدمات بمشاركة المستفيدين، وأن تصل المكتبة إلى فئات لا تزورها عادة. فالسؤال القصير عن سبب عدم الاستخدام، أو تجربة خدمة خارج المبنى، قد يكشف حاجة لا تظهر في إحصاء الإعارة أو عدد المقتنيات.
ولا تكفي حملة إعلامية لجذب الزائر مرة واحدة؛ فاستمرار الصلة يحتاج إلى خدمة نافعة وتجربة جيدة. ويمكن تقويم ذلك بما ينجزه المستفيد: مهارة تعلمها، أو مصدر عثر عليه، أو نشاط شارك فيه، مع الاستفادة من مؤشرات الحضور والاستخدام الرقمي دون جعلها الحكم الوحيد.
إن المكتبة العامة والقراءة تسند إحداهما الأخرى؛ فلا نؤجل تطوير المكتبة حتى يتكون جمهور مثالي، ولا نتوقع أن يبني المبنى وحده عادة القراءة. وما نحتاج إليه هو عمل متواصل يصل بين الموارد والناس، ويجعل المكتبة حاضرة في حياتهم بقدر ما تضيفه إليها.