حين نجد خدمة مفيدة لا تطلب منا اشتراكًا ماليًا، قد نسارع إلى استخدامها دون أن نسأل عما تطلبه في المقابل. نوافق على الشروط، ونمنح الأذونات، ثم نعود إلى ما نريد إنجازه. لكن هل قرأنا ما وافقنا عليه؟ وهل تحتاج الخدمة فعلًا إلى كل هذه البيانات؟
لا يعني تقديم خدمة مجانية أنها تبيع معلومات مستخدميها؛ فطرق تمويل الخدمات تختلف، وقد تكون تعليمية أو حكومية أو قائمة على التبرعات أو الاشتراكات الاختيارية أو الإعلانات. وما يعنيني هنا أن غياب المقابل المالي لا يعفينا من معرفة ما نجمعه نحن من فوائد، وما نتيح للجهة المقدمة من معلومات وصلاحيات.
قد يحتاج تطبيق الخرائط إلى موقعنا ليرشدنا إلى الطريق، لكن حاجته إلى الموقع أثناء الاستخدام لا تعني بالضرورة حاجته إليه طوال الوقت. وقد نستخدم تطبيقًا لمسح الوثائق، دون أن يكون واضحًا لنا هل تبقى الصور في الجهاز أم تنتقل إلى خوادم أخرى. وهذه فروق تستحق السؤال قبل أن نضع فيه وثائقنا.
وتبدأ العناية بالخصوصية من أسئلة بسيطة: ما البيانات المطلوبة؟ ولماذا تجمع؟ ومن يستطيع الوصول إليها؟ وهل يمكن استخدام الخدمة بصلاحيات أقل؟ ثم ننظر في الخيارات المتاحة، فنمنح الإذن الذي نحتاج إليه، ونراجع ما سبق أن منحناه، ونحذف من الحساب ما لا داعي للاحتفاظ به متى أمكن ذلك.
ولعل من صور التساهل أن نحرص على بياناتنا، ثم نرفع ملفًا يضم أسماء الآخرين وأرقامهم دون تفكير. فالمعلومة التي في أيدينا قد لا تخصنا وحدنا، ومسؤوليتنا عنها لا تسقط لأن وسيلة المشاركة سهلة أو لأن الغرض منها حسن.
ولا أرى أن الحل هو الامتناع عن كل خدمة رقمية؛ فذلك يعطل مصالح كثيرة. لكن الانتفاع الواعي يقتضي أن نختار، وأن نسأل، وأن نعرف أن بعض البيانات التي ننشرها قد يصعب استرداد السيطرة عليها بعد تداولها.
إن حماية الخصوصية تبدأ قبل تسرب المعلومات، عند اللحظة التي نقرر فيها مشاركتها. والخدمة المفيدة تستحق أن نجربها، لكنها تستحق أيضًا أن نفهم شروطها وحدودها؛ حتى لا نكتشف لاحقًا أننا منحناها أكثر مما كنا نريد.